تشريح الشريانين السباتيين
وكلامنا في ذلك يشتمل على بحثين البحث الأول هيئة تصعد الشريانين إلى الرأس قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وكل واحد من الشريانين إلى قوله: بل تنتسج عنه الشبكة عروقًا.
الشرح إن الغرض بخلقة هذين الشريانين إيصال لروح الحيواني إلى الدماغ، وإلى الأعضاء الظاهرة من الرأس والباطنة منه، وإلى التي هي منه قدامًا وخلفًا. وذلك لأن هذه الأعضاء جميعها تحتاج إلى الروح الحيواني كما يحتاج إليه غيرها من الأعضاء ويحتاج الدماغ خاصة إلى أن تكون هذه الروح فيه أكثر ليحيلها إلى مزاج تصلح به لأن تصدر عنها الأفعال النفسية مضافًا إلى ما يحتاج إليه منها لاستفادته منها الحياة فلذلك هذان الشريانان يحتاجان أن يكون ما يتفرق منهما من الأجزاء كافيًا لجميع أعضاء الرأس، ما ظهر منها، وما بطن وما هو من قدام، وما هو من خلف، ومع ذلك يكون ما يدخل منهما إلى داخل الدماغ كثيرًا ليكون ما ينفذ إلى داخل الدماغ من الروح الحيواني كثيرًا جدًا، فلذلك ينقسم هذان الشريانان في تصعدهما التقسيم المذكور في الكتاب.
[ ٩٩ ]
والفائدة من تلاقي الأجزاء المتصعدة إلى قمة الرأس أعني تلاقي فوهات الصاعدة من اليمين لفوهات الصاعدة من اليسار أن يكون ما ينقص من الروح الحيواني لو زيد في فروع الصاعد من اليمين أو من اليسار يمكن أن يعدل بما في فروع الصاعدة من الجانب الآخر فلا تكون هذه الروح ناقصة في أحد الجانبين عن الآخر، وإنما كان نفوذ ما ينفذ إلى داخل الدماغ من هذه الشرايين ليس ينفذ من مقدم الدماغ بل إما من مؤخره أو من قرب مؤخره لأن الحق أن هذه الروح تكون عند مؤخر الدماغ على طبيعتها غير متغيرة تغيرًا كثيرًا، وتغيرها الكثير إنما يكون في مقدم الدماغ، والمشهور غير هذا وهيئة التشريح تصدق ما قلناه، وسنبرهن على ذلك كما ينبغي إذا نحن تكلمنا في تشريح الدماغ. إن شاء الله ﷿. والله ولي التوفيق.
البحث الثالث هيئة الشبكة التي تحت الدماغ قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه بل تنتسج عند الشبكة عروقًا في عروق طبقات من غضون على غضون إلى آخر الفصل.
الشرح الغرض من هذه الشبكة تعديل الروح الصاعد إلى الدماغ، وهو الروح الحيواني معدلًا عن حرارة الزائدة حتى يقارب الاعتدال فيقرب بذلك من الاستعداد لأن تصدر عنه الأفعال النفسية، وإنما جعلت تحت الدماغ لا فوقه ولا إلى جانب لأن تبرد ما يوضع تحت الجسم المبرد أكثر كثيرًا من برد ما يوضع فوقه أو إلى جانبه، لأن البارد وأجزاءه من شأنها التسفل لا غير، وإنما فرقت هذه العروق كالشبكة ليتفرق ما فيها من الروح إلى أجزاء صغيرة، فتكون أقبل للانفعال.
وإنما احتيج إلى ذلك مع أن الروح وإن كانت شديدة اللطافة فإنها شديدة الحرارة، وتبرد الحار عن البارد الضعيف البرد من غير مداخلة ومخالطة بطيء جدًا وعسر، فلذلك احتيج إلى هذا التفرق، ولذلك خلقت هذه الشبكة من شرايين لا تخالطها أو ردة وذلك لئلا تخالط هذه الروح الدم فيغلظ قوامها، ويلزم ذلك قلة استعدادها بسرعة الانفعال، وجعلت هذه الشبكة بين العظام الموضوعة تحت الدماغ وبين الأم الجافية المحيطة بالدماغ من أسفل، وإنما فعل كذلك لأنها لو وضعت فوق الأم الجافية لكانت مع أنها أقرب إلى جوهر الدماغ، فإنها تجاوز الدم الذي يكون في البركة التي هي المعصرة، فإن هذه المعصرة، على ما نبينه بعد هي وهذه تحدث من أسفل موضع من الأم الجافية، وذلك الموضع المتسفل مملوء من الدم، فلو جعلت الشبكة فوقه تسخنت به فإن الحرارة من شأن حاملها التصعد كما أن البرودة من شأن حاملها التسفل. وكان أيضًا تكثير ما يخالطها من الأبخرة المتصعدة من ذلك الدم لأجل حرارته، فكانت الأرواح منها تغلظ، ويقل قبولها بسرعة الانفعال، فلذلك احتيج أن يكون وضع هذه الشبكة تحت الأم الجافية، ووضع المعصرة فوق تلك الأم، ثم إذا تعدلت هذه الروح واحتيج إلى تصعدها إلى الدماغ، وجب أن تجتمع عروقها وتصير كما كانت أو لًا زوجًا، وذلك لأن هذه العروق لما كانت موضوعة تحت الأم الجافية، فإنما يمكن نفوذها إلى الدماغ بأن يخرق أو لًا تلك الأم، ولو خرقتها وهي على حالها متفرقة لزم ذلك حدوث ثقوب كثيرة جدًا في الأم الجافية ولزم ذلك وهن جرمها جدًا، وإنما وجب أن تكون هذه العروق بعد تجمعها زوجًا ليكون كل فرد منه يصعد من جانب فتكون قسمة الروح على الجانبين عادلة، وإنما لم يجعل منها زوج آخر أحد فرديه قدام الدماغ، والآخر خلفه، لأن هذا الزوج يجب أن يكون تصعدها أو لًا إلى البطن المؤخر من الدماغ فلذلك يكون تصعدها من قرب جانبيه فقط.