هناك نظريات عديدة في تفسير النمو اللغوي عند الأطفال، وكل منها قد تسهم في تفهمنا للنمو اللغوي، إلا أننا لا نجد أحدا منها شاملة بصورة كافية لكي تغطي جميع جوانب النمو اللغوي، فلقد أشارت إحدى هذه النظريات أن النمو اللغوي يعكس نضج البناءات اللغوية ويشترك فيها جميع أفراد النوع الإنساني، حيث إنها فطرية Mcneil؛ "١٩٧٠" وتبعًا لوجهة نظر ماكينل أن الأطفال يمكنهم التكلم، في حين نجد أن كل لغة معينة تعتمد على ثقافة معينة وكيفية التنشئة فيها، وعمومًا فإن وجهة النظر هذه تشير إلى أن الأطفال يولدون ببعض من القدرات اللغوية، ولقد عززت بعض من المعلومات والبيانات الثقافية هذا الاتجاه حيث أشارات إلى نماذج متشابهة في النمو اللغوي عند الأطفال الذين يتعلمون لغات متباينة كالإنجليزية والروسية Slobin؛ "١٩٦٦".
وفي الطرف الآخر نجد اتجاه يشير أن اللغة مكتسبة بصورة كلية عن طريق التعليم Braine؛ "١٩٦٢"، Staat؛ "١٩٧١" وبالتالي فإن كثيرًا مما يتعلمه الأطفال في اللغة يأتي من النسخ أو التقليد مما يسمعون الآخرين سواء بتدعيم أو بدون تدعيم، وعلى ذلك فإن السلوك اللفظي لا يختلف عن الأنماط السلوكية الأخرى ويتعلم بنفس الطريقة، ويشير Other & Endsley أنه على الرغم من أن الباحثين الذين يؤيدون وجهة النظر هذه قد قللوا من اتجاههم إلى حد ما، إلا أنهم ما زالوا يصرون على أن التعلم مهم في النمو اللغوي والدلائل التي تدعم هذه النظرية، اشتقت من الدراسات التي وجدت فيها أن الأطفال تكرر أنماط أسئلتهم، أو تنطفئ بواسطة استعداد ورغبة الراشدين من حولهم للإجابة عن تساؤلاتهم واستفساراتهم.
والنظرية الثالثة التي أصبحت سائدة في العشرة سنوات الأخيرة تؤكد على نشاط وفعالية الطفل في تعلم اللغة Brown؛ "١٩٧٣"، Donaldson؛ "١٩٧٠".
[ ٢٩٤ ]
وهؤلاء ينظرون إلى الطرق التي يتعلم فيها الأطفال فعليًا المفردات والقواعد اللغوية ويستطرد أصحاب هذا الاتجاه أن النمو اللغوي في نموه وطريقة بنائه متشابه مع النمو المعرفي، بمعنى أن الطفل يتعلم المفردات والقواعد اللغوية لكي يعبر عما تعلمه نتيجة الاستكشاف النشط الفعال للبيئة، ولنتأمل بعض الإنجازات المعرفية للطفل قبل أن ينمي اللغة، وكما أشرنا سابقًا أن الأطفال في هذا السن يدركون وجود الأشياء واختفائها ويدركون كذلك أنها يمكن أن تظهر وتختفي، وهذه الاكتشافات بين المظاهر الأولى لخبرة الطفل والتي يعبر عنها لفظيًا، فمثلا نجد الأطفال يتعلمون أسماء ووجود الأشياء، وكذلك صفة التغير مثل قوله: "كلها تختفي" ويسألون بإعادتها من جديد، وهذا يتساوق مع الإنجازات المعرفية المبكرة.
وجدير بالذكر، فإن المعلومات والبيانات المتوفرة عن النمو اللغوي، تدعم جميع هذه النظريات الثلاثة، حيث إن كلا منها قد يتضمن عناصر من الحقيقة، فبعض اللغة قد تكون فطرية، وأخرى قد تكون في كثير أو قليل منها متعلمة بالإضافة إلى أن بعض الجوانب الأخرى قد تكون مبنية على النموذج المقدم عن طريق النمو المعرفي للطفل، وعمومًا فاللغة تعتبر بمثابة إنجاز متعدد الوجود، والتي لا يمكن أن نشرحها ونفسرها عن طريق نظرية واحدة، حتى على الأقل بالنسبة لمعرفتنا المحدودة في الوقت الحاضر.
[ ٢٩٥ ]