أَرِقتُ لِهمٍّ ضافنى بعد هَجْعةٍ على خالدٍ فالعَينُ دائمةُ السَّجْم
إذا ذكرتْه العينُ أغرَقَها البُكَى وتَشرَق من تَهمالِها العَينُ بالدَّمِّ (١)
تَشَرق: تَنشَب، ومنه شِرق بالماء، إذا انتَشَب الماءُ فى حلقِه.
فباتت تراعى النجمَ عَينٌ مريضةٌ لمِا عالهَا واعتادها الحزنُ باِلسُّقْم
عالها أي أثقَلَها أو بلغ منها.
وما بعد أن قد هَدّنى الدهر هَدّةً تَضالَ لها جِسمِى ورَقَّ لها عَظْمِى
تَضالَ: مخفّفُ تَضاءل.
وما قد أَصابَ العَظْمَ منّى مُخامرٌ من الداء داءٌ مستكِنٌّ على كَلْم
قوله: مُخامِر، أي مستِكنّ (٢) ملازِم.
_________________
(١) نقل صاحب اللسان عن الكسائى (مادة دمى) قال: لا أعرف أحدا يثقل الدم، فأما قول الهذلى: * وتشرق من تهمالها العين بالدم * أي بتشديد الميم. مع قوله: "فالعين دائمة السجم"، فهو على أنه ثقل فى الوقف فقال الدمّ، فشدّد، ثم اضطر فأجرى الوصل مجرى الوقف. كما قال: "ببازل وجناء أو عيهل" أي بتشديد اللام الخ.
(٢) عبارة الخزانة ج ٢ ص ٣١٨ "مخالط وملازم".
[ ٢ / ١٥١ ]
وأن قد بدا منّي لما قد أصابنى من الحزن أنِّى ساهمُ الوجهِ ذو هَمِّ
شديد الأسى بادى الشُّحوبِ كأنّنى أخو جِنّة يعتاده الخَبْلُ فى الِجسمِ
الأسى: الحزن. والخَبْل: فساد العقل والِجسم.
بفقد امرئ لا يجتوى الجارُ قُرْبَه ولم يك يُشْكَى بالقطيعةِ والظُّلمِ
لا يجتوى: لا يكره.
يعود على ذى الجهلِ بالِحلِم والنُّهى ولَم يَكُ فَحّاشا على الجار ذا عَذْمِ (١)
ولَم يكُ فَظًّا قاطعا لقرابةٍ ولكن وَصولا للقرابةِ ذا رُحْم
ذا رُحْمِ: ذا رَحمةٍ.
وكنتَ إذا ساجرتَ منهم مُساجِرًا صفحتَ بفَضْلٍ فى المُروءة والعِلِم
قوله: ساجَرْت، خالَلْت، من المُخالّة.
وكنتَ إذا ما قلت شيئًا فعلتَه وفُتَّ بذاك الناسَ مجتمِعَ الحَزمِ
فإن تك غالتْك المنايا وصَرْفُها فقد عِشتَ محمودَ الخلائقِ والِحلمِ
كريمَ سجيّات الأمور محبَّبا كثيَرُ فضول الكفّ ليس بذى وَصْمِ (٢)
_________________
(١) العذم: الأخذ باللسان واللوم والوقيعة.
(٢) وضع فوق كلمة "وصم" فى الأصل قوله: "عيب".
[ ٢ / ١٥٢ ]
أَشمَّ كنَصْلِ السيفِ يرتاح للندَى بعيدا من الآفاتِ والخُلُقِ الوَخْم
قوله: يرتاح للندى: يخِفّ للندى.
جمعتَ أمورا يُنفِذ المَرَّ بعضُها من الحِلْم والمعروفِ والحَسَبِ الضَّخْم
المَرَّ: لغتهم، يريد المرءَ يا هذا. يقول: بعض هذه الأمور التي فيك تجعل المرء نافذا، فكيف كلّها، فقد اجتمعت فيك.
أتته المنايا وهو غَضٌّ شَبابُه وما لِلمنايا عن حِمَى النَّفسِ مِن عَزْمِ (١)
وكلّ امرئ يوما إلى الموت صائر قضاءً إذا ما حان يؤخذ بالكَظْم (٢)
وما أحد حىٌّ تأخّرَ يَومُه بأخلدَ ممّن صار قبَل إلى الرَّجْمِ
الرجم (٣): القبر.
سيأتي على الباقِين يومٌ كما أتى على من مضى حتمٌ عليه من الحَتْمِ
فلستُ بناسِيه وإن طال عهدُه وما بعدَه للعيشِ عِندِىَ من طعمِ
_________________
(١) العزم هنا بمعنى الصبر، قاله البغدادى فى الخزانة ج ٢ ص ٣١٩.
(٢) الكظم: "الحلق" وقيل "الفم" وأصله بفتحتين وسكَن ثانيه ضرورة قاله البغدادى فى الخزانة ج ٢ ص ٣١٩ وفسر الكظم بالتحريك فى اللسان بأنه مخرج النفس بفتح الفاء، وأنشد بيت أبى خراش هذا وروايته "إلى الله" مكان قوله: "إلى الموت"، و"إذا ما كان" مكان قوله: "إذا ما حان".
(٣) أصله الرجم بفتح الجيم، وسكن ضرورة، انظر خزانة الأدب للبغدادي.
[ ٢ / ١٥٣ ]