جاء في كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة خاصا بالأطباء وصناعتهم قال: وينبغي للمحتسب أن يأخذ عليهم عهد أبقراط الذي أخذه على سائر الأطباء، ويحلفهم أن لا يعطوا أحدا دواء مرا، ولا يركبوا له سما، ويصنعوا السمائم عند أحد من العامة، ولا يذكروا للنساء الدواء الذي يسقط الأجنة، ولا للرجال الدواء الذي يقطع النسل، وليغضوا من أبصارهم عن المحارم عند دخولهم على المرضى، ولا يفشوا الأسرار ولا يهتكوا الأستار، وينبغي للطبيب أن يكون عنده جميع آلات الطب على الكمال مما يحتاج إليه في صناعة الطب، غير آلة
[ ٥٢ ]
الكحالين والجرائحيين مما يأتي ذكره في موضعه، وللمحتسب أن يمتحن الأطباء بما ذكره حنين في كتابه المعروف بمنحة الطبيب فأما محنة الأطباء لجالينوس فلا يكاد واحد يقوم بما شرط عليهم.
وأما الكحالون فيمتحنهم المحتسب بكتاب حنين بن إسحاق، أعني العشر المقالات في العين، فمن وجده فيما امتحنه به عارفا بتشريح العين وعدد طبقاتها السبع، وعدد رطوباتها الثلاث، وعدد أمراضها الثلاثة، وما يتفرع من ذلك من الأمراض، وكان خبيرا بتركيب الأكحال وأمزجة العقاقير أذن له المحتسب بالتصدي لمداواة أعين الناس، وألا ينبغي أن يفرط في شيء من آلات صنعته مثل سنانير السبل والظفرة ومحك الجرب ومباضع الفصد ودرج المكاحل وغير ذلك.
وأما كحالو الطرقات فلا يوثق بأكثرهم، إذ لا دين لهم يصدهم عن التهجم على أعين الناس بالقطع والكحل بغير علم وخبرة بالأمراض والعلل الحادثة، فلا ينبغي لأحد أن يركن إليهم في معالجة عينه ولا يثق بأكحالهم وشيافاتهم، فإن منهم من
[ ٥٣ ]
يضع أشيافا أصلها من النشا والصمغ وبصبغها ألوانا مختلفة فيصبغ الأحمر بالاسريقون، والأخضر بالكركم، والنيل والأسود بالقاقيا، والأصفر بالزعفران، ومنهم من يجعل أشياف ماميتا أو يجعل أصله من ألبان المصري ويعجنه بالصمغ المحلول ومنهم من يعمل كحلا من نوى الإهليلج المحرق والفلفل وجميع غشوش أكحالهم لا يمكن حصر معرفتها، فيحلفهم المحتسب على ذلك إذ لا يمكن منعهم من الجلوس لمعالجة الناس.
وأما المجبرون فلا يحل لأحد أن يتصدى للجبر إلا بعد أن يحكم معرفة المقالة السادسة من كناش فولوس في الجبر وهو ترجمة حنين بن إسحاق وأن يعلم عدد عظام الآدمي وهو مئتا عظم وثمانية وأربعون عظما، وصورة كل عظم فيها وشكله وقدره حتى إذا انكسر منها شيء أو انخلع رده إلى موضعه على هيئته التي كان عليها فيمتحنهم المحتسب في جميع ذلك.
وأما الجرائحيون فيجب عليهم معرفة كتاب جالينوس المعروف بقطا جانوس في الجراحات والمراهم، وأن يعرفوا التشريح
[ ٥٤ ]
وأعضاء الإنسان، وما فيه من العضل والعروق والشرايين والأعصاب، ليتجنب ذلك في وقت فتح المواد وقطع البواسير، ويكون معه دست المباضع فيه مباضع مدورات الرأس والموربات وفأس الجبهة ومنشار القطع ومجرفة الأذن وورد السلع ومرهمدان المراهم، ودواء الكندر القاطع للدم الذي قدمنا صنعته. وقد يبهرجون على الناس بعظام تكون معهم فيدسونها في الجرح ثم يخرجونها منه بمحضر من الناس ويزعمون أن أدويتهم القاطعة أخرجتها. ومنهم من يضع مراهم من الكلس المغسول بالزيت ثم يصبغ لونه أحمر
بالمغرة أو أخضر بالكركم والنيل أو أسود بالفحم المسحوق. فيعتبر عليهم العريف جميع ذلك.