أثناء الرحلة الطويلة التى قطعتها باحثًا عن مخطوطات الشامل هنا وهناك ظل يخايلنى كتابٌ آخر بالعنوان نفسه، لمؤلفٍ آخر غير العلاء. وبلغت المخايلة غايتها فى دار الكتب المصرية، حيث تحتفظ الدار بمخطوطةٍ من الشامل الذى أبحثُ عنه، منسوبةً فى فهرس الدار - وهو فهرسٌ بدائىٌّ أقرب إلى القائمة الحصرية منه إلى الفهرس بمعناه العلمى - إلى مؤلِّفٍ اسمه: أبو سعيد بن أبى مسلم بن أبى الخير، الملقَّب بغيات الغيث.
وقبل الدخول فى تفاصيل هذا الإشكال الذى ألمحتُ إليه فى كتابى السابق دون الوصول إلى رأىٍّ حاسمٍ حوله (٢) . أقول، قبل الدخول إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أن المفهرس التراثى العظيم: حاجى خليفة (مصطفى بن عبد الله القسطنطينى، المعروف بملا كاتب جلبى، المتوفى ١٠٦٧ هجرية) كان قد ذكر فى كتابه الرائد: كشف الظنون (٣) .. أربعةَ عشر كتابًا بعنوان الشامل منها كتابان فى الطب! والكتب الأربعة عشر، هى:
* شَامِلُ التفاسير (٤) .
_________________
(١) يوسف زيدان: البحث عن كتاب مخطوط (جريدة الأهرام، يوم ٢٥/٣/١٩٩٤) .
(٢) يوسف زيدان: علاء الدين (ابن النفيس) القرشي، إعادة اكتشاف ص ٧٧،.
(٣) حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (دار الفكر ببيروت - طبعة مصورة) ص ١٠٢٣ وما بعدها.
(٤) لم يذكر حاجي خليفة مؤلِّف هذا الكتاب.
[ ٢١ ]
* الشَّامِلُ فى الأصول (١) .
* الشَّامِلُ فى أصول الدين، للجوينى.
* الشَّامِلُ من البحر الكامل (٢)، للطبسى.
* الشَّامِلُ فى تهذيب الذوات الإنسانية (فى التصوف) لعبد الخالق ابن أبى قاسم المصرى.
* الشَّامِلُ فى الجبر والمقابلة، لابن أسلم
* الشَّامِلُ فى علم الحرف، للسكَّاكى.
* الشَّامِلُ فى فروع الحنفية، للبيهقى.
* الشَّامِلُ فى فروع الشافعية، لابن الصباغ.
* الشَّامِلُ فى فروع المالكية، لبهرام الدميرى.
* الشَّامِلُ فى القراءات، للنيسابورى.
* الشَّامِلُ، لأبى الفضل محمد بن أبى جعفر المنذرى (٣) .
* الشَّامِلُ فى الطِّبِّ، لأبى سعيد بن أبى مسلم بن أبى الخير الملقب بغيات الطبيب.
_________________
(١) وهو - كسابقه - لمؤلف مجهول، جمع فيه كتابين من متون أصول الدين هما: منتخب المنار، المغنى.. ثم شرحهما بطريقة: (قال، أقول) .
(٢) وهو كتاب في التنجيم، عنوانه كاملًا: الشامل من البحر الكامل في دور التأمل في أصول التعزيم وقواعد التنجيم.
(٣) لم يذكر حاجي خليفة موضوع هذا الكتاب، ولا عنوانه الكامل.. ويبدو أنه عرف به، لكنه لم يطالعه.
[ ٢٢ ]
* الشَّامِلُ فى الطِّبِّ، للشيخ علاء الدين (على بن أبى الحزم القرشى ابن النفيس، الطبيب، المصرى، صاحب الموجز)
وفى تذييله على كشف الظنون أورد إسماعيل باشا البغدادى مزيدًا من الكتب التى حملت عنوان الشامل.. بحيث صار لدينا عشرون كتابًا بهذا العنوان. وما أورده البغدادى، هو العناوين التالية:
* الشَّامِلُ فى علم القرآن، لأبى بكر الصولى.
* الشَّامِلُ فى فضائل الكامل، لابن خلف المصرى.
* الشَّامِلُ فى فقه الزيدية، ليحيى بن حمزة.
* الشَّامِلُ فى اللغة، لأبى منصور الأصبهانى.
* شَامِلُ اللغة، لعماد الدين القرَّه حصارى.
* الشَّامِلُ للعوامل، لمحمد البرزنجى (١) .
ومع وجود هذا العدد الكبير من الكتب التى تحمل عنوان الشامل ومع هذا (التداخل) الذى أحدثه مفهرس دار الكتب المصرية، حينما نسب المخطوطة إلى أبى سعيد مسلم بن أبى الخير.. وهو لم يكن يتوهَّم - فى واقع الأمر - وَهْمًا كبيرًا، فقد أورد المفهرسُ الكبير حاجى خليفة ما يدعم مفهرس الدار.. المهم أن الأمر اقتضى مزيدًا من البحث، والحسم، لهذا الموضوع المتعلِّق تعلُّقا مباشرًا بالموسوعة التى نحن بصدد نشرها محققةً. وقد انتهى بحثنا، إلى الآتى:
_________________
(١) البغدادي: إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون (دار الفكر ببيروت) ٣٩/٢. وقد أورد البغدادي كتابًا لم يحدِّده بدقه، هو: شرح الشامل في بحر الكامل في الجبر والمقابلة للسوبيني المتوفي ٨٥٨ هجرية.. وقد مَرَّ علينا أن الشامل من بحر الكامل هو كتابٌ في التعزيم والتنجيم، للطبسي؛ وليس في الجبر والمقابلة. فتنبَّه.
[ ٢٣ ]
أولًا: بصدد مخطوطة دار الكتب المنسوبة إلى أبى سعيد مسلم بن أبى الخير وهى المحفوظة بالدار تحت رقم ٦٠٥٧/ ل؛ ظهر أنها تضم الثلاثة أجزاء الأولى من موسوعة العلاء (ابن النفيس) وأنها تطابق طريقة الشامل فى الصناعة الطبية من حيث الأسلوب ونظام التقسيم الداخلى.. إلخ.
كما وجدنا مخطوطة أخرى منها، محفوظة بالظاهرية تحت رقم ٧١٧٠/طب، ومنسوبةً هناك صراحةً للعلاء (ابن النفيس) .. وقد قدَّمتُ نماذج متطابقة من المخطوطتين، فى ملحق كتابى الأخير، حيث أوردتُ مجموعةً من المخطوطات النادرة التى ألَّفها العلاءُ، أو ارتبطت به (١) .
ثانيًا: بالتنقيب وراء الكتاب (الآخر) الذى بعنوان الشامل تبيَّن أن هناك مخطوطتين منه. الأولى محفوظة بدار الكتب المصرية، ذاتها، تحت رقم ٦٠٢/طب طلعت. والأخرى محفوظة بمكتبة أحمد الثالث باسطنبول، تحت رقم ٢١٠٨ وقد جاء بأولها أنها: كتاب الشامل لابن الصورى! وجاء على بطاقة فهرستها: الشامل فى الطب، لأبى سعيد بن أبى الإمام أبى مسلم الشيرازى.
ثالثًا: بخصوص اسم المؤلِّف، ليس هناك طبيبٌ يكنَّى غياث الغيث وإنما وجدنا: غياث الدين أبا المعالى، العز بن أبى الفضل بن أبى العباس الأبرقوهى الشيرازى. ووجدنا: ابن الصورى رشيد الدين أبا المنصور بن أبى الفضل بن على الصورى. والأخير منهما، طبيبٌ عَشَّابٌ من أهل الشام، ولد سنة ٥٧٣ بمدينة صور، ونشأ بها، ثم انتقل عنها، واشتغل بصناعة الطب ووضع من الكتب: الأدوية المفردة، الرد على كتاب التاج فى الأدوية المفردة. وكانت وفاته، وفق ما ذكره مواطنه ومعاصره ابن أبى أصيبعة: يوم الأحد، أول شهر
_________________
(١) يوسف زيدان: علاء الدين.. ص ٢٠٣، ٢٠٤.
[ ٢٤ ]
رجب، سنة ٦٣٩ هجرية، بدمشق (١) .
رابعًا: بعد الحصول على مخطوطتىْ الكتاب المشار إليهما سابقًا، وجدنا هذا الشامل فى النسختين، يبدأ بما يلى: الحمد لله الفاطر، البديع، العلام المؤمن، المهيمن، السلام، المنزه ذاته عن مطارح الأبصار ومعارج الأوهام المقدَّس صفاته عن هواجس الأفكار ووساوس الأوهام.
ثم يرد اسم المؤلِّف على النحو التالى: قال (الشيخ) الإمام الأعظم الأفضل (الأعلم) مالك مملكة الفضائل والحكم، جامع الفروع والأصول، حاوى أصناف المنقول والمعقول: غياث الملة والدين، جلال الإسلام والمسلمين، أبو سعيد بن الإمام أبى مسلم بن أبى الخير الطبيب (الشيرازى) أدام الله تعالى مبانى الفضل عليه، وكثَّر فى الإسلام أمثاله.. إلخ.
وبعد هذه الديباجة، التى من الواضح أنها من وضع الناسخ الأصلى للكتاب، وهو الناسخ الذى كان معاصرًا للمؤلِّف (٢)؛ تبدأ ديباجةُ المؤلِّف التى يقول فيها: لما ظهر نورُ الحقِّ من أفق العدم، فاستضاءت (٣) بشعاعه بوادى الظُلَمِ، واقتضت (٤) عنايته إيجاد آدم من القِدَمِ، ثم (٥) اصطفاه واجتباه وشرَّفه بخطاب ﴿وفضلناهم على العالمين﴾ (٦) وجعلناه خليفةً فى الأرضين.. فإذن
_________________
(١) ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ص ٧٠٠. وقد أورد ابن أبي أصيبعة ترجمةً مطوَّلةً عنه، وللمزيد من أخباره يمكن الرجوع إلى: معجم المؤلِّفين ١٦١/٤، هدية العارفين ٣٦٨/١، إيضاح المكنون ٥٥٤/١.
(٢) بدليل قوله: أدام الله مباني الفضل عليه.
(٣) في مخطوطة أحمد الثالث: فاستقا، وفي مخطوطة دار الكتب المصرية: فاستضا.
(٤) في النسختين: اقتصى.
(٥) ساقطة من نسخة أحمد الثالث.
(٦) في النسختين: فضلناه على العالمين! والآية من سورة الجاثية / آية ١٦.
[ ٢٥ ]
كان أولى ما تتولَّى (١) عليه الهممُ العوالى.. تعلُّم حفظ صحة صاحب هذه المناقب والمعالى (٢) .. وهو علم الأبدان الذى هدانا إليه الخالق الدَّيَّان. ثم يصرِّح المؤلِّف بعنوان كتابه، وبالسبب الذى دعاه لاختيار هذا العنوان؛ فيقول: ورتَّبته ترتيب الإيجاز والإقلال، محترزًا من السآمة والإملال، وسميته: الشامل لاشتماله على المطلوب واحتوائه على المقصود، معتصمًا بالله الودود.
ويذكر المؤلِّف أنه جعل كتابه على قسمين: الأول: فى حفظ الصحة وبنيانه على أربع مقالات. الأولى: فى الوصايا.. الثانية: فى إصلاح الأمور الطبيعية.. الثالثة: فى حفظ الصحة فى الفصول الأربعة.. الرابعة: فى حفظ صحة الأعضاء الرئيسية والمرؤسة.. القسم الثانى، فيه مقدمة وست مقالات (٣) . وفى كل مقالة عددٌ من الفصول، ذكر المؤلِّف عناونيها فى المقدمة ثم شرع فى الكتاب الذى جاء فى ٢٧٣ ورقة مقاس (٢٠× ١٣سم) فى مخطوطة أحمد الثالث، التى تنتهى بقوله: يُعالج بعلاج القروح الأُخرى، والله أعلم، تمت المقالة الأولى بتوفيق الله جل وعلا.
أما مخطوطة القاهرة، التى تقع فى ٢٦٥ ورقة من القطع الكبير (مقاس ٢٢×١٥سم) فهى تنتهى بقول المؤلِّف: الباب الرابع عشر، فى طرد الهوام.. وما يطرد الهوام والحيَّات خاصةً، التبخير بأظلاف الماعز وقرون الأبل (٤) .
ويظهر مما سبق، أن الكتاب ليس لابن الصورى، وليس لغياث الغيث! فكلاهما انتحالٌ من عمل المتأخِّرين، أما المؤلِّف الحقيقى - على الأرجح - فهو
_________________
(١) .. يتولى.
(٢) يقصد: ابن آدم (الإنسان) .
(٣) الشامل، للشيرازي (الورقة الثانية) .
(٤) وضعنا ضمن نماذج المخطوطات بآخر هذه الدراسة، صورًا من هاتين المخطوطتين.
[ ٢٦ ]
المذكور فى ديباجة الكتاب، أعنى: غياث الدين الشيرازى.. وبالبحث عنه وجدنا له ترجمةً عند السخاوى فى ضوئه اللامع، نصُّها:
محمد بن إسحق بن أحمد بن إسحق بن أبى بكر، غياث الدين أبو المعالى، العز بن أبى الفضل بن أبى العباس الأبرقوهى الشيرازى، وكان أبوه قاضيها المكى، ويعرف بالكتبى. ولد سنة خمس وعشرين وسبعمائة بأبرقوه، ودخل دمشق فسمع بها على ست العرب حفيدة الفخر (١) الشمائل النبوية (٢) للترمذى. وقدم مكة فقطنها نحو ثلاثين سنة، على طريقةٍ حسنة من كَفِّ الأذى والإقبال على الخير والعبادة. وجرت على يديه، من قبل (شاه شجاع، صاحب فارس) لكونه كان من جماعته، صدقاتٌ لأهلها ومآثرٌ بها. وكان بارعًا فى الطبِّ، انتفع به أهل مكة فيه كثيرًا سيما وهو يحسن إليهم بما يحتاجونه من أدوية وغيرها. وصنَّف فيه كتابًا حسنًا. مات بعد انقطاعه فى بيته لضعفه وعجزه عن الحركة فى جمادى الأولى سنة خمس (٣)، ودفن بالمعلاة ذكره الفاسى فى (أخبار) مكة، ثم التقى بن فهد فى معجمه، وشيخنا فى إنبائه (٤) والمقريزى فى عقوده، وآخرون (٥) .
_________________
(١) إذا أُطلقت كنية (الفخر) فالمراد بها: فخر الدين الرازي، المتوفي سنة ٦٠٦ هجرية.. وهو أحد أهم المفكرين والمتكلمين في تاريخ الإسلام.
(٢) هو كتاب: الشمائل النبوية والخصائث (الخصال) المصطفوية، للإمام الترمذي المحدِّث.. وهو احدٌ من أهم كتب الحديث والسيرة.
(٣) يقصد: سنة خمس وثمانمائة (٨٠٥ هجرية) .
(٤) يقصد: شيخه ابن حجر في كتابه إنباء الغمر بأبناء العمر.
(٥) السخاوي: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (منشورات مطبعة الحياة، بيروت - طبعة مصورة) ١٣٢/٤.
[ ٢٧ ]
والفقرة السابقة نقلها د. أحمد عيسى بتمامها، فى معجمه الذى استكمل به عيون الأنباء فى طبقات الأطباء وختمها بإشارة إلى ترجمة الشيرازى فى الطبقات لابن قاضى شهبة، حوادث سنة ٨٠٥ هجرية (١) (وهى سنة وفاة الشيرازى)
وتبقى، مع ذلك؛ جملةُ إشكالات. الأول: أن مولد غياث الدين الشيرازى وفقًا لما ذكره السخاوى، كان سنة ٧٢٥ هجرية. وقد ذكر حاجى خليفة، أن (غياث الطبيب) انتهى من الكتاب سنة ٧٣٦ هجرية (٢) .. فكيف يتفق أنه كتب كتابه فى الحادية عشر من عمره؟! والإشكال الآخر: أن أول الكتاب فى المخطوطتين، يطابق أوله عند حاجى خليفة، وكذلك وَصْف الكتاب وأقسامه بيد أن المؤلِّف فى المخطوطة: غياث الملة والدين.. أبو سعيد بن أبى مسلم بن أبى الخير الشيرازى. وهو فى كشف الظنون: أبو سعيد بن أبى مسلم بن أبى الخير الملقب بغيَّاث. وهو فى كليهما، عبارة عن كُنى لا أسماء، بل لايوجد فيه اسمٌ واحد! بينما الاسم عند السخاوى: محمد بن إسحاق بن أحمد غياث الدين الشيرازى فذكر اسم أبيه وجده، من غير كنى.. وقد أشار السخاوى إلى كتابه، من غير ذِكْر العنوان بقوله: وكان بارعًا فى الطب.. وصنَّف فيه كتابًا حسنًا. فهل كان السخاوى يقصد كتابه: الشامل؟!
والإشكال الأخير هنا: أن الشيرازى إذ يختار عنوانًا لكتابه؛ هل ضاقت عليه العناوين، فاختار عنوانًا مطابقًا لعنوان موسوعة العلاء - الذى سبقه بأكثر من مائة عام - أم تراه لم يسمع أصلًا بموسوعة الشامل فى الصناعة الطبية؟!
_________________
(١) د. أحمد عيسى: معجم الأطباء، ذيل عيون الأنباء في طبقات الاطباء (دار الرائد العربي بيروت ١٩٨٢) ص ٣٧٠.
(٢) حاجي خليفة: كشف الطنون عن أسامي الكتب والفنون، ص ١٠٢٤.
[ ٢٨ ]
وعلى أية حال، وعلى الرغم من هذه الإشكالات؛ فقد عرفنا أن هناك كتابين فى تراثنا الطبى، بعنوانٍ واحد.. وإن اختلفا فى المؤلِّف، وفى طريقة التأليف، وفى حجم الكتاب! فالشامل للشيرازى، لايزيد فى حجمه عن بعض أجزاء الشامل للعلاء القَرَشى (ابن النفيس) .