أما الرّبيع فَيكون النبض فِيهِ معتدلًا فِي كل شَيْء وزائدًا فِي الْقُوَّة وَفِي الصَّيف يكون سَرِيعا متواترًا للْحَاجة صَغِيرا ضَعِيفا لانحلال الْقُوَّة بتحلل الرّوح للحرارة الْخَارِجَة المستولية المفرطة. وَأما فِي الشتَاء فَيكون أَشد تَفَاوتا وإبطاءً وضعفًا مَعَ أَنه صَغِير لِأَن الْقُوَّة تضعف. وَفِي بعض
[ ١ / ١٧٧ ]
الْأَبدَان يتَّفق أَن تحقن الْحَرَارَة فِي الْغَوْر وتجتمع وتقوي القوّة وَذَلِكَ إِذا كَانَ المزاج الْحَار غَالِبا مقاومًا للبرد لَا ينفعل عَنهُ فَلَا يعمق الْبرد. وَأما فِي الخريف فَيكون النبض مُخْتَلفا وَإِلَى الضعْف مَا هُوَ. أما اختلافه فبسبب كَثْرَة اسْتِحَالَة المزاج العرضي فِي الخريف تَارَة إِلَى حر وَتارَة إِلَى برد. وَأما ضعفه فَلذَلِك أَيْضا فَإِن المزاج الْمُخْتَلف فِي كل وَقت أَشد نكاية من الْمُتَشَابه المستوي وَإِن كَانَ رديئًا وَلِأَن الخريف زمَان مُنَاقض لطبيعة الْحَيَاة لِأَن الْحر فِيهِ يضعف واليبس يشْتَد وَأما نبض الْفُصُول الَّتِي بَين الْفُصُول فَإِنَّهُ يُنَاسب الْفُصُول الَّتِي تكتنفها. الْفَصْل الْعَاشِر نبض الْبلدَانِ من الْبلدَانِ معتدلة ربيعية وَمِنْهَا حارة صيفية وَمِنْهَا بَارِدَة شتوية وَمِنْهَا يابسة خريفية فَتكون أَحْكَام النبض فِيهَا على قِيَاس مَا عرفت من نبض الْفُصُول. الْفَصْل الْحَادِي عشر النبض الَّذِي توجبه المتناولات المتناول يغيّر حَال النبض بكيفيته وكميته. أما بكيفيته فبأن يمِيل إِلَى التسخين أَو التبريد فيتغيّر بِمُقْتَضى ذَلِك. وَأما فِي كميته فَإِن كَانَ معتدلًا صَار النبض زَائِدا فِي الْعظم والسرعة والتواتر لزِيَادَة الْقُوَّة والحرارة وَيثبت هَذَا التَّأْثِير مُدَّة. وَإِن كَانَ كثير الْمِقْدَار جدا صَار النبض مُخْتَلفا بِلَا نظام لثقل الطَّعَام على الْقُوَّة وكل ثقل يُوجب اخْتِلَاف النبض. وَزعم أركاغانيس أَن سرعته حِينَئِذٍ تكون أَشد من تواتره وَهَذَا التَّغَيُّر لابث لِأَن السَّبَب ثَابت وَإِن كَانَ فِي الْكَثْرَة دون هَذَا كَانَ الِاخْتِلَاف منتظمًا وَإِن كَانَ قَلِيل الْمِقْدَار كَانَ النبض أقل اخْتِلَافا وعظمًا وَسُرْعَة وَلَا يثبت تغيره كثيرا لِأَن الْمَادَّة قَليلَة فينهضم سَرِيعا ثمَّ إِن خارت الْقُوَّة وضعفت من الْإِكْثَار والإقلال أَيهمَا كَانَ تضاهي النبضان فِي الصغر والتفاوت آخر الْأَمر وَإِن قويت الطبيعة على الهضم والإحالة عَاد النبض معتدلًا. وللشراب خُصُوصِيَّة وَهُوَ أَن الْكثير مِنْهُ وَأَن كَانَ يُوجب الِاخْتِلَاف فَلَا يُوجب مِنْهُ قدرا يعْتد بِهِ وَقدرا يَقْتَضِي إِيجَابه نَظِيره من الأغذية وَذَلِكَ لتخلخل جوهره ولطافته ورقته وَخِفته وَأما إِذا كَانَ الشَّرَاب بَارِدًا بِالْفِعْلِ فَيُوجب مَا يُوجِبهُ الباردات من التصغير وَإِيجَاب التَّفَاوُت والبطء إِيجَابا بِسُرْعَة لسرعة نُفُوذه ثمَّ إِذا سخن فِي الْبدن أوشك أَن يَزُول مَا يُوجِبهُ وَالشرَاب إِذا نفذ فِي الْبدن وَهُوَ حَار لم يكن بَعيدا جدا عَن الغريزة وَكَانَ يعرض تحلل سريع لى ان نفذ بَارِدًا بلغ فِي النكاية مَا لَا يبلغهُ غَيره من الباردات لِأَنَّهَا تتأخر إِلَى أَن تسخن وَلَا تنفذ بِسُرْعَة نُفُوذه وَهَذَا يُبَادر إِلَى النّفُوذ قبل أَن يَسْتَوِي تسخنه وضرر ذَلِك عَظِيم وخصوصًا بالأبدان المستعدة للتضرر بِهِ وَلَيْسَ كضرر تسخينه إِذا نفذ سخينًا فَإِنَّهُ لَا يبلغ تسخينْه فِي أول الملاقاة أَن ينكي نكاية بَالِغَة بل الطبيعة تتلقاه بالتوزيع والتحليل والتفريق.
[ ١ / ١٧٨ ]
وَأما الْبَارِد فَرُبمَا أقعد الطبيعة وخمد قوتها قبل أَن ينْهض للتوزيع والتفريق والتحليل فَهَذَا مَا يُوجِبهُ الشَّرَاب بِكَثْرَة الْمِقْدَار وبالحرارة والبرودة وَأما إِذا اعْتبر من جِهَة تقويته فَلهُ أَحْكَام أُخْرَى لِأَنَّهُ بِذَاتِهِ مقو للأصحاء ناعش للقوة بِمَا يزِيد فِي جَوْهَر الرّوح بالسرعة. وَأما التبريد والتسخين الْكَائِن مِنْهُ وَأَن كَانَ ضارًا بِالْقِيَاسِ إِلَى أَكثر الْأَبدَان فَكل وَاحِد مِنْهُمَا قد يُوَافق مزاجًا وَقد لَا يُوَافقهُ فَإِن الْأَشْيَاء الْبَارِدَة قد تقَوِّي الَّذِي بهم سوء مزاج كَمَا ذكر جالينوس أَن مَاء الرُّمَّان يُقَوي المحرورين دَائِما وَمَاء الْعَسَل يُقَوي المبرودين دَائِما فالشراب من وَلَيْسَ كلامنا فِي هَذَا الْآن بل فِي قوته الَّتِى بهَا يَسْتَحِيل سَرِيعا إِلَى الرّوح فَإِن ذَلِك بِذَاتِهِ مقو دَائِما فَإِن أَعَانَهُ أَحدهمَا فِي بدن ازدادت تقويته وَإِن خَالفه انتقصت تقويته بِحَسب ذَلِك فَيكون تَغْيِيره النبض بِحَسب ذَلِك إِن قوي زَاد النبض قُوَّة وَإِن سخن زَاد فِي الْحَاجة وَإِن برد نقص من الْحَاجة وَفِي أَكثر الْأَمر يزِيد فِي الْحَاجة حَتَّى يزِيد فِي السرعة. وَأما المَاء فَهُوَ بِمَا ينفذ الْغذَاء يُقَوي ويعفل شَبِيها بِفعل الخمرولأنه لَا يسخن بل يبرد فَلَيْسَ يبلغ مبلغ الْخمر فِي زِيَادَة الْحَاجة فَاعْلَم ذَلِك. الْفَصْل الثَّانِي عشر مُوجبَات النّوم واليقظة فِي النبض أما النبض فِي النّوم فتختلف أَحْكَامه بِحَسب الْوَقْت من النّوم وبحسب حَال الهضم. والنبض فِي أول النّوم صَغِير ضَعِيف لِأَن الْحَرَارَة الغريزية حركتها فِي ذَلِك الْوَقْت إِلَى الانقباض والغور لَا إِلَى الإنبساط والظهور لِأَنَّهَا فِي ذَلِك الْوَقْت تتَوَجَّه بكليتها بتحريك النَّفس لَهَا إِلَى الْبَاطِن لهضم الْغذَاء وإنضاج الفضول وَتَكون كالمقهورة المحصورة لَا محَالة وَتَكون أَيْضا أَشد بطأ وتفاوتًا فَإِن الْحَرَارَة وَإِن حدث فِيهَا تزايد بِحَسب الإحتقان والاجتماع فقد عدمت التزايد الَّذِي يكون لَهَا فِي وَالْحَرَكَة أشدّ إلهابًا وإمالة إِلَى جِهَة سوء المزاج. والاجتماع والاحتقان المعتدلان أقل إلهابًا وَأَقل إخراجًا للحرارة إِلَى القلق. وَأَنت تعرف هَذَا من أَن نفس المتعب وقلقه أَكثر كثيرا من نفس المحتقن حرارة وقلقه بِسَبَب شَبيه بِالنَّوْمِ مِثَاله المنغمس فِي مَاء معتدل الْبرد وَهُوَ يقظان فَإِنَّهُ إِذا احتقنت حرارته وتقؤت من ذَلِك لم تبلغ من تعظيمها النَّفس مَا يبلغهُ التَّعَب والرياضة الْقَرِيبَة مِنْهُ وَإِذا تَأَمَّلت لم تَجِد شَيْئا أَشد للحرارة من الْحَرَكَة. وَلَيْسَت الْيَقَظَة توجب التسخين لحركة الْبدن حَتَّى إِذا سكن الْبدن لم يجب ذَلِك بل إِنَّمَا توجب التسخين بانبعاث الرّوح إِلَى خَارج وحركته إِلَيْهِ على اتِّصَال من تولده هَذَا فَإِذا اسْتمرّ الطَّعَام فِي النّوم عَاد النبض فقوي لتزيد الْقُوَّة بالغذاء وانصراف مَا كَانَ اتجه إِلَى
[ ١ / ١٧٩ ]
الْفَوْر لتدبير الْغذَاء إِلَى خَارج وَإِلَى مبدئه وَلذَلِك يعظم النبض حِينَئِذٍ أَيْضا وَلِأَن المزاج يزْدَاد بالغذاء تسخينًا كَمَا قُلْنَاهُ والآلة أَيْضا تزداد بِمَا ينفذ إِلَيْهَا من الْغناء لينًا وَلَكِن لَا تزداد كَبِير سَعَة وتواتر إِذْ لَيْسَ ذَلِك مِمَّا يزِيد فِي الْحَاجة وَلَا أَيْضا يكون هُنَاكَ عَن اسْتِيفَاء الْمُحْتَاج إِلَيْهِ بالعظم وَحده مَانع ثمَّ إِذا تَمَادى بالنائم النّوم عَاد النبض ضَعِيفا لاحتقان الْحَرَارَة الغريزية وإنضغاط الْقُوَّة تَحت الفضول الَّتِي من حَقّهَا أَن تستفرغ بأنواع الاستفراغ الَّذِي يكون باليقظة الَّتِي مِنْهَا الرياضة والاستفراغات الَّتِي لَا تحس هَذَا. وَأما إِذا صَادف النّوم من أول الْوَقْت خلاء وَلم يجد مَا يقبل عَلَيْهِ فيهضمه فَإِنَّهُ يمِيل بالمزاج إِلَى جنبه الْبرد فيدوم الصغر والبطء والتفاوت فِي النبض وَلَا يزَال يزْدَاد. ولليقظة أَيْضا أَحْكَام مُتَفَاوِتَة فَإِنَّهُ إِذا اسْتَيْقَظَ النَّائِم بطبعه مَال النبض إِلَى الْعظم والسرعة ميلًا متدرجًا وَرجع إِلَى حَاله الطبيعي. وَأما المستيقظ دفْعَة بِسَبَب مفاجىء فَإِنَّهُ يعرض لَهُ أَن يفتر مِنْهُ النبض كَمَا يَتَحَرَّك عَن مَنَامه لانهزام الْقُوَّة عَن وَجه المفاجىء ثمَّ يعود لَهُ نبض عَظِيم سريع متواتر مُخْتَلف إِلَى الإرتعاش لِأَن هَذِه الْحَرَكَة شَبيهَة بالقسرية فَهِيَ تلهب أَيْضا وَلِأَن الْقُوَّة تتحرك بَغْتَة إِلَى دفع مَا عرض طبعا وتحدث حركات مُخْتَلفَة فيرتعش النبض لكنه لَا يبْقى على ذَلِك زَمَانا طَويلا بل يسْرع إِلَى الِاعْتِدَال لِأَن سَببه وَإِن كَانَ كالقوي فثباته قَلِيل والشعور بِبُطْلَانِهِ سريع. الْفَصْل الثَّالِث عشر أَحْكَام نبض الرياضة أما فِي ابْتِدَاء الرياضة وَمَا دَامَت معتدلة فَإِن النبض يعظم ويقوى وَذَلِكَ لتزايد الْحَار الغريزي وتقويه وَأَيْضًا يسْرع ويتواتر جدا لإفراط الْحَاجة الَّتِي أوجبتها الْحَرَكَة فَإِن دَامَت وطالت أَو كَانَت شَدِيدَة وَإِن قصرت جداَ بَطل مَا توجبه الْقُوَّة فضعف النبض وَصغر لانحلال الْحَار الغريزي لكنه يسْرع ويتواتر لأمرين: أَحدهمَا: استبداد الْحَاجة وَالثَّانِي: قُصُور الْقُوَّة عَن أَن تفي بالتعظيم ثمَّ لَا تزَال السرعة تنتقص والتواتر يزِيد على مِقْدَار مَا يضعف من الْقُوَّة ثمَّ آخر الْأَمر إِن دَامَت الرياضة وأنهكت عَاد النبض نمليًا للضعف ولشدة التَّوَاتُر فَإِن أفرطت وكادت تقَارب العطب فعلت جَمِيع مَا تَفْعَلهُ الانحلالات فَتَصِير النبض إِلَى الدودية ثمَّ تميله إِلَى التَّفَاوُت والبطء مَعَ الضعْف والصغر. الْفَصْل الرَّابِع عشر أَحْكَام نبض المستحمين الاستحمام إِمَّا أَن يكون بِالْمَاءِ الْحَار وَإِمَّا أَن يكون بِالْمَاءِ الْبَارِد والكائن بِالْمَاءِ الْحَار فَإِنَّهُ فِي أَوله يُوجب أَحْكَام الْقُوَّة وَالْحَاجة فَإِذا حلل بإفراط أَضْعَف النبض. قَالَ جالينوس: فَيكون حِينَئِذٍ صَغِيرا بطيئًا متفاوتًا فَنَقُول: أما التَّضْعِيف وتصغير النبض فَمَا يكون لَا محَالة لَكِن المَاء الْحَار إِذا فعل فِي بَاطِن الْبدن تسخينًا لحرارته العرضية فَرُبمَا لم يلبث بل يغلب عَلَيْهِ مُقْتَضى طبعه وَهُوَ التبريد وَرُبمَا لبث وتشبث فَإِن غلب حكم الْكَيْفِيَّة العرضية صَار النبض سَرِيعا متواترًا وَإِن غلب بِمُقْتَضى الطبيعة صَار بطيئًا متفارتًا فَإِذا بلغ التسخين العرضي مِنْهُ
[ ١ / ١٨٠ ]
فرط تَحْلِيل من الْقُوَّة حَتَّى تقَارب الغشي صَار النبض أيضاَ بطيئًا متفاوتًا. وَأما الإستحمام الْكَائِن بِالْمَاءِ الْبَارِد فَإِن غاص برده ضعف النبض وصغره وأحدث تَفَاوتا وإبطاء وَإِن لم يغص بل جمع الْحَرَارَة زَادَت الْقُوَّة فَعظم يَسِيرا ونقصت السرعة والتواتر. وَأما الْمِيَاه الَّتِي تكون فِي الحمامات فالمجفّفات مِنْهَا تزيد النبض صلابة وتنقص من عظمه والمسخنات تزيد النبض سرعَة إِلَّا أَن تحلّل الْقُوَّة فَيكون مَا فَرغْنَا من ذكره. الْفَصْل الْخَامِس عشر النبض الْخَاص بِالنسَاء وَهُوَ نبض الحبالى أما الْحَاجة فِيهِنَّ فتشتد بِسَبَب مُشَاركَة الْوَلَد فِي النسيم المستنشق فَكَأَن الحبلى تستنشق لحاجتين ولنفسين فَأَما الْقُوَّة فَلَا تزداد لَا محَالة وَلَا تنقص أَيْضا كَبِير انتقاص إِلَّا بِمِقْدَار مَا يُوجِبهُ يسير إعياء لحمل الثّقل فَلذَلِك تغلب أَحْكَام الْقُوَّة المتوسطة وَالْحَاجة الشَّدِيدَة فيعظم النبض ويسرع ويتواتر. الْفَصْل السَّادِس عشر نبض الأوجاع الوجع بِغَيْر النبض إِمَّا لِشِدَّتِهِ وَإِمَّا لكَونه فِي عُضْو رَئِيس وَإِمَّا لطول مدّته. والوجع إِذا كَانَ فِي أَوله هيج الْقُوَّة وحرّكها إِلَى المقاومة والدفاع وألهب الْحَرَارَة فَيكون النبض عَظِيما سَرِيعا وَأَشد تَفَاوتا لِأَن الوطر يُفْضِي بالعظم والسرعة. فَإِذا بلغ الوجع النكاية فِي الْقُوَّة لما ذكرنَا من الْوُجُوه أَخذ يتناكس ويتناكص حَتَّى يفقد الْعظم والسرعة ويخلفهما أَولا شدَّة التَّوَاتُر ثمَّ الصغر والدودية والنملية فَإِن زَاد أدّى الى التَّفَاوُت وَإِلَى الْهَلَاك بعد ذَلِك. الْفَصْل السَّابِع عشر نبض الأورام الأورام مِنْهَا محدثة للحمّى وَذَلِكَ لعظمها أَو لشرف عضوها فَهِيَ تغير النبض فِي الْبدن كُله أَعنِي التَّغَيُّر الَّذِي يخص الْحمى. وسنوضحه فِي مَوْضِعه وَمِنْهَا مَا لَا يحدث الحمّى فيغير النبض الْخَاص فِي الْعُضْو الَّذِي هُوَ فِيهِ بِالذَّاتِ وَرُبمَا غَيره من سَائِر الْبدن بِالْعرضِ أَي لَا بِمَا هُوَ ورم بل بِمَا يوجع. والورم المغير للنبض إِمَّا أَن يُغير بنوعه وَإِمَّا أَن يُغير بوقته وَإِمَّا أَن يُغير بمقداره وَإِمَّا أَن يُغَيِّرهُ للعضو الَّذِي هُوَ فِيهِ وَإِمَّا أَن يُغَيِّرهُ بِالْعرضِ الَّذِي يتبعهُ وَيلْزمهُ. أما تغيره بنوعه فَمثل الورم الْحَار فَإِنَّهُ يُوجب بنوعه تغيّر النبض إِلَى المنشارية والارتعاد والارتعاش والسرعة والتواتر إِن لم يُعَارضهُ سَبَب مرطب فَتبْطل المنشارية ويخلفها إِذن الموجية. وَأما الارتعاد والسرعة والتواتر فلازم لَهُ دَائِما وكما أَن من الْأَسْبَاب مَا يمْنَع منشاريته كَذَلِك مِنْهَا مَا يزِيد منشاريته ويظهرها.
[ ١ / ١٨١ ]
والورم اللين يَجْعَل النبض موجيًا وَأَن كَانَ بَارِدًا جدا جعله بطيئًا متفاوتًا والصلب يزِيد فِي منشاريته. وَأما الْخراج إِذا جمع فَإِنَّهُ يصرف النبض من المنشارية إِلَى الموجية للترطيب والتليين الَّذِي يتبعهُ وَيزِيد فِي الِاخْتِلَاف لثقله. وَأما السرعة والتواتر فكثيرًا مَا تخص بِسُكُون الْحَرَارَة العرضية بِسَبَب النضج. وَأما تغيره بِحَسب أوقاته فَإِنَّهُ مَا دَامَ الورم الْحَار فِي التزيد كَانَت المنشارية وَسَائِر مَا ذكرنَا إِلَى التزيد ويزداد دَائِما فِي الصلابة للتمدد الزَّائِد وَفِي الإرتعاد للوجع. وَإِذا قَارب الْمُنْتَهى ازدادت الْأَعْرَاض كلهَا إِلَّا مَا يتبع الْقُوَّة فَإِنَّهُ يضعف فِي النبض فَيَزْدَاد التَّوَاتُر والسرعة فِيهِ. ثمَّ إِن طَال بطلت السرعة وَعَاد نمليًا فَإِذا انحط فتحلل أَو انفجر قوي النبض بِمَا وضع عَن الْقُوَّة من الثّقل وخف ارتعاده بِمَا ينقص من الوجع المدد. وَأما من جِهَة مِقْدَاره فان الْعَظِيم يُوجب أَن تكون هَذِه الْأَحْوَال أعظم وأزيد وَالصَّغِير يُوجب وَأما من جِهَة عضوه فَإِن الْأَعْضَاء العصبانية توجب زِيَادَة فِي صلابة النبض ومنشاريته والعرقية توجب زِيَادَة عظم وَشدَّة اخْتِلَاف لَا سِيمَا إِن كَانَ الْغَالِب فِيهَا هُوَ الشريانات كَمَا فِي الطحال والرئة وَلَا يثبت هَذَا الْعَظِيم إِلَّا مَا يثبت الْقُوَّة والأعضاء الرطبه اللينة تَجْعَلهُ مُوجبا كالدماغ والرئة. وَأما تَغْيِير الورم النبض بِوَاسِطَة فَمثل أَن ورم الرئة يَجْعَل النبض خناقيًا وورم الكبد ذبوليًا وورم الْكُلية حصريًا وورم الْعُضْو الْقوي الْحس كفم المعمة والحجاب يشنّج تشنّجًا غشييًا. الْفَصْل الثَّامِن عشر أَحْكَام نبض الْعَوَارِض النفسانية أما الْغَضَب فَإِنَّهُ بِمَا يُشِير من الْقُوَّة ويبسط من الرّوح دفْعَة يَجْعَل النبض عَظِيما شاهقأً جدا سَرِيعا متواترًا وَلَا يجب أَن يَقع فِيهِ اخْتِلَاف لِأَن الانفعال متشابه إِلَّا أَن يخالطه خوف فَتَارَة يغلب ذَلِك وَتارَة هَذَا وَكَذَلِكَ إِن خالطه خجل أَو مُنَازعَة من الْعقل وتكلف الْإِمْسَاك عَن تهييجه وتحريكه إِلَى الْإِيقَاع بالمغضوب عَلَيْهِ. وَأما اللَّذَّة فَلِأَنَّهَا تحرّك إِلَى خَارج بِرِفْق فَلَيْسَ تبلغ مبلغ الْغَضَب فِي إِيجَابه السرعة وَلَا فِي إِيجَابه التَّوَاتُر بل رُبمَا كفى عظمه الْحَاجة فَكَانَ بطيئًا وَأما الْغم فَلِأَن الْحَرَارَة تختنق فِيهِ وتغور وَالْقُوَّة تضعف وَيجب أَن يصير النبض صَغِيرا ضَعِيفا متفاوتًا بطيئًا. وَأما الْفَزع فالمفاجىء مِنْهُ يَجْعَل النبض سَرِيعا مرتعدًا مُخْتَلفا غير مُنْتَظم والممتد مِنْهُ والمتدرج يُغير النبض تَغْيِير الْهم فَاعْلَم ذَلِك. الْفَصْل التَّاسِع عشر تَغْيِير الْأُمُور المضادة لطبيعة هَيْئَة النبض تغييرها إِمَّا بِمَا يحدث مِنْهَا من سوء مزاج وَقد عرف نبض كل مزاج وَإِمَّا بِأَن يضغط القوه فَيصير النبض مُخْتَلفا وَإِن كَانَ الضغط شَدِيدا جدا كَانَ بِلَا نظام وَلَا وزن. والضاغط هُوَ كل كَثْرَة مادية كَانَت ورمًا أَو غير ورم وَإِمَّا بِأَن يحل الْقُوَّة فَيصير النبض ضَعِيفا. وَهَذَا كالوجع الشَّديد والآلام النفسانية القوية التَّحْلِيل فَاعْلَم ذَلِك.
[ ١ / ١٨٢ ]
الْجُمْلَة الثَّانِيَة الْبَوْل وَالْبرَاز وَهِي ثَلَاثَة عشر فصلا. الْفَصْل الأول لَا يَنْبَغِي أَن يوثق بطرق الِاسْتِدْلَال من أَحْوَال الْبَوْل إِلَّا بعد مُرَاعَاة شَرَائِط يجب أَن يكون الْبَوْل أول بَوْل أصبح عَلَيْهِ وَلم يدافع بِهِ إِلَى زمَان طَوِيل وَيثبت من اللَّيْل وَلم يكن صَاحبه شرب مَاء أَو أكل طَعَاما وَلم يكن تنَاول صابغًا من مَأْكُول أَو مشروب كالزعفران وَالرُّمَّان وَالْخيَار شنبر فَإِن ذَلِك يصْبغ الْبَوْل إِلَى الصُّفْرَة والحمرة وكالبقول فَإِنَّهَا تصبغ إِلَى الْحمرَة والزرقة والمري فَإِنَّهُ يصْبغ إِلَى السوَاد وَالشرَاب الْمُسكر يُغير الْبَوْل إِلَى لَونه وَلَا لاقت بَشرته صابغًا كالحناء فَإِن المختضب بِهِ رُبمَا انصبغ بَوْله مِنْهُ وَلَا يكون تنَاول مَا يدر خلطًا كَمَا يدرّ الصَّفْرَاء أَو البلغم وَلم يكن تعَاطِي من الحركات والأعمال. وَمن الْأَحْوَال الْخَارِجَة عَن المجرى الطبيعي مَا يُغير المَاء لونًا مثل الصَّوْم والسهر والتعب والجوع وَالْغَضَب فَإِن هَذِه كلهَا تصبغ المَاء إِلَى الصُّفْرَة والحمرة. وَالْجِمَاع يدسم المَاء تدسيمًا شَدِيدا وَمثل الْقَيْء والاستفراغ فَإِنَّهُمَا أَيْضا يبدلان الْوَاجِب من لون المَاء وقوامه وَكَذَلِكَ إتْيَان سَاعَات عَلَيْهِ وَلذَلِك قيل يجب أَن لَا ينظر فِي الْبَوْل بعد سِتّ سَاعَات لِأَن دلائله
[ ١ / ١٨٣ ]
تضعف ولونه يتَغَيَّر وَثقله يذوب ويتغير أَو يكثف أَشد. على أَنِّي أَقُول: وَلَا بعد سَاعَة. وينيغي أَن يُؤْخَذ الْبَوْل بِتَمَامِهِ فِي قَارُورَة وَاسِعَة لَا يصب مِنْهُ شَيْء وَيعْتَبر حَاله لَا كَمَا يبال يل يعد أَن يهدأ قي القارورة بِحَيْثُ لَا يُصِيبهُ شمس وَلَا ريح فيثوره أَو يجمده حَتَّى يتَمَيَّز الرسوب وَيتم الِاسْتِدْلَال فَلَيْسَ كَمَا يبال يرسب وَلَا فِي تَامّ النضج جدا وَلَا يبال فِي قَارُورَة لم يغسل بعد الْبَوْل الأول. وأبوال الصّبيان قَليلَة الدَّلَائِل وخصوصًا أَبْوَال الْأَطْفَال للبنيتها وَلِأَن الْمَادَّة الصابغة فيهم سَاكِنة مغمورة - وَفِي طبائعهم من الضعْف وَمن اسْتِعْمَال النّوم الْكثير مَا يُمِيت دَلَائِل النضج وَآلَة أَخذ الْبَوْل هُوَ الْجِسْم الشفاف النقي الْجَوْهَر كالزجاج الصافي والبلور. وَاعْلَم أَن الْبَوْل كلما قربته مِنْك ازْدَادَ غلظًا وَكلما بعدته ازْدَادَ صفاء وَبهَا يُفَارق سَائِر الْغِشّ مِمَّا يحرض على الْأَطِبَّاء للامتحان - وَإِذا أَخذ الْبَوْل فِي قَارُورَة فَيجب أَن يصان عَن تَغْيِير الْبرد وَالشَّمْس وَالرِّيح إِيَّاه وَأَن ينظر إِلَيْهِ فِي الضَّوْء من غير أَن يَقع عَلَيْهِ الشعاع بل يسْتَتر عَن الشعاع فَحِينَئِذٍ يحكم عَلَيْهِ من الْأَعْرَاض الَّتِي ترى فِيهِ. وليعلم أَن الدّلَالَة الأولية للبول هِيَ على حَال الكبد ومسالك المائية وعَلى أَحْوَال الْعُرُوق وبتوسطها يدل على أمراض أُخْرَى أصح دلائلها مَا يدل بِهِ على الكبد وخصوصًا على أَحْوَال خدمته. والدلائل الْمَأْخُوذَة من الْبَوْل منتزعة من أَجنَاس سَبْعَة: جنس اللَّوْن وجنس القوام وجنس الصفاء والكدرة وجنس الرسوب وجنس الْمِقْدَار فِي الْقلَّة وَالْكَثْرَة وجنس الرَّائِحَة وجنس الزّبد وَمن النَّاس من يدْخل فِي هَذِه الْأَجْنَاس جنس اللَّمْس وجنس الطّعْم وَنحن أسقطناهما تفردًا وتنفرًا من ذَلِك. ونعني بقولنَا جنس اللَّوْن مَا يحسه الْبَصَر فِيهِ من الألوان أَعنِي السوَاد وَالْبَيَاض وَمَا بَينهمَا ونعني بِجِنْس القوام حَاله فِي الغلظ والرقة ونعتي بِجِنْس الصفاء والكدورة حَاله فِي سهولة نُفُوذ الْبَصَر فِيهِ وعسره. وَالْفرق بَين هَذَا الْجِنْس وجنس القوام أَنه قد يكون غليظ القوام صافيًا مَعًا مثل يياض الْبيض وَمثل غذَاء السّمك الْمُذَاب وَمثل الزَّيْت وَقد يكون رَقِيق القوام كدرًا كَالْمَاءِ الكدر فَإِنَّهُ أرق كثيرا من بَيَاض الْبيض وَسبب الكدورة مُخَالطَة أَجزَاء غَرِيبَة اللَّوْن دكن أَو ملونة بلون آخر غير محسوسة التَّمْيِيز تمنع الإسفاف وَلَا تحس هِيَ بانفرادها وتفارق الرسوب لِأَن الرسوب قد يميزه الْحس وَلَا يُفَارق اللَّوْن فَإِن اللَّوْن فَاش فِي جَوْهَر الرُّطُوبَة وَأَشد مُخَالطَة مِنْهُ. الْفَصْل الثَّانِي دَلَائِل ألوان الْبَوْل من ألوان الْبَوْل طَبَقَات الصُّفْرَة كالتبني ثمَّ الأترجي ثمَّ الْأَشْقَر ثمَّ الْأَصْفَر النارنجي ثمَّ الناري الَّذِي يشبه صبغ الزَّعْفَرَان
[ ١ / ١٨٤ ]
وَهُوَ الْأَصْفَر المشبع ثمَّ الزَّعْفَرَانِي الَّذِي يشبه شقرة وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ الْأَحْمَر الناصع وَمَا بعد الاترجي فكله يدل على الْحَرَارَة وَيخْتَلف بِحَسب درجاتها وَقد توجبها الحركات الشَّدِيدَة والأوجاع والجوع وأنقطاع ماذة المَاء المشروب. وَبعده الطَّبَقَات الْمَذْكُورَة طَبَقَات الْحمرَة كالأصهب والوردي والأحمر القاني والأحمر الأقتم وَكلهَا تدل على غَلَبَة الدَّم وَكلما ضربت إِلَى الزعفرانية فالأغلب هُوَ الْمرة. وَكلما ضربت إِلَى القتمة فالدم أغلب والناري أدل على الْحَرَارَة من الْأَحْمَر والأقتم كَمَا أَن المزة فِي نَفسهَا أسخن من الدَّم وَيكون لون المَاء فِي الْأَمْرَاض الحادة المحرقة ضَارِبًا إِلَى الزعفرانية والنارية فَإِن كَانَت هُنَاكَ رقة دلّ على حَال من النضج وءانه ابْتَدَأَ وَلم يظْهر فِي القوام فَإِذا اشتدت الصُّفْرَة إِلَى حد النارية وَإِلَى النِّهَايَة فِيهَا فالحرارة قد أمعنت فِي الازدياد وَذَلِكَ هُوَ الشقرة الناصعة فَإِن ازدادت صفاء فالحرارة فِي النُّقْصَان وَقد ينَال فِي الْأَمْرَاض الحادة الدموية بَوْل كَالدَّمِ نَفسه من غير أَن يكون هُنَاكَ انفتاح عرق فَيدل على امتلاء دموي مفرط وَإِذا بيل قَلِيلا قَلِيلا وَكَانَ مَعَ نَتن فَهُوَ دَلِيل خطر يحشى مِنْهُ انصباب الدَّم إِلَى المخانق. وأردؤه أرقه على لَونه وحاله وهيئته وَإِذا بيل غزيرًا فَرُبمَا كَانَ دَلِيل خير فِي الحميات الحادة والمختلطة لِأَنَّهُ كثيرا مَا يكون دَلِيل بحران وإفراق إِلَّا أَن يرق فِي الأول دفْعَة قبل وَقت البحران فَيكون حِينَئِذٍ دَلِيل نكس. وَكَذَلِكَ إِذا لم يتدرج إِلَى الرقة بعد البحران. وَأما فِي اليرقان فَكلما كَانَ الْبَوْل أشدّ حمرَة حَتَّى يضْرب إِلَى السوَاد ويصبغ الثَّوْب صبغًا غير منسلخ وَكلما كَانَ كثيرا فَهُوَ أسلم فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْبَوْل فِيهِ أَبيض أَو كَانَ أَحْمَر قَلِيل الْحمرَة واليرقان بِحَالهِ خيف الاسْتِسْقَاء والجوع مِمَّا يكثر صبغ الْبَوْل ويحده جدا. ثمَّ طَبَقَات الخضرة مثل الْبَوْل الَّذِي يضْرب إِلَى الفستقية ثمَّ الزنجاري والاسمانجوني والبتلنجي ثمَّ الكراثي. وَأما الفستقي فَإِنَّهُ يدل على برد وَكَذَلِكَ مَا فِيهِ خضرَة إِلَّا الزنجاري والكراثي فَإِنَّهُمَا يدلان على احتراق شَدِيد. والكراثي أسلم من الزنجاري. والزنجاري بعد التَّعَب يدل على تشنّج. وَالصبيان يدلّ الْبَوْل الْأَخْضَر مِنْهُم على تشنج وَأما الإسمانجوني فَإِنَّهُ يدل على الْبرد الشَّديد فِي أَكثر الْأَمر ويتقدمه بَوْل أَخْضَر. وَقد قيل أَنه يدل على شرب السم فَإِن كَانَ مَعَه رسوب رُجي أَن يعِيش وإلأَ خيف على صَاحبه. والزنجاري شَدِيد الدّلَالَة على العطب. وَأما طَبَقَات اللَّوْن الْأسود فَمِنْهُ أسود سالك إِلَى السوَاد طَرِيق الزعفرانية كَمَا فِي اليرقان وَيدل على تكاثف الصَّفْرَاء واحتراقها بل على السَّوْدَاء الْحَادِثَة من الصَّفْرَاء وعَلى اليرقان وَمِنْه أسود اَخذ من القتمة وَيدل على السَّوْدَاء
[ ١ / ١٨٥ ]
الدموية وأسود اَخذ من الخضرة والبتلنجية ويدلّ على السَّوْدَاء الصّرْف. وَالْبَوْل الْأسود فِي الْجُمْلَة يدل إِمَّا على شدَّة احتراق وَإِمَّا على شدَّة برد وَإِمَّا على موت من الْحَرَارَة الغريزية وانهزام وَإِمَّا على بحران وَدفع من الطبيعة للفضول السوداوية. ويستدل على الْكَائِن من الاحتراق بِأَن يكون هُنَاكَ احتراق شَدِيد وَيكون قد تقدّمه بَوْل أصفر وأحمر وَيكون الثفل فِيهِ متشبثًا قَلِيل الاسْتوَاء لَيْسَ بذلك الْمُجْتَمع المكتنز وَلَا يكون شَدِيد السوَاد بل يضْرب إِلَى زعفرانية وصفرة أَو قتمة فَإِن كَانَ يضْرب إِلَى الصُّفْرَة دلّ كثيرا على اليرقان. ويستدل أَيْضا على الْكَائِن من الْبرد بِأَن يكون قد تقدمه بَوْل إِلَى الخضرة والكمدة وَيكون الثفل قَلِيلا مجتمعًا كَأَنَّهُ جَاف وَيكون السوَاد فِيهِ أخْلص وَقد يفرق بَين المزاجين بِأَنَّهُ إِذا كَانَ مَعَ الْبَوْل الْأسود شدَّة قُوَّة من الرَّائِحَة كَانَ دالًاّ على الْحَرَارَة وَإِذا كَانَ مَعَه عدم الرَّائِحَة أَو ضعف من قوتها كَانَ دالآً على الْبُرُودَة فَإِنَّهُ إِذا انْهَزَمت الطبيعة جدا لم تكن لَهُ رَائِحَة. ويستدل على الْحَادِث لسُقُوط الْقُوَّة الغريزية بِمَا يعقبه من سُقُوط الْقُوَّة وانحلالها ويستدل على الْحَادِث على سَبِيل التنقية والبحران كَمَا يكون فِي أَوَاخِر الرّبيع وانحلال علل الطحال وأوجاع الظّهْر وَالرحم والحميّات السوداوية النهارية والليلية والأفات الْعَارِضَة من احتباس الطمث واحتباس الْمُعْتَاد سيلانه من المقعدة وخصوصًا إِذا أعانت الطبيعة أَو الصِّنَاعَة بالإدرار كَمَا يُصِيب النِّسَاء اللواتي قد احْتبسَ طمثهن فَلم تقبل الطبيعة فضلَة الدَّم بِأَن يكون قد تقدمه بَوْل غير نضيج مائي. ويصادف الْبدن عَقِيبه خفًا وَيكون كثير الْمِقْدَار غزيرًا. وَأما إِن لم يكن هَكَذَا فان الْبَوْل الْأسود عَلامَة رَدِيئَة وخصوصًا فِي الْأَمْرَاض الحادة وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ مِقْدَاره قَلِيلا فَيعلم من قلته أَن الرُّطُوبَة قد أفناها الاحتراق وَكلما كَانَ أغْلظ كَانَ أردأ وَكلما كَانَ أرقّ فَهُوَ أقل رداءة. وَقد يعرض أَن يبال بَوْل أسود وأحمر قاني بِسَبَب شرب شراب بِهَذِهِ الصّفة تعْمل فِيهِ الطبيعة أصلا فَيخرج بِحَالهِ وَهَذَا الأخطر فِيهِ وَرُبمَا كَانَ دَلِيل بحران صَالح فِي الْأَمْرَاض الحادة أَيْضا مثل الْبَوْل الَّذِي يبوله الْمَرِيض رَقِيقا وَفِيه تعلق فِي نواح مُخْتَلفَة فَإِنَّهُ كثيرا مَا يدل على صداع وسهر وصمم واختلاط عقل لَا سِيمَا إِذا بيل قَلِيلا قَلِيلا فِي زمَان طَوِيل وَكَانَ حاد الرَّائِحَة وَكَانَ فِي الحميات فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ شَدِيد الدّلَالَة على الصداع والاختلاط فِي الْعقل واذا كَانَ هُنَاكَ سهر وصمم واختلاط عقل وصداع دلّ على رُعَاف يكون وَيُمكن أَن يكون سَببا للحصاة فِي كليته. قَالَ روفس: الْبَوْل الْأسود يسْتَحبّ فِي علل الْكُلِّي والعلل الهائجة من الأخلاط الغليظة وَهُوَ دَلِيل مهلك فِي الْأَمْرَاض الحادة. ونقول: قد يكون الْبَوْل الْأسود أَيْضا رديئًا فِي علل الْكُلِّي والمثانة إِذا كَانَ هُنَاكَ احتراق شَدِيد فَتَأمل سَائِر العلامات وَالْبَوْل الْأسود فِي الْمَشَايِخ وَلَيْسَ لصلاح لَهُم مِمَّا يعلم وَلَا هُوَ وَاقع إِلَّا لفساد عَظِيم وَكَذَلِكَ فِي النِّسَاء. وَالْبَوْل الْأسود بعد التَّعَب يدل على تشنّج. وَبِالْجُمْلَةِ
[ ١ / ١٨٦ ]
الْبَوْل الْأسود فِي ابْتِدَاء الحميات قتّال وَكَذَلِكَ الَّذِي فِي انتهائها إِذا لم يَصْحَبهُ خف وَلم يكن دَلِيلا على بحران. وَأما الْبَوْل الْأَبْيَض فقد يفهم مِنْهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا أَن يكون رَقِيقا مشفًّا فَإِن النَّاس قد يسمُون المشف أَبيض كَمَا يسمون الزّجاج الصافي والبلور الصافي أَبيض. والقاني الْأَبْيَض بِالْحَقِيقَةِ هر الَّذِي لَهُ لون مفرق لِلْبَصَرِ مثل اللَّبن والكاغد وَهَذَا لَا يكون مشفًّا ينفذ فِيهِ الْبَصَر لِأَن الإشفاف بِالْحَقِيقَةِ هُوَ عدم الألوان كلهَا. فالأبيض بِمَعْنى المشف دَلِيل على الْبرد جملَة ومونس عَن النضج وَإِن كَانَ مَعَ غلظ دلّ على البلغم. وَأما الْأَبْيَض الْحَقِيقِيّ فَلَا يكون إِلَّا مَعَ غلظ فَمن ذَلِك مَا يكون بياضه بَيَاضًا مُخَاطبا وَيدل على كَثْرَة بلغم وخام وَمِنْه مَا بياضه بَيَاض دسمي وَيدل على ذوبان الشحوم وَمِنْه مَا بياضه بَيَاض إهالي وَيدل على بلغم وعَلى ذرب وَاقع أَو سيقع وَمِنْه مَا بياضه بَيَاض فقاعي مَعَ رقة وَمُدَّة يدل على قُرُوح متقيحة فِي آلَات الْبَوْل فَإِن لم يكن مَعَ مُدَّة فلغلبة الماعة الْكَثِيرَة الخامية الفجة وَرُبمَا كَانَ مَعَ حَصَاة المثانة وَمِنْه مَا يشبه الْمَنِيّ فَرُبمَا كَانَ بحرانًا لأورام بلغمية ورهل فِي الأحشاء وأمراض تعرض من البلغم الزجاجي. وَأما إِذا كَانَ الْبَوْل شَبِيها بالمني لَيْسَ على سَبِيل البحران وَلَا لأورام بلغمية بل إِنَّمَا وَقع ابْتِدَاء فَإِنَّهُ إِنَّمَا ينذر بسكتة أَو فالج وَإِذا كَانَ الْبَوْل أَبيض فِي جَمِيع أَوْقَات الْحمى أوشك أَن تنْتَقل إِلَى الرّبع. وَالْبَوْل الرصاصي بِلَا رسوب رَدِيء جدا. وَالْبَوْل اللبني أَيْضا فِي الحادة مهلك وَبَيَاض الْبَوْل فِي الحميّات الحادة كَيفَ كَانَ الْبيَاض بعد أَن يعْدم الصَّبْغ يدل على أَن الصَّفْرَاء مَالَتْ إِلَى عُضْو يتورم أَو إِلَى إسهال وَالْأَكْثَر أَن يدل على أَنَّهَا مَالَتْ إِلَى نَاحيَة الرَّأْس وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْبَوْل رَقِيقا قي الحميات ثمَّ أَبيض دفْعَة دلّ على اخْتِلَاط عقل يكون. واذا دَامَ الْبَوْل فِي حَال الصِّحَّة على لون الْبيَاض دلّ على عدم النضج. والإهالي الشبيه بالزيت فِي الحميات الحادة ينذر بِمَوْت أَو بدق. وَاعْلَم أَنه قد يكون بَوْل أَبيض والمزاج حَار صفراوي وبولى أَحْمَر والمزاج بَارِد بلغمي فَإِن الصَّفْرَاء إِذا مَالَتْ عَن مَسْلَك الْبَوْل وَلم تختلط بالبول بَقِي الْبَوْل أَبيض فَيجب أَن يتَأَمَّل الْبَوْل الْأَبْيَض فَإِن كَانَ لَونه مشرقًا وَثقله غزيرًا غليظًا وقوامه مَعَ هَذَا إِلَى الغلظ فَاعْلَم أَن الْبيَاض من برد بلغم. وَأما إِن كَانَ اللَّوْن لَيْسَ بالمشرق وَلَا الثفل بالغزير وَلَا بالمفصول وَلَا الْبيَاض إِلَى كمودة فَاعْلَم أَنه لكمون الصَّفْرَاء وَإِذا كَانَ الْبَوْل فِي الْمَرَض الحاد أَبيض وَكَانَ هُنَاكَ دَلَائِل السَّلامَة لَا يخَاف مَعهَا السرسام وَنَحْوه فَاعْلَم أَن الْمَادَّة الحادة مَالَتْ إِلَى المجرى الآخر فالأمعاء تعرض للإسحاج. وَأما الْعلَّة فِي كَون الْبَوْل فِي الْأَمْرَاض الْبَارِدَة أَحْمَر اللَّوْن فسببه أحد أُمُور إِمَّا شدَّة الوجع وتحليله الصَّفْرَاء مثل مَا يعرض فِي القولنج الْبَارِد وَإِمَّا شدَّة وَقعت من غَلَبَة البلغم
[ ١ / ١٨٧ ]
فِي المجرى الَّذِي بَين المرار والأمعاء فَلم ينصب المرار إِلَى الأمعاء الإنصباب الطبيعي الْمُعْتَاد بل يضْطَر إِلَى مرافقة الْبَوْل وَالْخُرُوج مَعَه كَمَا يعرض أيضاَ فِي القولنج الْبَارِد وَأما ضعف الكبد وقصور قوته عَن التَّمْيِيز بَين المائية وَالدَّم كَمَا يكون فِي الاسْتِسْقَاء الْبَارِد وَفِي أمراض ضعف الكبد فِي الْأَكْثَر فَيكون الْبَوْل شَبِيها بغسالة اللَّحْم الطري. وَأما الاحتقان الَّذِي توجبه السمد فبتغير لون البلغم فِي الْعُرُوق لعفونة مَا تلْحقهُ وعلامته أَن تكون مائية الْبَوْل وَثقله على الْوَجْه الْمَذْكُور ثمَّ يكون صبغه صبغًا ضَعِيفا غير مشرق فَإِن الصفراوي يكون صبغه مشرقًا وَكَثِيرًا مَا يكون الْبَوْل فِي أول الْأَمر أَبيض ثمَّ يسود وينتن كَمَا يعرض فِي اليرقان. وَالْبَوْل بعد الطَّعَام يبيض وَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يَأْخُذ فِي الهضم فَيَأْخُذ فِي الصَّبْغ وَلذَلِك مَا يكون بَوْل أَصْحَاب السهر أَبيض ويعين عَلَيْهِ تحلل الْحَار الغريزي لكنه يكون غير مشرق بل إِلَى كدورة لعدم النضج. والصبغ الْأَحْمَر فِي الْأَمْرَاض الحادة أفضل من المائي والأبيض لقوامه أَيْضا خير من المائي والأحمر الدموي أَكثر أَمَانًا من الْأَحْمَر الصفراوي والأحمر الصفراوي أَيْضا لَيْسَ بذلك الْمخوف إِن كَانَ الصَّفْرَاء سَاكِنا ومخوف إِن كَانَ متحركًا. وَالْبَوْل الْأَحْمَر القاني فِي أمراض الْكُلية رَدِيء فَإِنَّهُ يدل فِي الْأَكْثَر على ورم حَار وَفِي أوجاع الرَّأْس ينذر باختلاط. وَإِذا ابْتَدَأَ الْبَوْل فِي الْأَمْرَاض الحادة بالأحمر وَبَقِي كَذَلِك وَلم يرسب خيف مِنْهُ الْهَلَاك وَدلّ على ورم الكلى فَإِن كَانَ كدرًا مَعَ الْحمرَة وَبَقِي كَذَلِك دلّ على ورم فِي الكبد وَضعف الْحَار الغريزي. وَمن ألوان الْبَوْل ألوان مركبة من ذَلِك اللَّوْن الشبيه بغسالة اللَّحْم الطري وَيُشبه دَمًا ديف فِي المَاء وَقد يكون من ضعف الكبد وَقد يكون من كَثْرَة الدَّم وَأَكْثَره من ضعف الكبد من أَي سوء مزاج غلب وَيدل عَلَيْهِ ضعف الهضم وانحلال القوى فَإِن كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة فَلَيْسَ إِلَّا من كَثْرَة الدَّم وزيادته على الْمبلغ الَّذِي يَفِي الْقُوَّة المميزة بتمييزه بِكَمَالِهِ. وَمن ذَلِك اللَّوْن الزيتي وَهُوَ صفرَة يخالطها سلقية وَيُشبه الزَّيْت للزَّوْجَة فِيهِ وإشفاف مَعَ بريق دسمي وقوام مَعَ الشف إِلَى الغلظ مَا هُوَ وَفِي أَكثر الْأَحْوَال يدل على الشَّرّ وَلَا يدل على الْخَيْر والنضج وَالصَّلَاح وَرُبمَا دلّ فِي النَّادِر على استفراغ مواد دسمة على سَبِيل البحران وَهَذِه إِنَّمَا تكون إِذا تعقبه رَاحَة. والمهلك مِنْهُ مَا كَانَت دسومته مُنْتِنَة وخصوصًا الْبَوْل مِنْهُ قَلِيلا قَلِيلا وَإِذا خالطه شَيْء كغسالة اللَّحْم الطري فَهُوَ أردأ وَهَذَا أَكْثَره فِي الاسْتِسْقَاء والسل والقولنج الرَّدِيء وَرُبمَا يعقب الزيتي بولًا أسود مُتَقَدما وَكَانَ عَلامَة صَلَاح وَكَثِيرًا مَا دلّ الْبَوْل الزيتي فِي الرَّابِع على أَن الْمَرِيض سيموت فِي السَّابِع أَعنِي فِي الْأَمْرَاض الحادة. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الْبَوْل الزيتي ثَلَاثَة أَصْنَاف فَإِنَّهُ: إِمَّا أَن يكون كُله دسمًا أَو يكون أَسْفَله فَقَط أَو يكون أَعْلَاهُ. دسمًا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يكون زيتيًا فِي لَونه فَقَط كَمَا فِي السل وخصوصًا فِي أَوله أَو فِي قوامه فَقَط أَو فيهمَا جَمِيعًا كَمَا فِي علل الكلى وَفِي كَمَال السل وَآخره وَمن ذَلِك الأرجواني وَهُوَ ردي قتال لِأَنَّهُ يدل على احتراق الْمَرَّتَيْنِ وَقد يكون لون أَحْمَر يجْرِي فِيهِ
[ ١ / ١٨٨ ]
سَواد فَيدل على الحميات المركبة والحمّيات الَّتِي من الأخلاط الغليظة فَإِن كَانَ أصفى وَكَانَ السوَاد أميل إِلَى رَأسه دلّ على ذَات الْجنب. الْفَصْل الثَّالِث قوام الْبَوْل وَصِفَاته وكدورته قوام الْبَوْل إِمَّا أَن يكون رَقِيقا وَإِمَّا أَن يكون غليظًا وَإِمَّا أَن يكون معتدلًا. وَالرَّقِيق جدا: يدل على عدم النضج فِي كل حَال أَو على السدد فِي الْعُرُوق أَو على ضعف الْكُلية ومجاري الْبَوْل فَلَا يجذب إِلَّا الرَّقِيق أَو يجذب وَلَا يدْفع إِلَّا الرَّقِيق الْمُطِيع للدَّفْع أَو على كَثْرَة شرب المَاء أَو على المزاج الشَّديد الْبرد مَعَ يبس. وَيدل فِي الْأَمْرَاض الحادة على ضعف الْقُوَّة الهاضمة وَعدم النضج وَرُبمَا دلّ على ضعف سَائِر القوى حَتَّى لَا ينْصَرف فِي المَاء الْبَتَّةَ بل يزلق كَمَا يدْخل وَالْبَوْل الرَّقِيق على هَذِه الصّفة هُوَ فِي الصّبيان أردأ مِنْهُ فِي الشبَّان لِأَن الصّبيان بَوْلهمْ الطبيعي أغْلظ من بَوْل الشبَّان لأَنهم أرطب وَلِأَن أبدانهم للرطوبات أجذب لِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى فضل مَادَّة بِسَبَب الاستنماء فَإِذا رق بَوْلهمْ فِي الحميات الحادة جدا كَانُوا قد بعدوا عَن حالتهم الطبيعية جدا. واستمرار ذَلِك بهم يدل على العطب فَإِنَّهُ إِذا دَامَ دلّ على الْهَلَاك إِلَّا أَن يُوَافقهُ عَلَامَات صَالِحَة وثبات قُوَّة فَحِينَئِذٍ يدل على خراج يحدث وخصوصًا تَحت نَاحيَة الكبد وَكَذَلِكَ إِذا دَامَ هَذَا بالأصحاءُ لَا يَسْتَحِيل فيهم فَإِنَّهُ يدل على ورم يحدث حَيْثُ يحسون فِيهِ الوجع. وَفِي الْأَكْثَر يعرض لَهُم أَن يحسوا مَعَ ذَلِك بوجع فِي الْقطن وَفِي الكلى فَيدل على استعداد لورم فَإِن لم يخص ذَلِك الوجع والثقل نَاحيَة بل عَم يدل على بثور وجدري وأورام تعم الْبدن. ورقة الْبَوْل عِنْد البحران بِلَا تدريج تنذر بالنكس. وَأما الْبَوْل الغليظ جدا فانه يدل فِي أَكثر الْأَحْوَال على عدم النضج وَفِي أقلهَا على نضج أخلاط غَلِيظَة القوام وَيكون فِي مُنْتَهى حميات خلطية أَو انفجار أورام. وَأكْثر دلائله فِي الْأَمْرَاض الحادة هُوَ على الشَّرّ لَكِن دوَام الرقة على الشَّرّ أدل فَإِن الغيلظ يدل على هضم مَا هُوَ الَّذِي يُفِيد القوام فِيمَا يدل على هضم واستقلال من الْقُوَّة بِالدفع يُرْجَى وَرُبمَا يدل على فَسَاد الْمَادَّة. وَكَثْرَتهَا وامتناعها عَن النضج الْمُمَيز المرسب يدل على الشَّرّ ويستدل على الْغَالِب من الْأَمريْنِ بِمَا يعقبه من الرَّاحَة أَو يعقبه من زِيَادَة الضعْف. والأسلم من الْبَوْل الغليظ فِي الحميات مَا يستفرغ مِنْهُ شَيْء كثير دفْعَة وَأما الَّذِي يستفرغ قَلِيلا قَلِيلا فَهُوَ دَلِيل على كَثْرَة أخلاط أَو ضعف قُوَّة والنافع مِنْهُ يعقبه بَوْل معتدله مُقَارن للراحة وءاذا اسْتَحَالَ الرَّقِيق إِلَى الغلظ فِي الْأَمْرَاض الحادة وَلم يعقب رَاحَة دلّ على الذوبان. وَالصَّحِيح إِذا دَامَ بِهِ الْبَوْل الغليظ وَكَانَ يحس بوجع فِي نواحي الرَّأْس
[ ١ / ١٨٩ ]
وانكسار فَهُوَ مُنْذر لَهُ بالحمى وَرُبمَا كَانَ ذَلِك بِهِ من فضل اندفاع أَو انفجار أَو قُرُوح بنواحي مسالك الْبَوْل وَإِنَّمَا كَانَت الرقة والغلظ جَمِيعًا يدلان على عدم النضج لِأَن النضج يتبعهُ اعْتِدَال القوام. فالغليظ نضجه أَن ينهضم إِلَى الرقة وَالرَّقِيق نضجه أَن ينطبخ إِلَى السخونة وَالْبَوْل الغليظ كَمَا قُلْنَا فِيمَا سلف قد يكون صافيًا مشفا وَقد يكون كدرًا وَالْفرق بَين الغليظ المشف وَبَين الرَّقِيق أَن الغليظ المشفا إِذا موَج يالتحريك لم تصغر أجزاؤه المتموجة بل حدثت فِيهِ أمواج كبار وَكَانَت حركتها بطيئة وَإِذا أَزِيد كَانَ زبده كثير النفاخات بطيء الانفقاء وتولَد مثل هَذَا هُوَ عَن بلغم جيد الإنهضام أَو صفراء مُحي إِن كَانَ لَهُ صبغ إِلَى الصُّفْرَة وَإِذا لم يكن صبغ دلّ على إنحلال بلغم زجاجي وَهَذَا كثيرا مَا يكون فِي أَبْوَال المصروعين. وَالرَّقِيق الَّذِي يأكثر فِيهِ الصَّبْغ يعلم أَن صبغه لَيْسَ عَن نضج وَإِلَّا لفعل النضج فِيهِ القوام أَولا لكنه من اخْتِلَاط الْمرة بِهِ فَإِن أول فعل الإفضاج التَّقْوِيم ثمَّ الصَّبْغ - والنضج فِي القوام أصلح مِنْهُ فِي اللَّوْن فَلذَلِك الْبَوْل الرَّقِيق الْأَصْفَر إِذا دَامَ فِي مُدَّة الْمَرَض الحادّ دلّ على شَرّ وعَلى فتور الْقُوَّة الهاضمة وَإِذا رَأَيْت بولًا رَقِيقا وَهُنَاكَ اخْتِلَاف أَجزَاء من الْحمرَة والصفرة فاحدس تعبًا ملهبًا وَإِن كَانَ رَقِيقا قيه أَشْيَاء كالنخالة من غير عِلّة فِي المثانة فَذَلِك لاحتراق البلغم. وَالْبَوْل الغليظ فى الْأَمْرَاض الحادة يدل بِالْجُمْلَةِ على كَثْرَة الأخلاط وَرُبمَا دلّ على الذوبان وَهُوَ الَّذِي إِذا بَقِي سَاعَة جمد فغلظ. ويالجملة كدورة الْبَوْل الأرضية مَعَ ريح تخالطه المائية فَإِذا اخْتلطت هَذِه كَانَت كدورة وَفِي انْفِصَال بَعْضهَا من بعض يتم الصفاء ثمَّ يجب أَن ينظر إِلَى أَحْوَال ثَلَاث لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يبال رَقِيقا ثمَّ يغلظ فَيدل على أَن الطبيعة مجاهدة هُوَ ذَا ينضج لَكِن الْمَادَّة بعد لم تُطِع من كل وَجه وَهِي متأثرة وَرُبمَا دلّ على ذوبان الْأَعْضَاء. وَإِمَّا أَن يبال غليظًا ثمَّ يصفو ويتميز مِنْهُ الغليظ راسبًا فَيدل على أَن الطبيعة قد قهرت الْمَادَّة وأنضجتها. وَكلما كَانَ الصفاء أَكثر الرسوب أوفر وأسرع فَهُوَ على النضج أدلّ. وَالْحَالة المتوسطة بَين الأول وَالْآخر إِن دَامَت وَكَانَت الطبيعة قَوِيَّة وَالْقُوَّة ثَابِتَة حدس أَنه سيبلغ مِنْهُ الإنضاج التَّام وَإِن لم تكن الْقُوَّة ثَابِتَة خيف أَنا يسْبق الْهَلَاك النضج وَإِذا طَال وَلم تكن عَلامَة مخيفة أنذر بصداع لِأَنَّهُ يدل على ثوران وعَلى ريَاح بخارية وَالَّذِي يَأْخُذ من الرقة إِلَى الخثورة ويستمرّ خير من الْوَاقِف على الخثورة فِي كثير من الْأَوْقَات وَكَثِيرًا مَا يغلظ الْبَوْل ويكدر لسُقُوط القوّة لَا لدفع الطبيعة. وَأما الْبَوْل الَّذِي يبال مائيًا وَيبقى مائيًا فَهُوَ دَلِيل عدم النضج الْبَتَّةَ وَالْبَوْل الغليظ أَحْمَده مَا كَانَ سهل الْخُرُوج كثير الِانْفِصَال مَعًا وَمثل هَذَا يبري الفالج وَمَا
[ ١ / ١٩٠ ]
يجْرِي مجْرَاه وَإِذا كَانَت أَبْوَال غَلِيظَة ثمَّ أخذت ترق على التدريج مَعَ غزارة فَذَلِك مَحْمُود وَرُبمَا كَانَ يعقب الغليظ الكدر الْقَلِيل الْكثير فَيكون دَلِيل خير وَذَلِكَ إِذا انفجر الغليظ الكدر الَّذِي كَانَ ييال قَلِيلا قَلِيلا ودفعة وَاحِدَة بَوْل بولًا كثيرا بسهولة فَإِن هَذَا كثيرا مَا تنْحَل بِهِ الْعلَّة سَوَاء كَانَت الْعلَّة شَيْئا من الحميات الحادة أَو غَيرهَا من الْأَمْرَاض الامتلائية وَكَانَ امتلاء لم يعرض بعد مِنْهُ مرض ظَاهر وَهَذَا ضرب من الْبَوْل نَادِر. وَالْبَوْل الطبيعي اللَّوْن إِذا أفرط فِي الغلظ دلّ أَحْيَانًا على جودة نقص الْموَاد كثيرا ونضجه بسهولة الْخُرُوج وَقد يدل أَحْيَانًا على التّلف لدلالته على كَثْرَة الأخلاط وَضعف الْقُوَّة وَيدل عَلَيْهِ عسر الْخُرُوج وَقلة مَا يخرج. وَالْبَوْل الغليظ الْجيد الَّذِي هُوَ بحران لأمراض الطحال والحميّات المختلطة لَا يتوقّع فِيهِ الاسْتوَاء فَإِن الطبيعة تعْمل فِي الدّفع. وَالْبَوْل الميثور فِي الْجُمْلَة يدلّ على كَثْرَة الاخلاط مَعَ اشْتِغَال من الطبيعة بهَا وبإنضاجها. وَالْبَوْل الغليظ الَّذِي لَهُ ثقل زيتي يدل على حَصَاة. وَالْبَوْل الغليظ الدَّال على انفجار الأورام يسْتَدلّ عَلَيْهِ بِمَا يخالطه وَبِمَا قد سبقه. أما مَا يخالطه فكالمدة وَيدل عَلَيْهَا الرَّائِحَة المنتنة والجرادات الْمُنْفَصِلَة مَعَه كصفائح بيض أَو حمر أَو كنخالة أَو غير ذَلِك مِمَّا يسْتَدلّ عَلَيْهِ بعد وَأما مَا سبقه فَإِن يكون قد كَانَ فِيمَا سلف عَلامَة لورم أَو قرحَة بالمثانة أَو الْكُلية والكبد أَو نواحي الصَّدْر فَيدل ذَلِك على الإنفجار من الورم وَإِن كَانَ قبله بَوْل يشبه غسالة اللَّحْم الطري فَهُوَ من حدبة الكبد أَو برَاز كَذَلِك فالورم فِي تقعيره وَإِن كَانَ قد سبق ضيق نفس وسعال يَابِس ووجع فِي أَعْضَاء الصَّدْر ناخس فَهُوَ ذَات الْجنب انفجر واندفع من نَاحيَة الشريان الْعَظِيم. وَإِذا كَانَ فِي ذَلِك الَّذِي هُوَ الْمدَّة نضج كَانَ مَحْمُودًا وَإِن كَانَ ذَلِك الْبَوْل مغ الغلظ إِلَى السود وَكَانَ مَعَه وجع فِي نَاحيَة الْيَسَار فَهُوَ من نَاحيَة الطحال وعَلى هَذَا الْقيَاس إِن كَانَ فَوق السُّرَّة وَأَعْلَى الْبَطن فَهُوَ من نَاحيَة الْمعدة. وَأكْثر ذَلِك يكون من الكبد ومجاري الْبَوْل. وَرُبمَا بَال الصَّحِيح المتدع التارك الرياضة بولًا كالمدة والصديد فيتنقى بدنه وَيَزُول ترهله الَّذِي لَهُ بترك الرياضة وَإِن كَانَ أَيْضا فِي الكبد وَمَا يَلِيهِ سدد فَرُبمَا كَانَ غلظ الْبَوْل تَابعا لانفتاحها واندفاع مادتها وَلَا يكون هَذَا الغلظ قيحيًا وَالَّذِي يكون عَن الانفجار يكون قيحيًا. وَالْبَوْل الكدر كثيرا مَا يدل على سُقُوط الْقُوَّة وَإِذا سَقَطت الْقُوَّة استولى الْبرد وَكَانَ كَالْبردِ الْخَارِج وَالْبَوْل الكدر الشبيه بلون الشَّرَاب الرَّدِيء أَو مَاء الحمص يكون للحبالى وَأَصْحَاب أورام حارة مزمنة فِي الأحشاء
[ ١ / ١٩١ ]
وَالْبَوْل الَّذِي يشبه بَوْل الْحمير وأبوال الدَّوَابّ وَكَأَنَّهُ ملخلخ لشقة بثوره يدل على فَسَاد أخلاط الْبدن. وَأَكْثَره على خام عملت فِيهِ حرارة مَا فيورث ريحًا غَلِيظَة وَكَذَلِكَ قد يدل على الصداع الْكَائِن أَو المطل وَقد يدل إِذا دَامَ على الترعش. وَالْبَوْل الَّذِي يشبه لون عُضْو مَا فَإِن دَوَامه يدل على عِلّة بذلك الْعُضْو قَالَ بَعضهم: إِنَّه إِذا كَانَ فِي أَسْفَل الْبَوْل شَبيه بغيم أَو دُخان طَال الْمَرَض وَإِن كَانَ فِي جَمِيع الْمَرَض أنذر بِمَوْت. والخام يُفَارق الْمدَّة بالنتن. وَالْبَوْل الْمُخْتَلف الْأَجْزَاء كلما كَانَت الْأَجْزَاء الْكِبَار فِيهِ أَكثر دلّ على أَن عمل الطبيعة فِيهِ أنفذ والطبيعة أقدر والمسام أَشد إنفتاحًا. وَالْبَوْل الَّذِي يرى فِيهِ كالخيوط مختلط بَعْضهَا بِبَعْض يدل على أَنه بيل أثر الْجِمَاع وَأَنت تعلم ذَلِك بالامتحان. الْفَصْل الرَّابِع دَلَائِل رَائِحَة الْبَوْل قَالُوا: لم ير بَوْل مَرِيض قطّ توَافق رَائِحَته رَائِحَة بَوْل الأصحاء. ونقول: إِن كَانَ الْبَوْل لَا رَائِحَة لَهُ الْبَتَّةَ دلّ على برد مزاج وفجاجة مفرطة وَرُبمَا دلّ على الْأَمْرَاض الحادة على موت الغريزة فَإِن كَانَت لَهُ رَائِحَة مُنْتِنَة فَإِن كَانَ هُنَاكَ دَلَائِل النضج كَانَ سَببه جربًا وقروحًا فِي ألات الْبَوْل ويستدل عَلَيْهِ بعلامات ذَلِك وَإِن لم يكن نضج جَازَ أَن يكون من ذَلِك وَجَاز أَن يكون للعفونة وَإِذا كَانَ ذَلِك فِي الحميات الحادة وَلم يكن بِسَبَب أَعْضَاء الْبَوْل فَهُوَ دَلِيل رَدِيء وَإِن كَانَ إِلَى الحموضة دلّ على أَن العفونة هِيَ فِي أخلاط بَارِدَة الْجَوْهَر استولى عَلَيْهَا حرارة غَرِيبَة. وَأما إِن كَانَت الْعلَّة حادة فَهُوَ دَلِيل الْمَوْت لِأَنَّهُ يدل على موت الْحَرَارَة الغريزية واستيلاء برد فِي الطَّبْع مَعَ حر غَرِيب والرائحة الضاربة إِلَى الْحَلَاوَة تدل على غَلَبَة الدَّم والمنتنة شَدِيدا صفراوية والمنتنة إِلَى الحموضة سوداوية وَالْبَوْل المنتن الرَّائِحَة إِذا دَامَ بالأصحاء دلّ على حميات تحدث من العفن أَو على انْتِقَاض عفونة محتبسة فيهم وَيدل عَلَيْهِ وجود الخفة إثره وَفِي الْأَمْرَاض الحادة إِذا فَارق الْبَوْل من كَانَ يلْزمه فِيهَا وَزَالَ عَنهُ وَكَانَ ذَلِك الزَّوَال دفْعَة وَلم يعقب رَاحَة فَهُوَ عَلامَة سُقُوط القوى. الْفَصْل الْخَامِس الدَّلَائِل الْمَأْخُوذَة من الزّبد الزّبد يحدث فِي الرُّطُوبَة من الرّيح المنزرقة فى المَاء وَمَعَ زرق الْبَوْل وَالرِّيح الْخَارِجَة مَعَ الْبَوْل فِي جَوْهَر الْبَوْل مَعُونَة لَا محَال وخصوصًا إِذا كَانَت الرّيح غالبة فِي المَاء كَمَا يعرض فِي بَوْل أَصْحَاب التمدد من النفّاخات الْكَثِيرَة. والزبد قد يدل بلونه كَمَا يدل بسواده وشقرته على اليرقان وَقد يدل بصغره وَكبره فَإِن كبره يدل على اللزوجة وَإِمَّا بقلته وكثرته فَإِن كثرته تدل على لزوجة وريح كَثِيرَة وَإِمَّا بِبَقَائِهِ طَويلا أَو بِبَقَائِهِ سَرِيعا فَإِن بَقَاءَهُ بطيئًا يدل على اللزوجة والعبب الْبَاقِيَة فِي علل الكلى وَيدل على طول الْمَرَض لدلالته على الرِّيَاح واللزوجة. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الْخَلْط اللزج فِي علل الكلى رَدِيء وَيدل على أخلاط رَدِيئَة وَبرد.
[ ١ / ١٩٢ ]
الْفَصْل السَّادِس دَلَائِل أَنْوَاع الرسوب نقُول: أَولا إِن اصْطِلَاح الْأَطِبَّاء فِي اسْتِعْمَال لَفْظَة الرسوب والثفل قد زَالَ عَن المجرى الْمُتَعَارف وَذَلِكَ لأَنهم يَقُولُونَ رسوب وثفل لَا لما يرسب ففط بل لكل جَوْهَر أغْلظ قوامًا من المائية متميزعنها وَإِن تعلق وطفا فَنَقُول: إِن الرسوب قد يسْتَدلّ مِنْهُ من وُجُوه من جوهره وَمن كميته وَمن كيفيته وَمن وضع أَجْزَائِهِ وَمن مَكَانَهُ وَمن زَمَانه وَمن كَيْفيَّة مخالطته أما دلَالَته من جوهره فَهُوَ أَنه إِمَّا أَن يكون رسوبًا طبيعيًا مَحْمُودًا دَالا على الهضم والنضج الطبيعيين وهر أَبيض راسب مُتَّصِل الْأَجْزَاء متشابهها مستويها وَيجب أَن يكون مستدير الشكل أملس مستوياَ لطيفًا شَبِيها برسوب مَاء الْورْد. وَنسبَة دلَالَته على نضج الْمَادَّة فِي الْبدن كُله كنسبة الْمدَّة للبيضاء الملساء المشابهة القوام على نضج الورم لَكِن الْمدَّة كثيفة وَهَذِه لَطِيفَة. والرسوب والثفل دَلِيل جيد وَإِن فَاتَ الصَّبْغ والاستواء أدل عِنْد الأقدمين من النضج فَإِن المستوى الَّذِي لَيْسَ بذلك الْأَبْيَض بل هُوَ أَحْمَر أصلح من الْأَبْيَض الخشن. وَأكْثر الرسوب على لون الْبَوْل وأجود مَا خَالف الْأَبْيَض فَهُوَ الْأَحْمَر ثمَّ الْأَصْفَر ثمَّ الزرنيخي ويبتدىء الشَّرّ من العدسي وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا يَقُوله الْآخرُونَ فَإِن الْبيَاض قد يكون لَا للنضج والاستواء لَيْسَ إِلَّا للنضج. وَمن الْبيَاض مَا يكون عَن وَأما الرسوب الرَّدِيء المذموم فتشتنه خير من استوائه والرسوب الرَّدِيء هُوَ الَّذِي تعرفه عَن قريب وَأما الرسوب الْجيد الَّذِي كلامنا فِيهِ فقد يشبه الْمدَّة والخام الرقيقين وَلَكِن الْمدَّة تخَالفه بالنتن والخام يُخَالِفهُ باندماج أَجْزَائِهِ وَهُوَ يُخَالف كليهمَا باللطافة والخفة وَهَذَا الرسوب إِنَّمَا يطْلب فِي الْأَمْرَاض وَلَا يطْلب فِي حَال الصِّحَّة وَذَلِكَ لِأَن الْمَرِيض لَا يشك فِي احتباس مواد رَدِيئَة فِي بدنه فِي عروقه فَإِذا لم ينضج دلّ على الْفساد. وَأما الصَّحِيح فَلَيْسَ يجب دَائِما أَن يكون فِي عرقه خلط ينْتَقض بل الأولى أَن يدل ذَلِك مِنْهُم على فضول تفضل فيهم عَن الْغذَاء عديمة الهضم ثمَّ يفضل فضل يرسب فِي الْبَوْل نضيجًا أَو غير نضيج. والقضاف يقل فيهم الثفل الراسب فِي حَال الصِّحَّة وخصوصًا المزاولين للرياضات وَأَصْحَاب الصَّنَائِع المتعبة وَإِنَّمَا يكثر هَذَا الرسوب فِي أَبْوَال السمان المتدعين وَكَذَلِكَ أَيْضا لَا يجب أَن يتَوَقَّع فِي أَبْوَال المرضى القضاف من الرسوب مَا يتَوَقَّع فِي أبدان المرضى السمان فَإِن أُولَئِكَ كثيرا مَا تقلع أمراضهم وَلم يرسبوا شَيْئا وَكَثِيرًا مَا لَا يبلغ الرسوب فِي أبوالهم إِلَى أَن يتسفل بل رُبمَا كَانَ مِنْهُ شَيْء يسير طَاف أَو يتَعَلَّق وَلَيْسَ كَمَا يُقَال: كل بَوْل فانه يرسب إِلَّا الْبَوْل النضيج جدا بل يجب أَن يصبر عَلَيْهِ قَلِيلا هَذَا. وَأكْثر ألوان الرسوب فِي أَكثر الْأَمر يكون على لون الْبَوْل وأجود مَا خَالف الْأَبْيَض هُوَ الْأَحْمَر ثمَّ الْأَصْفَر. وَأما الرسوب الْغَيْر الطبيعي فَمِنْهُ خراطي نخالي أَو كرسني أَو دشيشي شَبيه بالزرنيخ
[ ١ / ١٩٣ ]
الْأَحْمَر والمشبع صفرَة وَمِنْه لحمي وَمِنْه دسمي وَمِنْه مدي وَمِنْه مخاطي وَمِنْه شَبيه بِقطع الخمير المنقوع وَمِنْه لحموي علقي وَمِنْه شعري وَمِنْه رملي حصوي وَمِنْه رمادي. والخراطي القشوري مِنْهُ صفائحي كبار الْأَجْزَاء بيض وحمر يدل فِي أَكثر الْأَمر على انفصالها من أَعْضَاء قريبَة من مفصل الْبَوْل وَهِي أَعْضَاء الْبَوْل. والأبيض يدل على أَنه من المثانة لقروح فِيهَا أَو جرب أَو تَأْكُل. والأحمر اللحمي على أَنه من الْكُلية وَقد يكون من الصفائحي مَا هُوَ كمد اللَّوْن أدكن أَو شَبيه بفلوس السّمك وَهَذَا أردأ جدا من جَمِيع أَصْنَاف الرسوب الَّذِي نذكرهُ وَيدل على انجراد صَفَائِح الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة. وَأما الجنسان الْأَوَّلَانِ فكثيرًا مَا يضرّان الْبَتَّةَ بل رُبمَا نقيا المثانة. وَقد حكى بَعضهم أَن رجلا سُقِي الذراريح فَبَال قشورًا بيضًا كالفرقىء وَكَانَت إِذا حلت فِي المائية انْحَلَّت وصبغت صبغًا أَحْمَر فبرأ وعاش. وَمن الخراطي مَا يكون أقل عرضا من الْمَذْكُورين وأثخن قوامًا فَإِن كَانَ أَحْمَر سمي كرسنيًا وَإِن لم يكن أَحْمَر سمي نخاليًا والكرسني إِن كَانَ أَحْمَر فقد يكون أَجزَاء من الكبد محترقة وَقد يكون دَمًا محترقًا فِيهَا وَقد يكون من الْكُلية لَكِن الْكَائِن من الْكُلية أَشد اتِّصَالًا لحميًا وَالْآخر إِن أشبه بِمَا لَيْسَ بلحمي وَأَقْبل للتفتيت وَإِن كَانَ شَدِيد الضَّرْب إِلَى الصُّفْرَة فَهُوَ عَن الْكُلية لَا محَالة فَإِن الَّذِي عَن الكبد يضْرب إِلَى القتمة وَقد يُشَارِكهُ فِي هَذَا أَحْيَانًا الَّذِي عَن الْكُلية. وَأما النخالي فقد يكون من جرب المثانة وَقد يكون من ذوبان الْأَعْضَاء وَالْفرق بَينهمَا أَنه إِن كَانَ هُنَاكَ حكة فِي أصل الْقَضِيب ونتن فَهُوَ من المثانة وخصوصًا إِذا سبقه بَوْل مُدَّة وخصوصًا إِذا دلّ سَائِر الدَّلَائِل على نضج الْبَوْل فَتكون الْعُرُوق الْعَالِيَة صَحِيحَة المزاج لَا عِلّة بهَا بل بالمثانة وَأما إِن كَانَ مَعَ إلهاب وَضعف قُوَّة وسلامة أَعْضَاء الْبَوْل وَكَانَ اللَّوْن إِلَى الكمودة فَهُوَ من ذوبان خلط. وَأما السويقي والدشيشي فأكثره من احتراق الدَّم وَهُوَ إِلَى الْحمرَة وَقد يكون كثيرا من ذوبان الْأَعْضَاء وانجرادها إِن كَانَ إِلَى الْبيَاض وَقد يكون أَيْضا من المثانة الجربة فِي الْأَقَل وَأَنت يمكنك أَن تتعرف وَجه الْفرق بَينهمَا بِمَا قد علمت. وَأما إِن كَانَ إِلَى السوَاد فَهُوَ من احتراق الدَّم وخصوصًا فِي الطحال وَجَمِيع الرسوب الصفائحي الَّذِي لَا يكون عَن سَبَب فِي المثانة والكلية ومجاري الْبَوْل فَإِنَّهُ فِي الْأَمْرَاض الحادة رَدِيء مهلك وَقد عرفت من هَذِه الْجُمْلَة حَال اللحمي وَأَن أَكْثَره يكون من الْكُلية وَأَنه مَتى لَا يكون عَن الْكُلية فَإِنَّمَا يكون إِذا كَانَ اللحمِ صَحِيح اللحمية وَلَا ذوبان فِي الْبدن. وَالْبَوْل النضيج يدلّ على صِحَة الأوردة فَإِن علل الكِلية لَا تمنع نضج الْبَوْل لِأَن ذَلِك فَوْقهَا
[ ١ / ١٩٤ ]
وَأما الرسوب الدسمي فَيدل على ذوبان الشَّحْم وَالسمن وَاللَّحم أَيْضا. وأبلغه الشبيه بِمَاء الذَّهَب ويستدل على مبدئه من الْقلَّة وَالْكَثْرَة وَمن المخالطة والمفارقة فَإِنَّهُ إِذا كَانَ كثيرا متميزًا فاحدس أَنه من نَاحيَة الْكُلية لذوبان شحمها وَإِن كَانَ أقل وشديد المخالطة فَهُوَ من مَكَان أبعد وَإِذا رَأَيْت فِي الْبَوْل قِطْعَة بَيْضَاء مثل حب الرُّمَّان فَذَلِك من شَحم الْكُلية. وَأما المري فَيدل على قرحَة منفجرة وخصوصًا فِي أَعْضَاء الْبَوْل وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ هُنَاكَ ثفل مَحْمُود راسب. والمخاطي يدل على غليظ خام إِمَّا كثير فِي الْبدن أَو مَدْفُوع عَن اَلات الْبَوْل وبحران عرق النسا ووجع المفاصل. ويستدل عَلَيْهِ بالخفة عقبه وَرُبمَا لطف ورقه فَظن رسوبًا مَحْمُودًا فَلذَلِك يجب أَن لَا يغتر فِي الْأَمْرَاض بِمَا يرى فِي هَيْئَة الرسوب الْمَحْمُود إِذْ لم يكن وَقت النضج وَلَا دلائله حَاضِرَة وَقد يدل على شدَّة برد من مزاج الكِلْية وَالْفرق بَين المدّي والخام أَن المدي يكون مَعَ نَتن وَتقدم دَلِيل ورم ويسهل اجْتِمَاع أَجْزَائِهِ وتفرقها وَيكون مِنْهُ مَا يخالط المائية جداَ وَمِنْه مَا يتَمَيَّز وَأما الخام فَإِنَّهُ كدرغليظ لَا يجْتَمع بسهولة وَلَا يتشتت بسهولة. وَالْبَوْل الَّذِي فِيهِ رسوب مخاطي كثير إِذا كَانَ غزيرًا وَكَانَ فِي آخر النقرس وأوجاع المفاصل دلّ على خير. وَأما الرسوب الشعري فَهُوَ لانعقاد رُطُوبَة مستطيلة من حرارة فاعلة فِيهَا وَرُبمَا كَانَ أَبيض وَأما الشبيه بِقطع الخمير المنقوع فَيدل على ضعف الْمعدة والأمعاء وَسُوء الهضم فيهمَا وَرُبمَا كَانَ سَببه تنَاول اللَّبن والجبن. وَأما الرَّمْلِيّ فَيدل دَائِما على حَصَاة منعقدة أَو فِي الِانْعِقَاد أَو فِي الانحلال والأحمر مِنْهُ من الْكُلية وَالَّذِي لَيْسَ بأحمر هُوَ من المثانة. وَأما الرَّمَادِي فَأكْثر دلَالَته على بلغم أَو مُدَّة عرض لَهَا اللّبْث تغير لون وتقطع أَجزَاء وَقد يكون لاحتراق عَارض لَهَا. وَأما الرسوب العلقي فَإِن كَانَ شَدِيد الممازجة دلّ على ضعف الكبد أَو دون ذَلِك دلّ على جِرَاحَة فِي مجاري الْبَوْل وتفرق اتِّصَال فِيهَا وَإِن كَانَ متميزًا فأكثره دلَالَة من المثانة والقضيب وسنستقصي هَذَا فِي الْأَمْرَاض الْجُزْئِيَّة فِي بَاب بَوْل الدَّم. وَإِذا كَانَ فِي الْبَوْل مثل علق أَحْمَر وَالْمَرِيض مطحول ذبل طحاله. وَاعْلَم أَنه لَا يخرج فِي علل المثانة دم كثير لِأَن عروقها مُخَالطَة مندسة فِي جرمها ضيقَة قَليلَة. وَأما دلَالَة الرسوب من كميته فإمَّا من كثرته وقلّته وَيدل على كَثْرَة السَّبَب الْفَاعِل لَهُ وقلته وَإِمَّا من مِقْدَاره فِي صغره وَكبره كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الرسوب الخراطي. وَأما دلَالَته من كيفيته فإمَّا من لَونه فَإِن الْأسود مِنْهُ دَلِيل رَدِيء على الْأَقْسَام الَّتِي ذَكرنَاهَا وأسلمه مَا كَانَ الرسوب أسود والمائية لَيست بسوداء والأحمر يدل على الدموية وعَلى التخم والأصفر على شدَّة الْحَرَارَة وخبث
[ ١ / ١٩٥ ]
الْعلَّة والأبيض مِنْهُ مَحْمُود على مَا قُلْنَا وَمِنْه مَذْمُوم مخاطي ومدي أَو رغوي مضاد للنضج والأخضر أَيْضا طَرِيق إِلَى الْأسود. وَأما من رَائِحَته فعلى مَا سلف وَأما من وَضعه فَمن ملاسته وتشتته فَإِن الملاسة والاستواء فِي الرسوب الْمَحْمُود أَحْمد وَفِي المذموم أردأ. والتشتّت يدل على ريَاح وَضعف هضم. وَأما دلَالَته من مَكَانَهُ فَهُوَ إِمَّا أَن يكون عافيًا وَيُسمى غمامًا وَإِمَّا مُتَعَلقا وَهُوَ الْوَاقِف فِي الْوسط وَهُوَ أَكثر نضجًا من الأول وَخير الْمُتَعَلّق مَا مَال خمله وهدبه إِلَى أَسْفَل وَإِمَّا راسبًا فِي الْأَسْفَل وَهُوَ أحس نضجًا هَذَا فِي الرسوب الْمَحْمُود. وَأما المذموم فاخفه أصلحه مثل الْأسود وَذَلِكَ فِي الحميات الحادة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْخَلْط بلغميًا أَو سوداويًا فالسحابي خير من الراسب فَإِنَّهُ يدل على تلطيفه إِلَّا أَن يكون سَبَب الطفو الرّيح الْكَثِيرَة جدا وَإِذا لم يكن ذَلِك فَإِن الطافي مِنْهُ أسلم ثمَّ الْمُتَعَلّق وشره الراسب وَسبب الطفو حرارة مصعدة أَو ريح. والرسوب المتميز يطفو فِي الغليظ وخصوصًا إِذا خص ويرسب فِي الرَّقِيق خُصُوصا إِذا ثقل وَإِذا ظهر الْمُتَعَلّق والطافي فِي أول الْمَرَض ثمَّ دَامَ دلّ على أَن البحران يكون بالخراج لَكِن النحفاء قد يَنْقَضِي مرضهم برسوب مَحْمُود طَاف أَو متعلّق كَمَا ذكرنَا فِيمَا سلف. والطافي والمتعلق الدسومي إِذا كَانَ شَبِيها بنسج العنكبوت أَو تراكم الزلَال فَهُوَ عَلامَة رَدِيئَة. وكثيراَ مَا يظْهر ثفل طَاف غير جيد فيخاف مِنْهُ لكنه يكون ذَلِك ابْتِدَاء النضج ويحول إِلَى الْجَوْدَة ثمَّ يتَعَلَّق ثمَّ يرسب فَيكون دَلِيلا غير رَدِيء. وَأما إِذا تعقبته رسوبات رَدِيئَة فالخوف الَّذِي وَقع مِنْهُ فِي أول الْأَمر وَاجِب وَأما دلَالَة الرسوب من زَمَانه فَإِنَّهُ إِذا بيل فأسرع الرسوب فَهُوَ عَلامَة جَيِّدَة فِي النضج فَإِذا أَبْطَأَ أَو لم يرسب فَهُوَ دَلِيل عدم النضج بِقدر حَاله وَأما الدّلَالَة من هَيْئَة مخالطته فَكَمَا قُلْنَا فِي ذكر بَوْل الدَّم وَالدَّسم وَأَنت تعلم جَمِيع ذَلِك. الْفَصْل السَّابِع دَلَائِل كَثْرَة الْبَوْل وقلته الْبَوْل الْقَلِيل الْمِقْدَار يدل على ضعف القوى وَالَّذِي يقل عَن المشروب يدل على تحلل كثير أَو استطلاق بطن واستعداد للأستسقاء. وَكثير الْمِقْدَار قد يدل على ذوبان وعَلى استفراغ فضول ذائبة فِي الْبدن وَيدل على إِصَابَة الْفرق بَينهمَا بِحَال الْقُوَّة. وَالْبَوْل الرَّدِيء اللَّوْن الدَّال على الشَّرّ كلما كَانَ أغزر كَانَ أسلم وَإِذا كَانَ متقطعًا دلّ على الشَّرّ أَكثر كالأسود والغليظ. وَالْبَوْل الْمُخْتَلف الْأَحْوَال الَّذِي تَارَة يبال كثيرا وَتارَة يبال قَلِيلا وَتارَة يحتبس هُوَ دَلِيل جِهَاد مُتْعب من الغريزة وَهُوَ دَلِيل رَدِيء. وَالْبَوْل الغزير فِي الْأَمْرَاض الحادة إِذا لم يعقب رَاحَة فَهُوَ من دَلِيل دق أَو تشنج من التهاب وَكَذَلِكَ الْعرق وَالْبَوْل الَّذِي يقطر فِي الْأَمْرَاض الحادة قَطْرَة قَطْرَة من غير إدرار يدل على آفَة فِي الدِّمَاغ تأدت إِلَى العصب والعضل فَإِن
[ ١ / ١٩٦ ]
كَانَ الْحمى سَاكِنة وَهُنَاكَ دَلَائِل السَّلامَة أنذر برعاف. وَالْأول على اخْتِلَاط الْعقل وَفَسَاد الذِّهْن. واذا قل بَوْل الصَّحِيح ورق ودام ذَلِك وأحس بثقل ووجع فِي الْقطن دلّ على ورم صلب بنواحي الْكُلية وَإِذا غزر الْبَوْل فِي عِلّة القولنج فَرُبمَا يبشر بإقبال خَاصَّة إِذا كَانَ أَبيض سهل الْخُرُوج. الْفَصْل الثَّامِن الْبَوْل النضيج الصحي الْفَاضِل هُوَ معتدل القوام لطيف الصَّبْغ إِلَى الأترجية مَحْمُود الرسوب إِن كَانَ فِيهِ على الصّفة الْمَذْكُورَة من الْبيَاض والخفة والملاسة والاستواء وإستدارة الشكل وَتَكون الرَّائِحَة معتدلة لَا مُنْتِنَة وَلَا خامدة وَمثل هَذَا الْبَوْل إِذا رُؤِيَ قي مرض فِي غَايَة الحدة دفْعَة دلّ على إفراق يكون فِي الْيَوْم الثَّانِي وَأَنت تعرف ذَلِك. أَبْوَال الْإِنْسَان الْأَطْفَال أبوالهم تضرب إِلَى اللبنية من جِهَة غذائهم ورطوبة مزاجهم وَيكون أميل إِلَى الْبيَاض. وَالصبيان بَوْلهمْ أغْلظ وأثخن من بَوْل الشبَّان وَأكْثر بثورًا وَقد ذكرنَا هَذَا من قبل. وَبَوْل الشبَّان إِلَى النارية واعتدال القوام. وَبَوْل الكهول إِلَى الْبيَاض والرقة وَرُبمَا كَانَ غليظًا بِحَسب فضول فيهم يأكثر استفراغها. وَبَوْل الْمَشَايِخ أَشد رقة وبياضًا ويعرض لَهُم الغلظ الْمَذْكُور ندرة. لماذا كَانَ بَوْلهمْ شَدِيد الغلظ كَانُوا بِعرْض حُدُوث الْحَصَاة فيهم.