كان الأطباء في أول عهد الدول الإسلامية تكتفي لمعاناة التطبيب بقراءة الطب على أي طبيب من النابهين في عصره، حتى إذا آنس من نفسه القدرة على مزاولة الصنعة، باشرها بدون قيد أو شرط.
[ ٤١ ]
وإن أول من نظم صناعة التطبيب وقيدها بنظام خاص حرصا على مصلحة الجمهور، هو الخليفة العباسي المقتدر بالله جعفر بن المعتضد الذي تولى الخلافة سنة ٢٩٥هـ، ففرض على من يريد معاناة التطبيب تأدية امتحان للحصول على إجازة تحوله هذا الحق بين الناس.
والسبب الذي دعا الخليفة المقتدر إلى هذا التقييد، هو ما نرويه عن لسان سنان بن ثابت رئيس الأطباء في عصره وطبيب الخليفة ومن النابهين بين الأطباء:
قال سنان بن ثابت: لما كان في عام ٣١٩هـ ٩٣١م، اتصل بالمقتدر أن غلطا جرى على رجل من العامة من بعض المتطببين فمات الرجل، فأمر الخليفة أبا إبراهيم بن محمد بن أبي بطيحة المحتسب بمنع سائر المتطببين من التصرف، إلا من امتحنه سنان بن ثابت بن قرّضة، وكتب له رقعة بخطه بما يطلق له التصرف فيه من الصناعة. فصاروا إلى سنان وامتحنهم وأطلق لكل واحد منهم ما يصلح أن يتصرف فيه. وبلغ عددهم في جانبي بغداد ثمانمائة رجل ونيف وستين رجلا، سوى من استغنى عن محنته باشتهاره بالتقدم في صناعته وسوى من كان في خدمة
[ ٤٢ ]
السلطان. وصار النظام بعد ذلك: متى أتم الطالب دروسه يتقدم إلى رئيس الأطباء في القطر المصري، ووظيفته هي أكبر وظائف الأطباء، ويطلب إليه إجازته لمعاناة صنعه التطبيب. وكان الطالب يتقدم إليه برسالة في الفن الذي يريد الحصول على الإجازة في معاناة وهذه الرسالة أشبه بما يسمى اليوم أطروحة تيز وتكون هذه الرسالة له أو لأحد مشاهير الأطباء المتقدمين أو المعاصرين يكون قد أجاد دراستها فيمتحنه فيها ويسأله في كل ما يتعلق بما فيها من الفن فإذا أحسن
الإجابة أجازه الممتحن بما يطلق له التصرف فيه من الصناعة.
ومن محاسن الصدف أني عثرت في دشت قديم في خزانة كتب أستاذنا وصديقنا العلامة أحمد زكي باشا، على صورتين لإجازتين في الطب من القرن السادس عشر الميلادي، منحت إحداهما لفصَّاد ومنحت الأخرى لجراح، أنقلهما هنا لكي يعلم الباحث ما كان عليه الحال في تلك العصور:
[ ٤٣ ]