يبدأ نمو قلق الانفصال عند كثير من الأطفال عن أبويهم أو الأشخاص الآخرين الذين يكونون مرتبطين بهم، وعادة ما يصل قلق الانفصال إلى ذروته فيما بين ١٢-١٨ شهرًا من عمر الوليد الإنساني، وفي نفس الوقت نجد ضعف قلق الغرباء لديه.
وحيث أن الأطفال أثناء قلق الانفصال يكون لديهم القدرة على الزحف وكذلك القدرة على المشي، فيمكنهم أن يظهروا ضيقهم ليس فقط بالصياح ولكن بالإضافة إلى محاولة البقاء قريبين من الشخص الذي يتحرك بعيدًا عنهم، وبسبب وجود علاقة وثيقة بين قلق الارتباط وقلق الانفصال، يمكن أن نحدد ما إذا كان الأطفال مرتبطين بشخص معين وذلك بملاحظة الذي يحدث عندما يغادر هذا الشخص المنزل ويعود إليه، فإذا بكى الأطفال وحاولوا أن يتبعوا ذلك الشخص الذي يغادر المنزل، أو يكونوا في هدوء واطمئنان عند عودته فإن ذلك يعزى إلى أنهم قد أصبحوا مرتبطين بهذا الشخص.
ولقد درست ردود فعل الانفصال بواسطة اينسورث Ainsworth "١٩٧٠" في مواقف اللعب صممت خصيصًا لذلك، حيث تكون الأم جالسة مع طفلها في حجرة الألعاب وتترك الحجرة لفترة وجيزة، وبعدها تعود، ولقد وضح أن طفل العام الواحد الذي تركته الأم لدقائق قليلة في هذا الموقف قد بكى وكان يذهب إلى الباب وينظر حول الحجرة كما لو أنه يتبع الأم أو يبحث عنها، ويفقد كل اهتماماته بحجرة الألعاب والدمى التي تحتويها، وعندما تعود الأم يتوقفون عن البكاء ويتسلقون أعلى ركبتها، ويمسكون بها بإحكام ويقاومون في أن يوضعوا على الأرض، هذا ولقد أشارت عديد من الدراسات إلى نفس نتائج اينسورث واستخدموا نفس هذا النمط في مواقف اللعب، أثر انفصال الأم عن الطفل فيما بين ١٠-١٨ شهر من عمره Coates، and Others؛ "١٩٧٢".
وأثبتت الدراسة على الحيوانات نفس الشيء فلقد أجرى Seay and Harlow؛ "١٩٦٥" دراسة على صغار القردة وظهر لديهم الانزعاج والقلق عندما فصلوا عن أمهاتهم، ولقد أمكن التوصل إلى نتائج إضافية عن نتائج الدراسات على الأطفال حيث يمكن أن تمتد فترة الانفصال عند القردة أكثر مما تكون عليه عند الأطفال، وتمكن باحثون من تسجيل نتائج
[ ٢٥٢ ]
مشوقة انبثقت من الدراسة على الحيوان حيث كان يوضع بعض القردة الصغار في قفص يستطيعون منه رؤية وسماع أمهاتهم في قفص آخر، إلا إنهم لا يتمكنوا من الحصول على أي اتصال جسمي معهم، ففي بداية الأمر كانوا يصرخون ويدورون حول أنفسهم ويقفزون أعلى وأسفل وينظرون إلى أمهاتهم أغلب الوقت، وبعد ثلاثة أسابيع من الفصل وجد أن هذا الاحتجاج يبدأ في الاختفاء ويصبح القردة الصغار في حالة تبلد، ويوقفون اللعب سويًا حتى يتوقفوا عن النظر إلى أمهاتهم، وفي حالة إعادتهم إلى أمهاتهم من جديد نجدهم يظلون فترة كبيرة ملتصقين بهم بشدة قبل ابتدائهم التصرف بصورة عادية مرة أخرى.
ولقد لوحظ أنه عندما يفصل الوليد البشري عن أبويه لعدة أيام، فإنه يميل إلى إبداء نفس النوع من الاحتجاج واليأس والقنوط كما كان ذلك في القردة التجريبية، ففي أول الأمر كانوا يبحثون عن أمهاتهم باكين، وبعد ذلك يصبحون سريعي التهيج والغضب متبلدين وأخيرًا وجد نكوصهم في بعض مهاراتهم المتعلمة السابقة، ويشير بولمبي كذلك أن الآباء الذين يعودون من سفر طويل قد يجدون أطفالهم الصغار ما بين ٨-٢٤ شهرًا يتسمون بالخضوع والانسحاب كما لو أنهم في حالة من حالات الاكتئاب، أو قد يرتدون لأنماط سلوكية سابقة، حيث نجدهم يزحفون على الرغم من تعلمهم المشي أو قد يرتدون إلى عمليات التبرز على الرغم من تعلمهم التحكم فيها.
وتشير النتائج إلى أن الأطفال يختلفون عن صغار القردة حيث وجد Bowlb أنهم لا يرحبون ولا يكونون سعداء بعودة آبائهم في حالة السفر لأيام أو أسابيع أو الغياب عنهم وذلك إذا ما قورن عودتهم بعد دقائق أو ساعات فقط من غيابهم عنهم حيث وجد أنهم يبدو كما لو أنهم منفصلون أو مستقلون عنهم، فقد يبكون أو ينسحبون بعيدًا عنهم عندما يقبل آباؤهم عليهم، وقد لا يتعرفون على آبائهم، وبإيجاز يعاملونهم كما لو أنهم غرباء عليهم، وبعد ساعات أو أيام قليلة، ويعتمد ذلك على طول فترة الانفصال، نرى تراجعا لهذا الانفصال وتظهر ثنائية المشاعر حيث يبدأ الأطفال في تقبل والديهم بدفء مرة أخرى ويلتصقون بهم، ومن وجهة نظر الوالدين يشيرون إلى أن أطفالهم كانوا يحاولون عقابهم لتركهم بمفردهم، ولحسن الحظ فإن ثنائية المشاعر Ambivalence تختفي بعد أسبوع أو أسبوعين من عودة الوالدين للطفل، ومرة أخرى يعود الأطفال إلى ذويهم مرة أخرى.
[ ٢٥٣ ]
ويشير مور Moore؛ "١٩٦٩" بأنه يمكن تجنب ردود فعل الانفصال على الأطفال، حيث وجد أن قلق الانفصال عند الأطفال إذا كان من الممكن توفير بيئة مألوفة لهم، وأفراد مألوفين لديهم، وبعض من ممتلكاتهم وأشيائهم الخاصة بهم وأن يعنى بهم آباء بديلة يتسمون باللطف والمجاملة والحنان، فمثلا إذا ذهبت الأم للولادة في المستشفى فمن المستحسن أن يكون بالمنزل شخص مألوف للطفل مثل العمة أو الجدة تستخدم كأم بديلة لطفل العام أو العامين وذلك أفضل من الشخص الغريب، ومن الأفضل كذلك أن تبقى الأم البديلة في منزله الخاص بدلا من نقله إلى منزلها، وإن كان على الطفل أن ينتقل إلى منزل آخر فمن الأفضل أن يصطحب معه دمياته المألوفة وأشياءه المعتادة من أثاثه كسريره ونقالته التي يلعب فيها وكرسيه الطويل الذي يجلس عليه، وإن كان للطفل أخ أو أخت كبرى فمن الأفضل أن يمكثا سويًا عندما تكون أمهاتهم غائبة عن المنزل، وهذا أفضل بالنسبة للطفل الصغير إذا ما قورنت حالته عندما يكون تحت رعاية أقارب له.
[ ٢٥٤ ]