لا تخلو الكتابات الفلسفية من الإشارة إلى سلوك الأطفال، وكيفية نموهم، فأفلاطون على سبيل المثال يشير إلى أهمية التعلم في مرحلة الطفولة المبكرة، ومدى تأثير ذلك في إعداد الفرد وتكيفه، ففي كتابه "الجمهورية" يشير إلى وجود فروق بين الأفراد من الناحية الوراثية، وطالب باتخاذ الخطوات والإجراءات لكشف إمكانيات كل طفل، وعلى ذلك فإن أساليب تربوية معينة يجب أن تبدأ مبكرًا وفقًا للإمكانات المكتشفة لدى كل طفل.
وكانت كذلك لأرسطو بعض الإشارات في النمو الإنساني، إذ كان يرى الحياة تنشأ في الغالب عن طريق المادة والصورة، فالمادة هي عضو التأنيث، والصورة عضو التذكير، وهو يدل على الكمال والعقل، في حين أن عضو التأنيث يدل على النقص والانفعال، ويتم التكاثر باجتماع عضو التذكير مع عضو التأنيث بحسب أحوال الكائنات الحية، فإذا كان فعل عضو التذكير كاملا تامًا فالمولود ذكر، وإن كان ناقصًا فالمولود أنثى، وعمومًا فإن فكرة الحمل والولادة وتحديد جنس المولود ووراثته كانت أمورا محاطة بكثير من الأوهام والسحر، ويرعاها كهنة وسدنة وسحرة أقاموا أنفسهم لذلك.
واستمر هذا في أوربا خلال القرون الوسطى المظلمة، أما في الشرق العربي الإسلامي فقد تفتحت أمامه آفاق جديدة بفضل الحضارة الإسلامية العربية التي ازدهرت خلال تلك الفترة من الزمان في أواخر القرن السادس إلى أواخر القرن الثالث عشر من الميلاد، واهتمت الفلسفة الإسلامية منذ القديم بملاحظة التطور النمائي للكائن الآدمي، وما يتصل
[ ٣٣ ]
به من سمات نفسية وسلوكية، ووضعوا لكل مرحلة نمائية اسمًا خاصًا بها، فأصدق الكتب هو كتاب الله، فيشير إلى نمو الكائن الآدمي من نطفة داخل رحم الأم. وتتطور هذه النطفة وتصبح علقة، وتتطور في صورة مضغة، ثم تصبح عظامًا، ويكسو اللحم هذه العظام، ثم ينشأ خلقًا آخر أي الجنين المكتمل فتبارك الله أحسن الخالقين.
والمتأمل في كتابات مفكري الإسلام يجدها مليئة ببعض الأفكار الحديثة والتي تتفق مع نظريات النمو المعاصرة، فآراء الكندي والفارابي وابن سينا وابن خلدون وابن رشد وابن مسكويه في النمو الإنساني لا تخرج في جوهرها عما أتت به نظريات النمو الحديثة.
[ ٣٤ ]