يشير بياجيه إلى منحى مختلف للتعلم الإنساني، حاول فيه تتبع نمو تفكير الأطفال من الطفولة المبكرة حتى المراهقة، ويعتقد بياجيه أن الطفل يتعلم عن العالم المحيط به عن طريق ما يسمى بالإدراك التدريجي التابع للفكر Porgressively Subordinating Perception وهذا ما يميز التقدم العلمي بصورة عامة، فمثلًا لا تكون دائرية الأرض واضحة بذاتها، إلا أنه استدل عليها من ثمة مؤشرات ظل الأرض على القمر، واختفاء السفن في الأفق، وبالتالي ساعدت هذه المدركات على التغلب على الانطباعات الإدراكية في أن الأرض مسطحة وأن الشمس تدور حول الأرض.
ولكي نحدد كيف يكون عالم الطفل محكومًا بالإدراك، وكيف يكون محكومًا بالعقل والفكر. صمم بياجيه بعض المهام العقلية حيث يواجه فيها الطفل بموقف تتضارب فيه الأحكام الإدراكية والمنطقية، فمثلًا قد يعرض عليه كأسين كبيرين واسعين من البرتقال مملوءين بارتفاع متساوٍ، وكأس ثالث طويل فارغ، ويسأل الطفل هل نفس كمية البرتقال في الكأسين الواسعين وبمجرد أن يقتنع الطفل أن كميات العصير هي نفسها يصب المختبر العصير من الكأس الواسعة إلى الكأس الثالث الطويل الضيق وتسأل الطفل عما إذا كانت نفس كمية العصير الموجودة في الكأس الواسع القصير متساوية مع الكمية الأخرى الموجودة في الكأس الطويل الضيق فإذا أشار الطفل أن الكأس الطويل به كمية أكبر من العصير يكون تفكيره مشوبًا بالخداع. ولكي يتغلب على هذا الخداع يجب عليه أن يتسخدم المنطق وأن يتحقق أن الكميتين هي نفسها حيث لم يضف أو يؤخذ أي كمية من الكأس. ففي حالة الطفل الذي يشير أن الكميتين مختلفتين يشير بياجيه إلى أنه يفتقد الحكم بثبات الأشياء وبقائها conservation من الناحية الكمية، والطفل الذي يحكم أن الكميتين متساويتان يشير إلى أن لديه مبدأ الثبات وبقاء الأشياء ذو فعالية أي أنه يشير إلى أن تفكيره قد تغلب على إداركه.
[ ٢٨٧ ]
ولقد صمم بياجيه ومعاونوه عديدًا من الاختبارات لقياس مبدأ ثبات وبقاء الأشياء "السلوك الاحتفاظي" وتضمن كثيرًا من المفاهيم كالأعداد والزمان والمكان والكمية والحركة والسرعة.. وما إلى ذلك وسوف نورد بعضًا منها فيما بعد. وعمومًا فإن معظم الأطفال تحت سن السادسة أو السابعة لا يشيرون إلى مبدأ الثبات وبقاء الأشياء أو السلوك الاحتفاظي، وتبعًا لبياجيه فإن أطفال ما قبل المدرسة تنقصهم القدرة على التفكير المنطقي، وبالتالي يقعون فريسة الصورة الخادعة التي يقدمها الإدراك. ومما هو جدير بالذكر أن دراسات بياجيه واختباراته أعيد تطبيقها في كثير من دول العالم وأشارت إلى نتائج يمكن مقارنتها بنتائج بياجيه بصورة مدهشة لافتة للنظر.
ومن جانب آخر فقد أشار بعض الباحثين أن الأطفال الصغار لديهم قدرات أكبر مما أشار إليه بياجيه مثل Eluff "١٩٦٢"، & Weiz Achenbach "١٩٧٥"، Zeiler "١٩٦٦" وثمة مشكلتان قد جذبتا انتباها خاصًا، وهما الاستدلالات الانتقالية ومفهوم عن العدد، وسوف نرى كذلك أن نجاح أو فشل الأطفال الصغار في تلك المهام يعتمد على متغيرات كثيرة مختلفة.
[ ٢٨٨ ]