يزودنا الغذاء بالعناصر الغذائية التي لابد من تناول حد أدنى من كل منها لتحقيق التغذية الصحية المتوازنة. وهذا الحد هو ما اصطلح عليه اسم الاحتياجات الغذائية التي يرجع لها عند تخطيط الوجبات الغذائية وعند تقييم المتناول الغذائي ومدى كفايته، وكذلك عند وضع الخطط الغذائية للمجتمع ورسم السياسات الغذائية في كل بلد أو إقليم.
وعلى الرغم من اختلاف الناس في عاداتهم الغذائية وطرق معيشتهم وتأثير ذلك على ما يتناولونه من العناصر الغذائية، إلا أن التغذية الصحية تقتضي حصول كل فرد على هذه الاحتياجات بصورة يومية. ولذلك يجب عند التخطيط الغذائي للأفراد والجماعات مراعاة تأثير العوامل الفردية والتراثية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تؤثر على ما يتناوله الإنسان من غذاء وبالتالي من عناصر غذائية.
وهذه الاحتياجات، التي تعتبر مرجعًا للتقويم والتخطيط التغذويين، تعتمد في تقديرها على طرق وأساليب مختلفة، أهمها طرق الموازنة الغذائية، وطرق التقييم
[ ٢٨ ]
الحيوي للعناصر الغذائية ونواتج استقلابها أو للمركبات التي تعتمد على استقلاب العناصر الغذائية، وكذلك طرق التقييم السريري [٣، ٨] .
ولعل من المفيد أن نذكر هنا أن تقدير المقادير والاحتياجات الغذائية للإنسان من المهمات الصعبة، ذلك أن النظام البيولوجي للجسم معقد، وأن تقديرها في البدء في الحيوانات ثم إجراء قياسات على الإنسان ليس أمرًا دقيقًا تمامًا. فالاحتياجات المحددة من العناصر الغذائية لكل فرد من الناس تعتمد على عوامل مختلفة مما يجعل أرقام قوائم الاحتياجات أرقامًا تقريبية لغرض الاسترشاد. أضف إلى ذلك أن هناك تباينًا في قيم هذه المقررات والاحتياجات بين جهة وأخرى.
ومن الأمور التي تحدد الاحتياجات الدقيقة للعناصر الغذائية في الإنسان:
١- النشاط الجسماني الذي يقوم به الفرد. ولذلك علاقة بحجم الجسم ودرجة النشاط. فبازدياد النشاط تزداد الاحتياجات إلى الطاقة، كما تزداد احتياجات الجسم من فيتامين B١ وB٢ والنياسين وحمض الاسكوربيك [٩] .
٢- حجم الجسم والجنس والعمر. فهذه كلها تؤثر على معدل الاستقلاب الأساسي basal metabolism rate وعلى ما يتطلبه الجسم من العناصر الغذائية. فمثلا هناك تناسب ما بين حجم الجسم "ووزنه" وبين احتياجات الطاقة حسب القانون التالي:
معدل الاستقلاب الأساسي = ٧٥ × ٠.٧٥ الكتلة
ومن هنا فإن جداول احتياجات الطاقة قد أخذت هذه العوامل بعين الاعتبار، وخاصة فئة العمر والوزن.
٣- مرحلة النمو. فالنمو السريع كما يحدث في مرحلة المراهقة وبعد البلوغ يزيد من الاحتياجات الغذائية نظرًا لزيادة النشاطات الاستقلابية في هذه المرحلة.
٤- الأمراض والعدوى infections. يزداد الطلب على بعض العناصر الغذائية كفيتامين A أو فيتامين C مع الحميات والأمراض، وكذلك يزداد صرف الطاقة في حالة الحمى وارتفاع درجة حرارة الجسم. وتقدر نسبة الزيادة في الاستقلاب الأساسي بمقدار ١٣% لكل ارتفاع في درجة حرارة الجسم مقداره درجة مئوية واحدة. وقد أدى الإسهال الذي يرافق بعض الأمراض إلى عوز في فيتامين B١ وحدوث مرض البري بري [٩، ٨] .
٥- الحمل والإرضاع. يزداد الطلب على العناصر الغذائية والطاقة نتيجة للحمل والإرضاع، فقد وجد أن مستوى كل من فيتامينات A وB٦ وB١٢ والنياسين وفيتامين
[ ٢٩ ]
C وبروتينات الدم يقل في النساء الحوامل [٩] . ومن هنا ينصح بزيادة احتياجات هذه العناصر الغذائية أثناء مرحلتي الحمل والإرضاع.
٦- الأدوية. إن التآثر interaction بين العناصر الغذائية والأدوية أمر معروف، ومن أوضح الأمثلة على هذا التآثر، عوز فيتامينات B المركب والحاجة إلى المزيد منها عند تعاطي أدوية المضادات الحيوية. ومن الأمثلة الأخرى تأثر فيتامين B٦ بأدوية الإيزونيازيد والبنسلامين، وتأثر حمض الفوليك بالأمينوبترين والأدوية الأخرى المضادة له، وتأثر فيتامين K بثنائي الكومارول.
٧- التأثيرات المتبادلة "التآثر" بين العناصر الغذائية، وبينها وبين مكونات الغذاء الأخرى الأمر الذي يتطلب تعويض ما يحتاجه الجسم منها، ومن أمثلة ذلك [٩]:
- زيادة احتياجات الفيتامين B١ بزيادة الكربوهيدرات في الغذاء.
- زيادة احتياجات فيتاميني B٢ وB٦ بزيادة البروتينات في الغذاء.
- زيادة الحاجة لفيتامين E بزيادة الحموض الدهنية عديدة اللاتشبع.
- زيادة احتياجات البيوتين بسبب وجود مركب الأفيدين في بياض البيض النيئ.
- زيادة احتياجات فيتامين B١ بسبب وجود إنزيم الثياميناز في السمك النيئ.
٨- زيادة إطراح العنصر الغذائي في البول أو العرق أو البراز، كما يحدث نتيجة المرض أو الطقس الحار أو نتيجة استعمال الأدوية المدرة للبول أو المسهلة.
[ ٣٠ ]