يتضمن الإدراك العمليات التي بواسطتها نقرأ البيانات والمعلومات التي تأتي إلينا عن طريق حواسنا.. ولقد أشارت الدراسات النفسية إلى الصورة العامة للنمو الإدراكي خلال سنوات ما قبل المدرسة، وأهم هذه الدراسات، دراسات جان بياجيه حيث يشير أن الإدراك ينمو في الصورة التالية:
إدراك الطفل الصغير يميل إلى أن يكون مقيدًا بالسمات السائدة أو الخصائص الغالبة لشكل المثير. ومع ازدياد العمر للوليد البشري ونضج القدرات الإدراكية نرى إدراك الطفل يتحرر مع اعتماده المبكر على الخصائص المهيمنة والسائدة. وبالتالي نجده يمكنه التعامل مع الشكل وينظمه بصورة كلية عامة، وهذا التغير يمكن أن يلاحظ في الطريقة التي يؤدي بها الأطفال عدد من المهام الإدراكية المختلفة.
وتؤكد دراسات "١٩٦١" Klkind ما ذهب إليه بياجيه حيث عرض على ١٩٥ طفلًا تتراوح أعمارهم ما بين ٤، ٩ سنوات، لوحة من الأشكال المرسومة، وسألهم أن يصفوا ما يشاهدونه، ووجد أن الأطفال
[ ٢٨٠ ]
الصغار ركزوا في وصفهم على أجزاء الصورة المعروضة عليهم وتجاهلوا الشكل العام، والبعض الآخر ركز على الشكل العام ولكنهم تجاهلوا الأجزاء وأشار الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين ٨، ٩ سنوات إلى كل من الشكل العام والأجزاء معًا. وهذه الدراسات تدعم وجهة النظر التي تشير إلى أن الأطفال مع ازدياد عمرهم الزمني كلما كانوا أسرع في عملية التنظيم الإدراكي، وكلما كانت مدركاتهم أكثر تكاملًا.
وتؤيد دراسة هويت سيد "١٩٧٦" Whiteside ما ذهب إليه الكيند Elkind أن النمو الإدراكي يظهر في الحقيقة التي مؤداها أن الطفل يفضل تنظيم وترتيب المثير الأكثر تركيبًا وتعقيدًا، قبل أن يصبح قادرًا بصورة جيدة على التعامل معه، وعمومًا فإن كل من التركيب وغير المألوفية اتفق على أنهما بمثابة مثيرين يوضحان السلوك الاستكشافي من جانب الأطفال. وتبعًا لذلك فإننا من الممكن أن نتوقع كلما نضج الطفل في عمره الزمني كلما أصبح قادرًا وبصورة متزايدة على التعامل مع المثيرات الأكثر تركيبًا وتعقيدًا، حيث يكون أكثر حبًّا للاستطلاع لها ويفضلها عن المثيرات الأقل تركيبًا وتعقيدًا.
وجانب آخر من النمو الإدراكي الذي يشير أن الأطفال الأكبر تزداد كفايتهم وأهليتهم سمي بالتحول الانتقالي المشروط Fer Cross Modal Trans وهذا التحول يتمركز في المقارنة بين ما خبر بمشروطية أو صورة معينة وبين ما خبر في أخرى. فمثلًا قد يعرض على طل صورة أو شكل معين ويطلب منه العثور بواسطة اللمس، وعادة ما نجد الطفل يضع يده داخل صندوق معين وبالتالي لا يستطيع أن يرى شيئًا ويطلب منه احضار الشيء الذي عرض عليه، أو قد يطلب من الطفل الإمساك بشكل معين، وعليه أن يكتشفه عندما يراه. وعلى الرغم من أن هناك جدل يدور حول ما إذا كانت التمييزات اللمسية بسيطة كما هو الحال في التمييزات المرئية، إلا أن الإجابة عن هذا التساؤل تعتمد أساسًا على الأشكال التي تُستخدم. ففي إحدى الدراسات مثلًا وجد أن التغير في الخيط المنحنى قد أمكن تمييزه في عمر مبكرة بواسطة العين أكثر من تمييزه باليدين، وفي جميع التجارب لوحظ أن التحول الانتقالي المشروط قد تحسن بصورة ملحوظة مع تقدم الطفل في عمره الزمني، كما أن هذه التجارب قد أشارت إلى أن الإدراك لا ينمو في فراغ، ولكن بالأحرى مع عمليات عقلية ودافعية أخرى وهكذا.
[ ٢٨١ ]
ويرتبط النمو الإدراكي كذلك بنمو القدرة اللغوية فبالنسبة لأطفال سن الرابعة، والذين يتلفظون بصورة نشطة أسماء الأشكال يساعدهم على استدعائهما بطريقة أفضل إذا ما قورنت في حالة سماعها من شخص آخر، ومع ذلك فإن سماع الأسماء من شخص آخر يسهل عملية الاستدعاء إلى حد كبير إذا ما قورنت بعدم سماع الأسماء على الإطلاق وعمومًا فإن الطفل الذي يبلغ الرابعة من عمره عندما يقول الكلمة، فإن ذلك يحرك انتباهه إلى مدى أكبر من مجرد سماع الكلمة تقال بواسطة أي شخص آخر.
واللغة قد تكون مفيدة للأطفال الصغر في إجراء تمييزات إدراكية ويرجع ذلك لصعوبة تركيز انتباههم بصورة انتقائية، والأطفال الأكبر سنًّا أميل من الصغار لاستخدام الانتباه الانتقائي وتجاهل الخصائص الإدراكية الثانوية والتي لا تكون مرتبطة أو ذات صلة بالعمل المعطي. واللغة كما أشرنا يبدو أنها تفيد الأطفال الصغار في جذب الانتباه إلى المثيرات وثيقة لصلة أو المرتبطة بالموضوع وبالتالي يتحاشوا الاضطراب أو اللهو، ويجب أن نشير في هذا المقام أن نصح أو تذكير الآباء لأطفالهم بقولهم: "انظر أو انتبه ماذا تفعل"؟ تحتاج هذه العبارة إلى أن تكون أكثر تحديدًا حتى تكون ذات تأثير، فالأحسن للآباء أن يقولوا: "لاحظ أعلى الكوب عندما تسكب العصير فيه".
[ ٢٨٢ ]