إنَّ الأبار لما كان (٢) غالبُ أجزائه (٣) هو الزئبق ومن (٤) شأنه التصعُّد بالحرارة، فلذلك كانت رائحة الأبار عند إحراقه، ضارةٌ جدًا بالدماغ (٥)، تُحدث الرعشة والخدر، ونحو ذلك؛ على ما تعرفه عند كلامنا فى الزئبق (٦) .
ولأن جوهر الأبار أكثر من الزئبق، والزئبق - لامحالة - يتعلَّق به إذا لاقاه لأنه من جوهره - كما يتعلَّق الزئبق بعضه ببعض - فلذلك، إذا أُخذ من الأبار مَيْلٌ رقيق، وأُدخل فى الأذن التى بها الزئبق، تعلَّق به. فيمكن بذلك، إخراج ذلك الزئبق.
وقد منع ذلك بعضُهم، وقال: إن الزئبق إذا كان فى الأذن، بحيث يصل إليه، سَهُلَ حينئذٍ إخراجه بمثل الحفر والتحريك، من غير حاجةٍ إلى هذا. وهذا لايصحُّ، وذلك لأن هذا الميل، لأجل لينه، يسهل انعطافه فى تعاريج باطن الأُذن، حتى يمكن وصوله إلى قريبٍ من آخر تجويفها؛ وذلك لأجل قبول الرصاص للانحناء والانثناء بسهولة.
_________________
(١) هـ: الثاني.
(٢) :. كانت.
(٣) :. أجزاءه.
(٤) :. من.
(٥) ن: بالدغ.
(٦) انظر المقالة التاسعة عشر من كتاب الزاى.
[ ١٢٨ ]
وكذلك، قد يُعمل من الرصاص مسلَّةً، ويُدخل فى ثقبها الحبل الذى يُتَّخذ من الشَّعْر (١)، لأجل جرد اللحم الزائد من الخيشوم، ثم يُدخل تلك المسلة فى الأنف، ويدفعه حتى ينتهى إلى أعلى الحلق - وذلك وراء اللهاة (٢) - فيؤخذ (٣) طرفها من هناك، فيجذبه حتى ينجذب ذلك الحبل ويخرج طرفُهُ من الفم، ويكون باقيه خارج الأنف، وينبغى أن يكون طرف هذا الحبل الذى يدخل فى المسلَّة دقيقًا (٤) - ليسهل نفوذه - منقطفًا، وأما باقيه فيكون غليظًا بالقدر الذى يُحتاج إليه فى جرد اللحم الزائد.
والمحرق من الرصاص شديدُ النفع فى قروح العين، لما نذكره فى الإسفيداج.
_________________
(١) ،: المشعر.
(٢) :. اللهات.
(٣) سقطت بعد هذا الموضع، ورقتان من هـ.
(٤) ن: دقيق.
[ ١٢٩ ]