في صفر من سنة ٣٧٢هـ فتح البيمارستان العضدي الذي أنشأه عضد الدولة بن بويه في الجانب الغربي من بغداد، ورتب فيه الأطباء والخدم والوكلاء والخزان، ونقل إليه من الأدوية والأشربة والعقاقير شيء كثير ومن كل ما يحتاجه إليه. قال عبيد الله بن جبريل إنه لما عمر عضد الدولة البيمارستان
[ ١٨٧ ]
الجديد الذي على طرف الجسر من الجانب الغربي من بغداد كان من الذين جمعهم فيه من كل موضع وأمر الراتب منه أربعة وعشرون طبيبا وكان من جملتهم أبو الحسن علي بن إبراهيم بن بكس وكان دأبة أن يدرس فيد الطب لأنه كان محجوبا، وكان منهم أبو الحسن بن كشكرايا المعروف بتلميذ سنان، وأبو يعقوب الأهوازي وأبو عيسى بقية ونظيف النفس الرومي وبنو حسون وجماعة طبائعيون. قال عبيد الله وكان والدي جبريل قد أصعد على عضد الدولة من شيراز، ورتب في جملة الطبائغيين في البيمارستان وفي جملة الأطباء الخواص، قال: فكان في البيمارستان مع هؤلاء من الكحالين الفضلاء أبو النصر الدّحني ومن الجرائحيين أبو الخير وأبو الحسن بن تفاح وجماعة ومن المجبرين المشار إليهم أبو الصلت. قال ابن خلكان:
[ ١٨٨ ]
والبيمارستان العضدي ببغداد هو في الجانب الغربي وغرم عليه مالا عظيما وليس
في الدنيا مثل ترتيبه وفرغ من بنائه سنة ٣٦٨هـ ٩٧٨م، وأعدّ له من الالات ما يقصر الشرح عن وصفه.
وقال جمال الدين بن القفطي: لما عمر عضد الدولة قنا خسرو البيمارستان ببغداد جمع إليه الأطباء من كل موضع فاجتمع فيه أربعة وعشرون طبيبا وابن مندويه الأصفهاني واحد منهم وفي سنة ٤٠٨ توفي الحاجب الكبير الشباسي أبو نصر مولى شرف الدولة بن بهاء الدولة ولقبه بهاء الدولة بن بويه بالسعيد وكان كثير الصدقة والأوقاف على وجوه القربان فمن ذلك أنه وقف ضياعا على المارستان وكانت تغل شيئا كثيرا من الزرع والثمار والخراج. وقال العيني:
استهلت سنة ٤٤٩هـ والخليفة القائم بأمر الله والسلطان طغر لبك، في هذا الوقت نظر عميد الملك في المارستان العضدي وكان قد خلا من دواء وشراب وكان المرضى على وجه الأرض فوجد عند رأس المريض بصلة يشمها، وعطش بعضهم فقام بنفسه إلى حيث الماء فوجد فيه حمأة ودودا. وكان أبو الحسين بن المهتدي ويعرف بابن العريق قد عرف أن يهوديا يعرف بالهاروني استولى
[ ١٨٩ ]
عليه وأكل أوقافه، فاستخلصها من المتغلبين عليها وشرع في العمارة وخلص المارستان من أيدي الطامعين فهاب المتغلبين بخمسة آلف طابق وقيل بعشرة آلاف، وكان على بابه سوق فيه مائة دكان قد دثرت فأعادها وجمع فيه من الأشربة والأدوية والعقاقير التي يعز وجودها شيئا كثيرا، وأقام الفرش واللحف للمرضى، والأراييح الطيبة والأسرة والثلج والمستخدمين والأطباء والفراشين. وكان فيه ثمانية وعشرون طبيبا ونساء طباخات وبوابون وحراس، والحمام، والبستان إلى جانبه فيه أنواع الثمار والبقول والسفن على مائة تنقل الضعفاء والفقراء، والأطباء يتناوبونهم بكرة وعشية ويبيتون عندهم بالنوبة. وكان فيه عدة جباب جمع جب وهو الخابية فيها السكر الطبرزد والأبلوج واللوز والمشمش والخشخاش وسائر
الحبوب والبراني الصينية فيها العقاير وأربع قواصر فيها الإهليلج الأصفر والكايلي والهندي وأربع قواصر تمر هندي وزنجبيل وعود وند ومسك وعنبر والراوند الصيني في البراني والترياق الفاروقي وجميع الأفاويه وصناديق فيها أكفان وقدور كبار وصغار وآلات وأربعة وعشرون فراشا. وذكر ابن صابي أشياء ما يوجد في دور الخلفاء مثلها.
[ ١٩٠ ]
وفي سنة ٥٦٩هـ ١١٧٣م في رمضان كان الزمان ربيعا فتوالت الأمطار في ديار بكر والجزيرة والموصل فدامت أربعين يوما، فما رأينا الشمس فيها غير مرتين هذا قول ابن الأثير كل مرة مقدار لحظة، وخربت المساكن وغيرها وكثر الهدم ومات تحته كثير من الناس، وزادت دجلة زيادة عظيمة وكان أكثرها ببغداد فإنها زادت على كل زيادة تقدمت منذ بنيت بغداد بذراع وكسر، وخاف الناس الغرق وفارقوا البلد وأقاموا على شاطئ دجلة خوفا من انفتاح الفورج بمعنى السور أو السد وغيره، وكانوا كلما انفتح موضع بادروا بسده ونبع الماء في البلاليع وخرب كثير من الدور، ودخل الماء إلى المارستان العضدي ودخلت السفن من الشبابيك التي له فإنها كانت قد تقلعت، فمن الله على الناس بنقص الماء بعد أن أشرفوا على الغرق وفي يوم ٣ صفر سنة ٥٨٠هـ ١٧ مايو سنة ١١٨٤م دخل أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير بغداد سائحا ونزل في محلة منها، وكل محلة منها مدينة مستقلة. ومعلوم أن محلاتها كلها في الجانب الغربي من نهر دجلة أما الجانب الشرقي فكانت عمارته محدثة قال: وبين الشارع ومحلة
[ ١٩١ ]
باب البصرة سوق المارستان وهي مدينة صغيرة فيها المارستان الشهر ببغداد وهو على دجلة، وتتفقده الأطباء كل يوم أثنين وخميس ويطالعون أحوال المرضى به، ويرتبون لهم أخذ ما يحتاجون إليه وبين أيديهم قومه يتناولون طبخ الأدوية وجميع مرافق المساكن الملوكية والماء يدخل إليه من دجلة. ومن الحوادث التاريخية العظيمة
التي لها اتصال بها المارستان صلب محمد بن محمد أبن بقية وزير عز الدولة بن بويه لما ملك بغداد بعد أخيه، لما كان يبلغه عنه من الأمور القبيحة ثم صلبه بحضرة المارستان العضدي وذلك يوم الجمعة لست خلت من شوال سنة ٣٦٧ ورثاه أبو الحسن محمد بن عمر بن يعقوب الأنباري بقصيدة مشهورة لم يرث مصلوب بأحسن منها وأولها:
علوّ في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات
كان الناس حولك حين قاموا وفود نداك أيام الصلات
كأنك قائم فيهم خطيبا وكلهم قيام للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاء كمدها إليهم بالهبات
ولما ضاق بطن الأرض عن أن يضم علاك من بعد الممات
أصاروا الجو قبرك واستنابوا عن الأكفان ثوب السافيات
[ ١٩٢ ]
لعظمك في النفوس تبيت ترعى بحفاظ وحراس ثقات
وتشعل عندك النيران ليلا كذلك كنت أيام الحياة الخ
كتبها الشاعر المذكور ورمى بها نسخا في شوارع بغداد فتداولها الأدباء إلى أن وصل خبرها إلى عضد الدولة وأنشدت بين يديه فتمنى أن يكون هو المصلوب.