الجزءُ الثانى من الفَنِّ الثالث من الكتاب الشَّامل فى الصناعة الطبية. وقصدُنا فيه أن نتكلم فى أحكام الأدوية المفردة كلامًا مفصَّلًا بحسب دواءٍ دواء سواءٌ كان ذلك الدواء دواءً مطلقًا أو دواءً غذائيًا أو دواء سُمِّيًا أو سُمًّا على الإطلاق. حتى يكون كلامنا ها هنا، شاملًا لجميع الأجسام التى يصدق عليها أنها أدوية.
وقد جرت عادةُ مَنْ سبقنا بالكلام فى هذا الفن، ببسط (٢) الكتب بأمرين. أحدهما: كثرة أعداد الأدوية، حتى يستقصوا جميع ما وصل إلى معرفتهم من هذه الأدوية، ولو باسمه فقط. وربما ترادفت أسماءٌ، وكان الدواء (٣) فى ذاته واحدًا فكثَّروه لأجل تكُّثر أسمائه (٤)، ظانِّين أن مسمَّيات تلك الأسماء متغايرة! وربما حكم بعضهم على ذلك بأحكامٍ مختلفة، وكان المحكوم عليه فى نفس الأمر واحدًا. وثانيهما: تكثُّر أسماء القائلين فى كل دواء، إن كانت تلك الأقوال متوافقة وكثيرًا ممن يُظنُّ فيه - منهم - زيادةُ العلم، يزيد على ذلك، الكتبَ المشتملة على تلك الأقوال، وكذلك أسماء المقالات فى تلك الكتب، ظانِّين أن العلم الكامل ليس إلا هذا! ومع ذلك، فإنهم يحتجُّون على جميع مطالبهم، بأن هذا: قاله فلان. فإن أكَّدوا هذه قالوا: فى كتاب كذا فى المقالة الفلانية. ونحن نرجو
_________________
(١) لم ترد الكلمة فى المخطوطة، ولم ترد المقدمة بكاملها فى مخطوطة الظاهرية (هـ) ونحن نعتمد هنا على مخطوطة بودليان (ن) وحدها.لم ترد الكلمة فى المخطوطة، ولم ترد المقدمة بكاملها فى مخطوطة الظاهرية (هـ) ونحن نعتمد هنا على مخطوطة بودليان (ن) وحدها.
(٢) ن: بسط.
(٣) ن: كان!
(٤) ن: اسماه.
[ ٢ ]
من الله تعالى، أن تكون طريقتنا مخالفة لهذه الطريقةً، وأن يكون كلامنا فى هذا الفن، شبيهًا بكلامنا السالف (١)، وعلى الوجه العملى المحقَّق.
وقد رأينا أن نقتصر على الأدوية المشهورة فقط، فلا نطوِّل كتابنا هذا بذكر ما لا يوجد، وما لا (٢) يعرفه الجمهورُ والأطباءُ من الأدوية، فإن العمر يقصر عن ذلك. وما كان من الأدوية المشهورة، وقد تحقَّقنا معرفته، تكلَّمنا فيه على الوجه الذى نرى أنه لائقٌ بالكلام العملىِّ فنحقِّق الكلام فى ماهيَّته وأفعاله على الإطلاق، وفى كُلِّ عضوٍ عضو. كل ذلك ببِّيناتٍ مهذَّبة وحُجَجٍ محقَّقة. وما كان من آراء الذين يُعتدُّ بأرائهم فى هذا الفن، نرى أنه مخالفٌ للحق، بيَّنا وجه غلطه، وبرهنَّا على بطلانه. متوكِّلين فى ذلك كله، على التوفيق من الله تعالى.
وما كان من الأدوية المشهورة لم تتحقَّق عندنا معرفته، رأينا أن لانوليه الإهمال؛ فيكون كتابنا هذا ناقصًا عن الكمال، وقاصرًا على المشهور. فلذلك رأينا أن نتكلَّم فى ذلك، على نمط كلام الأولين، فنذكر ما قيل فى أحكامه شرحًا، فمن شاء تحقيق شئ من ذلك، فعليه بالفحص عنه. ونسأل الله العصمة والتوفيق.
وقد رأينا أن نجعل لكل دواءٍ تحقَّقناه، مقالةً على حدة. وأن نرتِّب كل مقالةٍ على فصول، مشتملة على فنون أحكام ذلك الدواء. فيكون كلامنا فى: ماهيته وجوهره والمختار منه كل ذلك فى فصلٍ واحد. والكلام فى أفعاله فى أعضاء الصدر فى فصلٍ واحد. والكلام فى أفعاله فى أعضاء الغذاء فى فصلٍ
_________________
(١) الإشارة هنا إلى الأجزاء السابقة من موسوعة الشامل.
(٢) ن: ولا.
[ ٣ ]
واحد. والكلام فى أفعاله فى أعضاء التعفُّن (١) فى فصلٍ واحد. والكلام فى الأحوال التى لا اختصاص لها بعضوٍ عضو (٢) فى فصلٍ واحد. والكلام فى أحوال ذلك الدواء فى الترياقية والسُّمِّيَّة ونحو ذلك، وفى بدله وشئٍ من خواصه (٣) فى فصلٍ واحد.
فلذلك، قد تشتمل بعض المقالات على ثمانية فصول، وربما اشتمل بعضها على سبعة أو أقل من ذلك؛ وذلك بحسب ما تحقَّقناه من أحكام كل دواء. وربما جمعنا كثيرًا من فنون هذه الأحكام، فى فصلٍ واحد، لقِصَرِ الكلام فى تلك الفنون، فلذلك قد يُجعل بعض (٤) المقالات فى فصلين فقط، وربما جمعنا أحكام بعض الأدوية، كلها فى فصلٍ واحد.
وقد جمعنا جميع المقالات التى مُبتدأ أسماءُ أدويتها بحرفٍ معيَّن، كالهمزة (٥) مثلًا والباء، فى كتابٍ على حدة. فلذلك تعدَّدت هذه الكتب، بعدد الحروف التى تبتدئ بها أسماء الأدوية. وكانت هذه الكتب ثمانية وعشرين كتابًا بعدد الحروف.
بذلك يكون الكتاب الأول فى الأدوية التى أول أسمائها حرف الهمزة. والكتاب الثانى فى الأدوية التى أول أسمائها حرف التاء (٦) . والكتاب الثالث فى
_________________
(١) سوف يجعلها العلاءُ بعد ذلك: أعضاء النفض (انظر تعليقنا عليها في بداية الفصل الرابع من المقالة الأولى) .
(٢) - ن.
(٣) الخواص، هي الطبائع الأصلية للمركَّبات (راجع ما ذكره الرازي من ذلك، في الدراسة الممهدة للتحقيق) .
(٤) ن: في بعض.
(٥) ن: والهمزة.
(٦) لم يرد هنا حرف الباء مع أن هناك كتابًا مخصصًا لذلك في الشامل.. وربما كان ذلك من سهو القلم.
[ ٤ ]
الأدوية التى أول أسمائها حرف الثاء.. وعلى هذا الترتيب، إلى آخر الحروف.
ثم جعلنا لكل كتابٍ خاتمةً، نذكر فيها أحكام الأدوية المشهورة، التى لم نتحقَّق معرفتها على الوجه العلمى، من الأدوية التى أول أسمائها، الحرفُ الذى لذلك الكتاب.
[ ٥ ]