إنَّ هذا الدواء، لأجل تفتيحه وجلائه (١)، ينبغى أن يكون من أدوية اليرقان (٢) . ولم نجد للأوَّلين كلامًا (٣) فى هذا الدواء، وإنما تكلَّم فيه المتأخِّرون ولم يُعرف بالبلاد المشرقية إلا فى زماننا، وهو إلى الآن لم يُعرف - بعدُ (٤) - فى البلاد البعيدة عن بلاد مصر بُعدًا كثيرًا. وأوَّل تعرُّفه، إنما كان لأجل نفعه من البَرَصِ (٥) وذلك لأن طائفة من البربر كانوا يشفون به البَرَصَ ويخفونه عن الناس ولا يعرفه غيرهم. ثم عُرف بعد ذلك، واشتهر؛ وذلك لأن فعله فى البَرَصِ عجيبٌ، لأنه إذا تناوله المبروص، وكشف مواضع البَرَصِ للشمس، نفطت (٦)
_________________
(١) :. جلاه.
(٢) اليرقانُ هو اصفرارُ الجلد. والأصلُ في التسمية من عالم النبات، حيث تُصاب أوراق الشجر باليرقان، إذا اصفرَّت وآلت للسقوط. يقول الشيخ الرئيس: اليرقان تغيُّرُ فاحش من لون البدن إلى صفرة أو سواد، لجريان الخلط الأصفر أو الأسود إلى الجلد وما يليه، بلا عفونة (ابن سينا: القانون في الطب ٤٠٠/٢) .
(٣) :. كلام.
(٤) ن: لبعده.
(٥) البرص داءٌ معروف، وهو بياضُ يقع في الجلد يقال للمصاب به: أبرص. والأنثى: برصاء،. والجمع: برصان (ابن منظور: لسان العرب ١٩٥/١) .
(٦) يقصد: احتقن ماءٌ تحت الجلد. والنفاطات في كلام قدامى الأطباء، تطلق على الانتفاخات التي تكون تحت الجلد، وسواءٌ كانت منتفخة بالماء أو بالدم (راجع، القانون في الطب ١١٩/٣) وانظر ما سنقوله عنها فيما بعد.
[ ٧٥ ]
تلك وتقرَّحت، من دون سائر جسده. ثم بعد ذلك، ينبت بدل تلك المواضع لحمٌ صحيحٌ، وجلدُ حَسَنٌ (١) .
فإن كان ذلك البَرَصُ حديثًا غير مستحكم، فربما كفى صاحبه أن يفعل ذلك مرةً واحدة. وربما لم يكفه (٢)، بل بعد نبات ذلك اللحم، يعاوده البَرَصُ ثانيًا، ويكون أضعف من الأول؛ ثم إذا عاود تناول هذا الدواء، وتقرَّح مرةً أخرى؛ استمر لحمُهُ على الصحة، وذلك هو النابت بعد التقرُّح الثانى. وربما لم يكف ذلك، وأُحوج إلى مرةٍ ثالثةٍ، ورابعة، وذلك إذا كان البرص قويًا.
وربما لم ينجح هذا الدواء البتة، بل كلما سقط موضع البَرَصَ ثم عاد لحمٌ صحيح، عاد (٣) البَرَصُ بعد مُدة؛ وذلك إذا كان البَرَصُ قد استحكم وقوى. وربما كان هذا التدبير (٤) - حينئذٍ - مُزيدًا فى البَرَصِ وذلك لأجل زيادة ضعف مواضعه وما يقرب منها، بتكرير التقرُّح.
فهذا ما جُرِّبَ فى أمر هذا الدواء فى البرص. ونقول: إن فعل آطِرِيلال هذا، سببه أن هذا الدواء مع حِدَّته وحرارته وتعفُّنه، هو شديدُ اللطافة، قوىُّ النفوذ - وقد بيَّنا ذلك فيما (٥) سلف - وإذا تناوله الإنسانُ، نفذ بسرعةٍ وقوةٍ إلى ظاهر بدنه، فما كان من ظاهر بدنه سليمًا، تحلَّل منه وخرج سريعًا، فلم يكن له هنا أثرٌ من تقرُّحٍ ونحوه؛ ولو بقى فى موضعٍ ما من المواضع السليمة مدةً
_________________
(١) :. جسد!
(٢) :. يكفيه.
(٣) :. عود.
(٤) يقصد: العلاج بآطريلال.
(٥) - ن.
[ ٧٦ ]
لأجل غلظ الجلد هناك - ونحو ذلك - لم يلزم، أيضًا، أن يحدث فيه تقرُّحًا ونحوه، لأنه لا يجد هناك رطوبةً يفسدها (١) حتى تصير مقرَّحةً. وما كان من ظاهر البدن مبروصًا، فإن مسام ذلك الموضع تكون مفسدةٌ، بما فيها من البلغم فلذلك لا يتمكَّن هذا الدواء من النفوذ فى تلك المسام إلى خارج، سريعًا؛ بل يبقى هناك مُدة، ويصادف (٢) الرطوبات البلغمية هناك، كثيرةً، ويعفِّنها ويحدِّها فتصير مقرَّحةً، فيحدث لذلك تقرُّح تلك المواضع فقط، لا (٣) أن نفوذه (٤) إنما كان إلى تلك المواضع فقط، بل لأنه إنما احتبس ووجد رطوبةً تستعدُّ (٥) للحرارة والفساد هناك فقط.
فلذلك، صار تأثيره هذا التأثير، إنما هو فى المواضع المبروصة (٦) فقط. وإذا تقرَّحت تلك المواضع، وزال ما فيها من الجلد الفاسد، ومن البلغم، ونبت بعد ذلك جلدٌ جديدٌ، كان ذلك الجلد خاليًا من (٧) البلغم، ولذلك يكون صحيحًا.
وإنما يعرض له بعد ذلك البَرَصُ - إن عرض - لأجل حصول بلغمٍ آخر فيه يفعل البَرَصُ. وذلك إذا كان البلغم فى ذلك البدن، قد صار من شأنه الاندفاع إلى ذلك الموضع؛ وذلك إذا كان البَرَصُ قد استحكم، لأنه إنما يستحكم إذا كان البلغم يندفع إليه كثيرًا، وذلك بأن يصير للطبيعة عادة، تدفع فضول البلغم إلى هناك.
_________________
(١) ن: يفسد.
(٢) ن: ويصادف.
(٣) -:.
(٤) :. نفوده.
(٥) ن: يستعد.
(٦) :. المبرصة.
(٧) ن: عن، ومطموسة في هـ.
[ ٧٧ ]
فهذا، بيانُ كيفية فعل هذا الدواء فى البَرَصِ. ونقول (١): وإذا كان الأمر كما قلناه، فينبغى إذا أُريد العلاج بهذا الدواء، قصد أمرين. أحدهما: أن يكون البدنُ شديدَ النقاء جدًا من البلغم، وذلك بأن يُبالغ فى استفراغ البدن منه لأنه إذا لم يكن كذلك، فقد يكون تناول هذا الدواء سببًا للزيادة فى البرص. وذلك إما لتكرار معاودته - كما قلناه - لأجل وجود البلغم الفضلى فى البدن واندفاعه (٢) إلى الجلد الحادث، قبل استحكام قوته - كما ذكرناه - أو لأجل انجذاب قسط من البلغم إلى موضع البَرَصِ لأجل تسخُّنه بحرارة هذا الدواء.
وثانيهما (٣): أن يُعان (٤) هذا الدواء على إحراق البلغم الذى يكون فى موضع البرص، وإفساده، حتى يكون مُقرِّحًا مُسقطًا للجلد المبروص. وهذه الإعانة إنما تكون بتقوية حرارته على ذلك، وذلك يكون بأمرين. أحدهما: أن يخلط معه ما يزيد فى حرارته، وذلك كما يخلط معه العاقِرُقَرْحا (٥) ونحوه. وثانيهما: أن يسخِّن موضع البرص، فتصير فيه سخونةٌ تُعين حرارة هذا الدواء على إفسادها فى ذلك الموضع من البلغم. وهذا التسخين، يتم بكشف الموضع للشمس الحارَّة، ونحو ذلك.
_________________
(١) :. فنقول.
(٢) الكلمة مكررة مرتين في هـ.
(٣) يقصد الأمر الآخر الذي تجب مراعاته عند التداوي بآطريلال.
(٤) :. يقال!
(٥) العاقِرُ قَرْحا دواءٌ مشهورٌ في التراث الطبي، وهو: نباتٌ يشبه البابونج الأبيض، المعروف في مصر بالكَرْكاش.. يسكِّن وجع الأسنان الحادث من البرودة، وينفع من النافض.. إلخ (الملك المظفر: المعتمد في الأدوية المفردة، دار القلم - بيروت ص ٣١٥) .
[ ٧٨ ]
وإذا فُعل الأمران (١)، كلاهما (٢)، فلا شك أن فعل هذا الدواء يكون (٣) أتم. فلذلك، يؤمر متناول هذا الدواء بكشف (٤) مواضع البَرَصِ للشمس الحارة لتصيبه فتسخَّنه، ولا أقل من أن يكون ذلك بقدر ساعة أو أكثر قليلًا، وذلك بحسب قوة الشمس وضعفها؛ وأن يخلط مع هذا الدواء ما يقوى حرارته.
ثم إن المعالجين بهذا الدواء، وقع بينهم الاختلاف فى الدواء الذى يخلطونه به (٥)؛ فبعضهم كان يخلط مع هذا الدواء مثل ربعه عاقِرقَرْحا وبعضهم كان يخلط مثل ثلثه سَلْخ الحية (٦) ومثل ثلثه ورق السِّذَاب (٧) فيكوِّن من هذين جزءٌ، ومن آطِرِيلالِ جزءٌ ونصف، يسحق كلٌّ على حدة، ويخلط الجميع. يستفُّ منه كل يوم، وزن ثلاثة دراهم، ويُردف قليلَ شرابٍ عتيق. يُفعل ذلك خمسة أيام. وبعضهم يسحق هذا الدواء، ويعجنه بالعسل، ويشرب منه كل يوم وزن مثالين بماءٍ حارٍّ. يُفعل ذلك خمسة عشر يومًا.
والأجودُ عندى أن يكون ما يُسقى من هذا الدواء فى أول الأمر، بقدرٍ يسير؛ وذلك بقدر نصف درهم، ثم يزاد قليلًا قليلًا. لأن استعمال الكثير، بغتةً
_________________
(١) ن: الأمرين.
(٢) :. كليهما.
(٣) ن: ليكون.
(٤) غير واضحة في المخطوطتين، وتُقرأ في كليهما: بحر!
(٥) - ن.
(٦) سلخُ الحية هو الجلدُ الذي يسقط عن جسم الثعابين عند نزول شمس الحمل، لأنه يكون قد جَفَّ من البرد والمكثف تحت الأرض، وأجوده جلد الذكور (تذكرة أولى الألباب ١٩٧/١) وقد استخدمه الأطباء للعلاج، خاصةً في أدوية العين (المعتمد المفردة، ص ٢٣٧) .
(٧) السِّذَاب هو شجرٌ يقارب شجر الرمان، أوراقه تقارب الصعتر - الزعتر - البستاني، إلا أنها سبطة، وله زهرٌ أصفر، يخلف بزرًا مُرَّ الطعم، وصمغه شديد الحِدَّة، مَن شّمه؛ مات بالرعاف والبرِّىُّ منه أحدُّ وأقوى (تذكرة أولى الألباب ١٨٦/١) .
[ ٧٩ ]
مما يملأُ البدن، أو يستفرِغُ، أو يسخِّنُ، أو يبرِّدُ، أو يحرِّك بنوعٍ آخر (١) من الحركة، أىَّ نوعٍ كان خطر. وكل ما (٢) كان كثيرًا، فهو مقاومٌ (٣) للطبيعة مفسدٌ لها. وأما ما يكون قليلًا قليلًا، فمأمونٌ متى أردت انتقالًا من شئ إلى غيره، ومتى أردت غير ذلك.
وينبغى أن يكون استعماله، بالعسل أو بالشراب؛ لأن كل واحدٍ من هذين، فإنه يسرع نفوذه إلى ظاهر البدن. أما العسل فلأجل (٤) محبة الأعضاء له - لحلاوته - فتجذبه بسرعة، وينجذب معه ما يكون مخالطًا (٥) له من الدواء. وأما الشراب فلأجل شدة نفوذه؛ ولذلك، كان شارب الخمر يحمرُّ بسرعة، لأجل سرعة نفوذ الخمر إلى ظاهر البدن.
ونقول: إن من الناس مَنْ يحدث له تقرُّح موضع البَرَصِ عند تناول هذا الدواء مرةً واحدة. وبعضهم إنما يحدث له ذلك، إذا تكرَّر تناوله له مرات كثيرة وبعضهم يحدث له ذلك بتناوله مرتين؛ وذلك بحسب لين الجلد وكثافته، ونحو ذلك.
وإذا كان البَرَصُ فى مواضع لحميَّة، كان حدوث التقرُّح عن هذا الدواء أسرع مما إذا كان الموضع قليل اللحم. وذلك لأن الموضع اللحمىِّ، يحتبس فيه هذا الدواء مُدَّة أكثر، فيكون فعله فيه أشدُّ وأوفر، ولا كذلك الموضع المعرَّى (٦) من اللحم.
_________________
(١) - ن.
(٢) :. كلما.
(٣) :. مقوم.
(٤) :. لأجل.
(٥) :. مخلطًا.
(٦) ن: المقوى.
[ ٨٠ ]