بدأتُ قبل عشر سنوات، فى جمع مخطوطات الشامل من مكتبات العالم وكان ظَنِّى المتفاءل، يرجِّح أن تكون أغلب النسخ الخطية من الكتاب محفوظةً بمصر، خاصةً مع ما ذكره ابن فضل الله العمرى من أنه: شاهد المجلدات الثمانين فى البيمارستان المنصورى بالقاهرة. غير أنها لم تكن سوى أُمنية والأمانى كما يقولون: خوادع! إذ لم يكن بمصر غير جزئين فقط من الكتاب كلاهما محفوظ بدار الكتب المصرية، التى ذكر فهرسها البدائى المعمول به حاليًا خمس مخطوطات من الشامل ثم اتضح لى أن ثلاثة منها، مصورات. فكان رصيد دار الكتب المصرية من مخطوطات موسوعتنا، هو الآتى:
١ - مخطوطة رقم ٦٠٥٧/ل، ناقصة من أولها وآخرها، ومنسوبة فى الفهرس لغياث الغيث - وسوف نعود للكلام عنه بعد قليل - وتضم مقدمة الشامل، والكتب الثلاثة الأولى من الفن الأول.
[ ١٢ ]
٢ - مخطوطة رقم ٦٨١/طب، بدون تاريخ. وهى تحتوى على الكتاب الثالث والعشرين من الجزء الثانى من الفن الثالث من الشامل وهو كتاب اللام من كتاب الأغذية والأدوية. والمخطوطة أوراقها ١٣٨ ورقة، الورقة صفحتان.
٣ - مخطوطة رقم ٣/٤، طب
٤ - مخطوطة رقم ٤٢٣/طب تيمور.
٥ - مخطوطة رقم ٦٢٠/طب طلعت.
والنسخ الثلاث الأخيرة، ليست سوى مصورات من كتاب اللام الذى احتوت عليه المخطوطة المحفوظة بالدار تحت رقم ٦٨١/ طب.
ومع أننى قمت بفهرسة عدد كبير من المكتبات الخطية فى مصر، حتى بلغ عدد ما فهرسته حوالى ١٨.٠٠٠ مخطوطة، موزَّعة على تسع مكتبات؛ غير أننى لم أجد مخطوطةً واحدة من الشامل، بين هذه الألوف من المخطوطات! وفى غير مصر، وجدتُ من مخطوطات الشامل ما يلى:
١ - نسخة مخطوطة بمتحف الآثار العامة (بغداد) برقم ١٢٧١، تقع فى ١٠٤٥ ورقة (الورقة صفحتان) وتضم هذه المجموعة ما يلى:
* الكتاب السابع من الجزء الثانى من الفن الثالث فى الأدوية والأغذية المفردتين التى تبدأ بحرف الخاء وهو يقع فى ١٠ مقالات وخاتمة.
* الكتاب الثامن فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف الدال يقع فى ٦ مقالات وخاتمة.
* الكتاب التاسع فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف الذال يقع فى ٣ مقالات.
[ ١٣ ]
* الكتاب العاشر فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف الراء يقع فى ١٠ مقالات وخاتمة.
* الكتاب الحادى عشر فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف الزاى يقع فى ١٩ مقالة وخاتمة.
* الكتاب الثانى عشر فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف السين يقع فى ١٣ مقالة وخاتمة (ناقص من أوله) .
* الكتاب الحادى والعشرون فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف القاف يقع فى ٢٥ مقالة.
* الكتاب الثانى والعشرون فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف الكاف يقع فى ٣٠ مقالة.
وفى نهاية الكتاب الأخير، كتب ناسخ المخطوطة عمر بن أبى بكر البدراوى الشافعى ما نصُّه: وكان الفراغ منه يوم الإثنين السابع من شهر رجب سنة ثمان وستين وتسعمائة.. ثم تتوالى بعد ذلك بقية الكتبُ التالية:
* الكتاب الثالث والعشرون: حرف اللام يقع فى ١١ مقالة.
* الكتاب الرابع والعشرون: حرف الميم يقع فى ٢٢ مقالة.
* الكتاب الخامس والعشرون: حرف النون يقع فى ١١ مقالة.
* الكتاب السادس والعشرون: حرف الهاء يقع فى ٣ مقالات.
* الكتاب السابع والعشرون: حرف الواو يقع فى ٥ مقالات.
* الكتاب الثامن والعشرون: حرف الياء يقع فى مقالتين وخاتمة
[ ١٤ ]
وبانتهاء كتاب الياء ينتهى: الجزءُ الثانى من الفن الثالث من كتاب الشامل فى الصناعة الطبية
٢ - نسخة مخطوطة بمكتبة ليدن (هولندا) برقم Mcccxv III God ٨١ Col وتضم كتب الأدوية المفردة من الضاد إلى العين على المنوال الذى ذكرناه فى مخطوطة بغداد السابقة.
٣ - نسخة مخطوطة بمكتبة الظاهرية بدمشق، حاليًا: مكتبة الأسد محفوظة تحت رقم ٨٥٤٧. تقع فى ٣١٩ من القطع الكبير، وهى مشكولة بالكامل، وتضم الكتب: من الهمزة إلى الزاى على المنوال السابق ذكره. أى أنها جزءٌ من الجزء الثانى من الفن الثالث من كتاب الشامل.
ومع أن هذه المخطوطة ناقصة من أولها بمقدار عدة أوراق، إلا أنها عالية الأهمية نظرًا لدقتها.. وسوف نَصِفُها بعد قليل، عند الكلام عن النسخ التى استخرجنا منها هذا الجزء (الأول) من الشامل.
٤ - مجموعة مخطوطة بمكتبة بودليان بأكسفورد تحت أرقام Pococke ٢٩٠ - ٢٩١ - ٢٩٢ مجموع أوراقها ١٦٥٩ ورقة، مؤرَّخة بسنة ٩٨٣ هجرية. وتضم المجموعة: من الكتاب الأول إلى الكتاب الثامن والعشرين من الجزء الثانى من الفن الثالث من الشامل.. وقد اعتمدنا عليها فى التحقيق، وسوف نصفها بعد قليل.
٥ - مجموعة أخرى بالمكتبة نفسها، محفوظة تحت أرقام Pococke ٢٤٨ - ٣٥٦ - ٥٣٩ وتشتمل على ثلاثة كتب من الجزء الرابع من الفن الأول وهى على الترتيب: كتاب أسباب الوجع كتاب النبض كتاب البول. والمجموعة مؤرَّخة بسنة ٦٨٧ هجرية، وهى سنة وفاة علاء الدين (ابن النفيس) .
[ ١٥ ]
٦ - مجموعة مخطوطة بمكتبة لاين Lean الطبية، بجامعة ستانفورد، تحت رقم Z،٢٧٦ مؤرَّخة بسنة ٦٤١ هجرية، جاء فيها أنها كُتبت على المؤلِّف.. بعد فحص المجموعة، تبين أنها تحتوى على ثلاثة مجلدات، كالتالى:
* المجلد الأول يحمل العنوان مقالة فى النبات، المجلد الثانى بعد الأربعين من كتاب الشامل وهذه المخطوطة تبدأ بالمقالة الثانية والعشرين فى أحكام البقلة الحمقاء تليها مقالة فى البلسان مما يعنى أنه الجزء الخاص بالأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف الباء وبذلك يكون هذا الجزء هو: الكتاب الثانى من الجزء الثانى من الفن الثالث من كتاب الشامل.. وهو كما بدا من العنوان الذى يحمله، يمثل المجلد ٤٢ من الشامل بحسب هذه النسخة التى كُتبت فى حياة مؤلفها.
* المجلد الثانى يحتوى على الكتاب الثالث من الجزء الثانى من الفن الثالث فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف التاء؛ يليه كتاب الثاء ثم كتاب الحاء.
* المجلد الثالث يبدأ بالنمط الأول من الجزء الثانى من الفن الثانى من كتاب الشامل.. ويتناول هذا النمط: الأصول الكلية فى صناعة الطب.
ونظرًا لسوء حالة المجموعة، فهناك العديد من آثار الترميم والإصلاح بها ويُلاحظ أن أحدهم أعاد كتابة الكلمات الباهتة، والتى كادت تختفى بفعل الزمن.
٧ - نسخة مخطوطة بجامعة كامبردج (إنجلترا) برقم ١٥٤٦ Or؟ ١٠؟، تبدأ بالباب التاسع فى علامات البول وهى بدون تاريخ، ويرجِّح فهرس المكتبة أن تكون قد كُتبت فى القرن الثامن الهجرى.. ونرجِّح، نحن، أنها بخط المؤلِّف.
[ ١٦ ]
وكانت رحلة جمع هذه المخطوطات رحلةً شاقة، وشائقة! وقد حكيتُ طرفًا منها فى مقالةٍ نشرتها بمناسبة مرور ٧٢٧ سنة على وفاة العلاء (ابن النفيس) منها قولى:
لم أجد فى كافة مكتبات مصر العريقة إلا قطعة من الكتاب تقع فى ١٩٤ ورقة مخطوطة بدار الكتب المصرية. أما مكتبة بودليان بأُكسفورد (إنجلترا) فهى تحتوى على مجموعتين من الكتاب المجموعة الأولى مخطوطة تضم ١٦٥٩ ورقة من الشامل والمجموعة الأخرى تضم عددًا أقل من الأوراق. ولقد أرسلت للمكتبة خطابًا فى منتهى التلطُّف والتزلُّف، أطلب فيه تصوير المجموعتين وإبلاغى بالمصروفات المطلوبة. فطلبوا مبلغًا عظيمًا بالجنيهات الإسترلينية، فعاودت الكتابة لمديرة المكتبة (آن نيكلسون) وقلت لها فى خطابى أن الجنيهات الإسترلينية التى طلبتها تساوى رقما كبيرًا بالجنيهات المصرية، وأن احتياجى لهذه المخطوطات هو لعملٍ علمى وليس لعمل تجارى، وأن هذا التراث فى الحقيقة ملك لنا فى الأصل! ولقد كانت السيدة غاية فى الظرف، فردَّت على خطابى، قائلةً ما ترجمته: بخصوص الفاتورة الأولى، فيمكنك أن تدمرها! ولقد وجدت لك حلًا فنحن نصنع كل بضعة أعوام نسخة ميكروفيلمية احتياطية لجميع المخطوطات التى نحتفظ بها ولسوف أرسل لك هذه النسخة القديمة، ونقوم بعمل غيرها وفى هذه الحالة سيكون المطلوب دفعه، مبلغًا قليلًا.. وبالفعل دفعتُ هذا المبلغ القليل (حوالى ثلاثة آلاف جنيه) وحصلت على هذه الأجزاء المهمة من الشامل.
[ ١٧ ]
وفى مكتبة لاين الطبية بجامعة ستانفورد الأمريكية، ثلاثة مجلدات من الكتاب مؤرَّخة بسنة ٦٤١ هجرية، فأرسلت فى طلبها وإعلامى بالمصروفات، فجاء خطابٌ لطيف يشكرنى على اهتمامى بهذا التراث! ويدلنى على بعض البحوث فى هذا الموضوع، ومع الخطاب صورة من مقال نشرته الصحافة الأمريكية فى الثلاثينيات عن هذه المخطوطات الثلاث بالذات عنوانه: كنوز المخطوطات الطبية هنا. وطلبت المكتبة مبلغًا معقولًا بالدولارات، ولم تكن السوق المصرفية المصرية قد افتتحت بعد، ورفضت البنوك تحويل المبلغ (حفاظًا على اقتصاد الوطن) فرحت أتسكع فى ميدان المنشية بالإسكندرية، حتى صادفنى تاجرُ عملة، حصلت منه على المبلغ المطلوب، وأرسلته نقدًا فى خطابٍ مسجل، وأنا أرتجف، فوصل المبلغ ووصلنى طردٌ صغير به صورة ميكروفيلمية من المخطوطات، فى نفس الوقت الذى وصلتنى فيه ميكروفيلمات البودليان.. فكانت الواقعة.
أرسلت لى هيئة البريد خطابًا مستعجلا فذهبت أدور على المكاتب وأُواجه تحقيقا إداريًا غبيًا من الموظفين: ما هذه الأشرطة؟ وما هى صلتك بانجلترا وأمريكا؟ وهل حصلت على تصريح خاص من المخابرات؟ وإلى ماذا تهدف من الحصول على هذه الميكروفيلمات؟ .. وظللت أشرح وأشرح، حتى بدأ لى أنهم اقتنعوا. لكنهم طلبوا تصريحًا من جهاز المراقبة على المصنفات الفنية، كى يسلِّموها لى! ثم كان الزمان كريمًا، فوقعت على
[ ١٨ ]
موظَّفٍ متفهِّم، اقتنع بأن الأشرطة (الميكروفيلمات) تحتوى على صور كتاب، ولا علاقة لها بالفن ولا الرقابة! لكنه عاد وأفهمنى أن هناك مشكلة فى تحديد الرسوم المطلوبة جمركيًا على تلك البضائع المستوردة. وبعدما أظلمت الدنيا فى وجهى، استطاع الموظَّفُ العبقرىُّ أن يجد حلا للمشكلة، إذ أفرج عن الميكروفيلمات، وسلَّمها لى، باعتبارها (عينات) وبالتالى فلا رسوم جمركية عليها!
وفى مكتبة المتحف العراقى ببغداد توجد مجموعة خطية من الشامل تقع فى ١٠٣٤ ورقة فسعيتُ للحصول على صورة منها كان الأوان أوان حرب الخليج (الأولى) بين العراق وإيران فأردت السفر إلى بغداد - ولم أكن قد خرجت قبل ذلك من مصر - فحذَّرنى بعض الإخوان من رداءة أحوال بغداد، ومن صواريخ إيران بعيدة المدى، ومن احتمال أن يكون المتحف العراقى قد أغلق أبوابه وانتقلت مخطوطاته خشية القصف.. وأسقط فى يدى ثم هدأت الأحوال، وأوصيت صديقًا يعمل فى العراق، بأن يحصل لى على صورة من المخطوطة، ولقد حصل عليها بالفعل وأرسل لى ليبلغنى بذلك، ففرحت ثم حزنت حين صودرت منه فى مطار بغداد!
وفى أحد المؤتمرات تعرَّفت إلى أستاذٍ جامعى من العراق كانت زوجته تعمل فى المتحف العراقى، فوعد بتصوير المخطوطة وإرسالها فى أقرب فرصة، ورجع من مصر إلى العراق. وبعد
[ ١٩ ]
رجوعه إلى هناك بأيام سبعة اجتاح صدَّامُ الكويت.. وقامت حربُ الخليج الثانية.
وكان معهد المخطوطات العربية بالقاهرة يمتلك صورة مخطوطة بغداد، لكنه كان مغلقًا. فلما انفتحت أبوابه، فتح الله علينا بتصوير المخطوطة، ثم سمح الزمان أيضًا بالحصول على مخطوطة كامبردج (انجلترا) التى تضم أجزاءًا أُخرى من الكتاب وعلى المخطوطة إشارات تدل على أنها بخط مؤلِّفها.. وهكذا اكتملت العدة، واجتمعت صور المخطوطات الباقية من هذه الموسوعة الهائلة.
وفى اللحظة التى وضعت فيها هذا الكم من المخطوطات معا (حوالى عشرة آلاف صفحة من كتابٍ واحدٍ مخطوط) شعرت بعظمة (ابن النفيس) وشعرت أيضًا بأن: العمر قصير والعلم طويل!
وها أنا أشرع اليوم فى تحقيق هذا الكتاب، أو بالأحرى تحقيق الأربعين مجلدًا التى بقيت منه، ولأننى لا أضمن امتداد العمر حتى الانتهاء من التحقيق، فقد جمعت الميكروفيلمات كلها - بعد تصويرها على الورق - فاحتفظت بالصورة الورقية وأهديت النسخ الميكروفيلمية إلى معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، وأوصيتهم أن يصوروها لمن يأتى من بعدى، فى حالة موتى أو عدم إنجازى لتحقيق الكتاب، حتى يتمكَّن باحثٌ آخر
[ ٢٠ ]
من إتمام المهمة، دون المرور بهذه الرحلة الشاقة التى قطعتها بحثًا عن: كتاب واحد مخطوط (١) .