من الوثائق التاريخية الثمينة التي قل أن يجود الزمان بمثلها لطول العهد واضطراب الأحوال وتغير الدول، الوقفية التي أوقفها السلطان الملك المنصور قلاوون على تربته ومدرسته وبيمارستانه فإنها
[ ١٣١ ]
من أوثق المصادر التي يستعان بها في تحقيق أحوال ذلك الزمان الذي وضعت فيه، ومعرفة ما بلغته مصر فيه من الرقي والمدنيةولقد كانت هذه الوقفية في حكم الشيء المفقود فإن المؤرخ عبد الرحمن حسن الجبرتي المتوفى سنة ١٢٤٠هـ ١٨٢٥م قد ذكر ضمن حوادث
كتابه: أن وقفية السلطان قلاوون قد احترقت في داخل خزانة كتب البيمارستان، وأن الأمير عبد الرحمن كتخدا عندما أراد تجديد البيمارستان في سنة ١١٩٠هـ وحبس بعض الأموال عليه لم يجد كتاب وقفه.
ومن حسن الاتفاق أنه في المدة التي تولى فيها المرحوم إبراهيم باشا نجيب إدارة ديوان الأوقاف من ديسمبر سنة ١٩١٢ إلى ١٥نوفمبر سنة ١٩١٣ عثر في محفوظات الديوان على وقفية السلطان قلاوون، وطلب الديوان من العلامة المرحوم أحمد زكي باشا قراءة الوقفية، فانتهز الفرصة واستنسخ لنفسه منها نسخة للخزانة الزكية، ولم يسبق لأحد ما قبل ذلك رؤية هذه الوقفية أو معرفة ما فيها. وقد تفضل الأستاذ المرحوم أحمد زكي باشا فأعارنيها ضمن ما أعارني من نفائس خزانته.
وهذه الوقفية هي أربع وقفيات معا الثلاث الأوليات منها تمت في عهد قلاوون نفسه في ثلاث سنين متتالية وهي سنوات ٦٨٤ و٦٨٥
[ ١٣٢ ]
و٦٨٦، والرابعة عملت في عهد الأمير عبد الرحمن كتخدا من أمراء المماليك الذين حكموا مصر في العهد العثماني وذلك في سنة ١١٩٠هـ وذلك طبقا لما ذكر في وقفية الأمير كتخدا فقد جاء فيها في السطر ٩٩ ما يلي:. . . . . . . . . . . . . . التي من جملة كتب الأوقاف المذكورة الثلاثة كتب الرق الغزال الملصقة المؤرخ أحدهم كذا في ١٣من شهر ذي الحجة الحرام ختام سنة ٦٨٤ والثاني مؤرخ في ١٢شهر صفر الخير، والضم والإلحاق الشرعي الملحق بذيله المؤرخ في حادي عشر شهر صفر المذكور كلاهما سنة ٦٨٥، والثالث مؤرخ في ٢٤شهر رجب الفرد الحرام سنة ٦٨٦ هذا ما دلت عليه كتب الأوقاف المذكورة على الحكم المعين والمشروح بأعاليه.
وسنأتي على ديباجة الوقفية ثم على الشروط الخاصة بالبيمارستان وحده دون
الخاص منها بالتربة أو المدرسة أو القبة أو المسجد ثم نتبع ذلك بذكر وقفية الأمير كتخدا لما احتوت عليه من الأمور العظيمة الهامة للإنسانية.
-
[ ١٣٣ ]