قال تقي الدين المقريزي: وكان سبب بنائه أن الملك المنصور لما توجه وهو أمير إلى غزاة الروم في أيام الظاهر بيبرس سنة ٦٧٥هـ - ١٢٧٦م، أصابه بدمشق قولنج عظيم، فعالجه الأطباء بأدوية أخذت له من مارستان نور الدين الشهيد، فبرأ وركب حتى شاهد المارستان فأعجب به ونذر إن آتاه الله الملك أن يبني مارستانا. فلما تسلطن أخذ في عمل ذلك فوقع الاختيار على الدار
[ ٩١ ]
القطبية، وعرض أهلها عنها قصر الزمرد، وولى الأمير علم الدين سنجر الشجاعي أمر عمارته.
وذكر المؤرخون سببا آخر في بناء المارستان فقال ابن إياس: إن سبب بناء المارستان هذا: أن الملك المنصور قلاوون أمر مماليكه أن يضعوا السيف في العوام لأمر أوجب تغيير خاطر السلطان عليهم، فإنهم خالفوا أمره في شيء فعل بجهلهم، فأمر بقتلهم فلعب فيهم السيف ثلاثة أيام فقتل في هذه المدة ما لا يحصى عدده، وراح الصالح بالطالح، وربما عوقب من لم يحن فلما زاد الأمر عن الحد، طلع القضاة ومشايخ العلم إلى السلطان وشفعوا فيهم فعفا عنهم وكف عنهم القتل، فلما جرى ما جرى وراق خاطر السلطان ندم على ما فعله، وبنى هذا المارستان وجعل له جملة أوقاف على رواتب بر وإحسان، وفعل من أنواع الخير ما لم يفعله غيره من الملوك ليكفر الله عنه ما فعله بالناس لعل الحسنات تذهب السيئات كما
قال الله تعالى.
وعابوا المارستان لكثرة عسف الناس في عمله وذلك أنه لما وقع اختيار السلطان على عمل الدار القطبية مارستانا، ندب الطواشي حسام الدين بلالا المغيثي للكلام في شرائها فساس الأمر
[ ٩٢ ]
في ذلك حتى أنعمت مؤنة خاتون ببيعها، على أن تعوض عنها بدار تلمها وعيالها، فعوضت قصر الزمرد برحبة باب العيد مع مبلغ من المال حمل إليها. ووقع البيع على هذا فندب السلطان الأمير سنجر الشجاعي للعمارة فأخرج النساء من القطبية من غير مهلة، وأخذ ثلاثمائة أسير، وجمع صناع القاهرة ومصر وتقدم إليهم بأن يعملوا بأجمعهم في الدار القطبية، ومنعهم أن يعملوا لأحد في المدينتين شغلا وشدد عليهم في ذلك، وكان مهابا فلازموا العمل عنده ونقل من قلعة الروضة ما احتاج إليه من العمد الصوان والعمد الرخام والقواعد والأعتاب والرخام البديع وغير ذلك. وصار يركب إليها كل يوم وينقل الأنقاض المذكورة على العجل إلى المارستان، ويعود إلى المارستان فيقف من الصناع على الأساقيل حتى لا يتوانوا في عملهم وأوقف مماليكه بين القصرين، وكان إذا مر أحد ولو جلَّ ألزموه أن يرفع حجرا ويلقيه في موضع العمارة فينزل الجندي والرئيس عن فرسه حتى يفعل ذلك فترك أكثر الناس المرور هناك.