ويدخل علم نفس النمو مرحلة جديدة في العصر الحديث. إذ بدأ مرحلته العلمية في نطاق محدود من ميدان الطفولة، ثم تعداها إلى المراهقة والشباب، وكان الدافع وراء ذلك طبيًا أو تربويًا أو اجتماعيًا، ولعل هذا يفسر لنا قلة المصادر التي كانت تعنى بجميع مراحل النمو النفسي للإنسان، فكل طائفة من العلماء كانت تدرس النمو النفسي في الميدان الذي يعنيها أو المشكلة التي تعترض سبيل الباحث فيها.
ولقد استفاد علم نفس النمو في تقدمه العلمي من العلوم الأخرى التي تدرس جسم الإنسان والتي أحرزت تقدمًا ملحوظًا في النهضة العلمية الحديثة للإنسان. فاستعان بكثير مما توصل إليه علم التشريح، والطب الإنساني، وعلم الجراحة، ثم ما قام به علماء النفس أنفسهم من دراسات تتبعية أو تجريبية هدتهم إلى كثير من الحقائق التي تعتبر على الرغم من توافرها لا تزال تمثل النصيب الأدنى من حقائق التكوين النفسي للإنسان.
ففي القرن السابع عشر نادى "جون لوك" John Loke بضرورة دراسة الطفل، وذلك لتكون عادات جديدة له تتمشى مع القيم الاجتماعية لجماعته، والعمل أيضًا إلى قمع ميول الطفل الطبيعية التي لا تتفق والعادات الاجتماعية السائدة.
ثم ظهر "كومينيوس" Commenuis، J. A. حيث نشر في عام ١٦٥٧م كتابه "العالم في صور" وقد جمع فيه صورًا وأشكالا ورسومًا
[ ٣٤ ]
لدراسة الطفل في ذاته كطفل، وأكد أن للطفل شخصيته النفسية المتميزة وليس هو رجلا صغيرًا.
وفي القرن الثامن عشر جاء الفرنسي "جان جاك روسو" J.J. Rosseau فنادى بأهمية إعطاء الطفل حريته ليفصح بذلك عن ميوله الطبيعية ودوافعه الفطرية.
ثم كان "بستالوزي" Pestalozzi حين نشر في عام ١٧٧٤م مذكراته عن حياة طفلة في الثالثة والنصف من عمرها، وفيها تسجيلا لملاحظاته عن سلوك الطفل، كان عمله دراسة تتبعية لترجمة حياة الطفل ففي مدة محدودة مما مهد السبيل أمام "تيدمان" Tiedemann الذي نشر في عام ١٧٨٧م تراجم الأطفال في السنوات الأولى من أعمارهم.
وفي القرن التاسع عشر كان "فروبل" Froebl الذي يعتبر المؤسس الأول لرياض الأطفال في شكلها الحديث والذي نشر في عام ١٨٢٧ كتابه عن "تربية الإنسان" الذي سجل فيه ما كان يلاحظه من سلوك الأطفال في البيت والمدرسة خلال سنوات متلاحقة.
ثم جاء "تشارلس داروين" C. Darwin الذي عرفه بنظريته الخاصة في النشوء والارتقاء في كتابه أصل الأنواع Origine of Species ونشر كتابه في "سيرة تخطيطية لحياة الطفل" وذلك عام ١٨٧٧.
وتبعه "مندل" G. Mendel في أبحاثه حول قوانين الوراثة مما فتح آفاقًا جديدة في دراسة التكوين النفسي عند الإنسان.
وفي غمار تقدم الدراسات التجريبية في وظائف الأعضاء كان "بافلوف" الروسي قد اكتشف الارتباط القائم بين المثير والاستجابة، وكان ما سماه بالفعل المنعكس كابتعاد اليد نتيجة لوخز إبرة، فوخز الإبرة مثير، وابتعاد اليد استجابة، وكان أيضًا ما سماه "بافلوف" بالفعل المنعكس الشرطي، في تجاربه الشهيرة، ولهذه التجارب آثارها العلمية في بعض مباحث علم النفس التكويني الحديث لا سيما في بعض أنماط السلوك والعادات والاتجاهات، وفي عملية التعليم والحفظ والتدريب وانتقال أثر التدريب.
[ ٣٥ ]
ولقد استفاد "بروير" Preyer من تلك الدراسات السابقة، فنشر كتابه "عقل الطفل" عام ١٨٨٢، وقد شرح فيه الأفعال المنعكسة للطفولة عند الميلاد وتفاعل تلك الأفعال بمراحل النمو.
وهناك من كبار العلماء النفسيين الذين ساهموا مساهمة فعالة في دراسة التكوين النفسي في جانب آخر منه أمثال: "سيجموند فرويد" Freud Sigmund، ولد عام ١٨٥٦، وقد عرف بمنهجه في التحليل النفسي، و"واطسون" Watson ولد عام ١٨٧٨، وكان مساعدًا في تحرير مجلة علم النفس التكويني في نيويورك منذ "١٩١١" حتى "١٩١٧"، وكذلك "الفرد بينه" A.Bint الفرنسي "١٨٥٧-١٩١١"، الذي عرف باختباراته للنمو العقلي للأفراد.
وفي أوائل القرن العشرين خطا هذا العلم خطوات واسعة وجريئة معتمدًا فقط على الدراسات التتبعية والاختبارات، وسير الحياة، ودراسة الحالات الخاصة، ومن أشهر هذه الدراسات ما قام بها "هولينك ورث" Holling Wollth H.L في النمو العقلي وانحداره ١٩٢٧م، ودراسة "جيزل" Gesell حيث درس الطفولة والنمو الإنساني وذلك في عام ١٩٢٨م، ثم نشرت "جوانف" Goodenough دراسات تجربية في هذا الميدان عامي ١٩٣١، ١٩٥١.
ثم كان "بريسي-كوهلن" حيث درس التكوين النفسي للإنسان في مدى حياته جميعًا ١٩٥٧م.
وبين هذا وذاك قامت دراسات عربية على مستوى الدراسات الجامعية أو على مستوى الأبحاث العلمية ولئن كان بعضها مترجمًا فإن بعضها الآخر حصيلة ملاحظات وتجارب واختبارات قام بها علماء النفس لأغراض نفسية أو تربوية أو اجتماعية.
[ ٣٦ ]