قال تقي الدين المقريزي: هذا المارستان فوق الصوّة تجاه طبلخاناه قلعة الجبل حيث كانت مدرسة الأشرف شعبان أبن حسين التي هدمها الناصر فرج بن برقوق هو حيث كان باب المدرسة إلا أنه ضيق عما كان أنشأه الملك المؤيد شيخ في مدة أولاها جمادى الآخرة سنة ٨٢١ وآخرها رجب سنة ٨٢٣ ونزل فيه المرضى في نصف شعبان وعملت مصارفه من جملة أوقاف
[ ١٧٢ ]
الجامع المؤيدي المجاور لباب زويلة، فلما مات المؤيد في ثامن المحرم سنة ٨٢٤ تعطل ثم سكنه طائفة من
العجم المستجدين في ربيع الأول منها. وصار منزلا للرسل الواردين من البلاد إلى السلطان ثم عمل فيه منبر ورتب له خطيب وإمام ومؤذن وبواب وقومة وأقيمت به الجمعة في شهر ربيع الآخر سنة ٩٢٥ فأستمر جامعا تصرف معليم أرباب وظائفه المذكورين من وقف الجامع المؤيدي.
وقد ذكر تقي الدين المقريزي هذا المارستان في كتاب آخر من كتبه بالنص الآتي: في شهر ربيع الآخر سنة ٨٢٥هـ في سلطنة الملك الأشرف سيف الدين أبو النصر برسباي الدقمقاقي الظاهري الجركسي عمل المارستان المؤيدي الذي بالصوَّة تحت القلعة جامعا تقام فيه الجمعة والجماعة، وكان المؤيد قد جعل هذا الموضع مارستانا ونزل به المرضى. فلما مات لم يوجد في كتاب الوقف المؤيدي له جهة مصرف فأخرجت المرضى منه وأغلق وصار منزلا للرسل والواردين من ملوك الشرق فبقى حانة خمار برسم شرب المسكرات وضرب التنابير وعمل الفواحش ومع ذلك تربط به الخيول فكان هذا منذ مات
[ ١٧٣ ]
المؤيد إلى هذا الوقت توفى المقريزي سنة ٨٤٥هـ فطهره الله من تلك الأرجاس وجعله محل عبادة ولقد تخرب هذا المارستان وامتدت إليه الأيدي بالهدم والبناء حتى ضاعت معالمه وظل مجهولا ومطموسا بين العمارات والمساكن قرونا عديدة لا يعرف مكانه ولا يعرف عنه شيء حتى قيض الله له لجنة حفظ الآثار العربية فزارت مكانه وكتبت عنه تقريرا في سنة ١٨٩٤ باعتباره أثر يستحق العناية والحفظ كغيره من الآثار، ولم يكن يرى فيه سوى أنه بناء أثري بجانب مسجد الحاج أحمد أبي غالية من الجهة القبلية في حارة السكري بشارع المحجر. وكان الجدار الجنوبي أو القبلي لمسجد أبي غالية هو الوجهة البحرية من هذا البناء الأثري. وكان في هذا الجدار بعض النقوش والمقرنصات وفيه باب صغير تحت بوابة فخمة البناء لا تزال موجودة كاملة ويبعد عن ذلك ببضع خطوات بعض جدران هذا الأثر القديمة وفيها
بعض النوافذ.
وقد تبين للجنة أن مسجد أبي غالية يستند جداره القبلي على تلك البوابة الفخمة للمارستان المؤيدي ويحجبها عن الأنظار حجابا تاما فقررت الجنة لكشف هذا الأثر إزالة المسجد
[ ١٧٤ ]
المتجدد فظهرت واجهة البيمارستان بجمالها وفخامتها ورونقها وما فيها من بديع النقوش والزخرفة وعنيت اللجنة بإرجاع البيمارستان إلى حالته الأصلية بقدر ما تسمح به حال الموجود من آثاره. والمنتظر - نظرا لصعوبات قضائية شرعية بالنسبة لإزالة مسجد الحاج أحمد أبي غالية - تحويل المارستان بعد ترميمه وإصلاحه إلى مسجد أو مصلى وذلك تحقيقا لتمسك المحكمة الشرعية بإعادة بناء مسجد أبي غالية.