المرحلة الثالثة: المرحلة القضيبية Phallice Stage
تقع بين السنتين الثلالثة والخامسة من العمر.. وفي هذه المرحلة تصبح الأعضاء التناسيلة "القضيب عند الذكر، والبظر عند الأنثى" هي المنقطة الرئيسية الملولدة للذة الشهوانية، وتهيئ هذه المشاعر المرتبطة بالنشاط الشهوي السبيل لظهور عقدتين خطيرتين تؤثران في شخصية الطفل المستقبلية، هما: عقدة أوديب، وعقدة الخصاء.
أ- العقدة الأوديبية:
هي شحنة انفعالية جنسية تستهدف الوالد من الجنس المقابل، وشحنة عدوانية تستهدف الوالد من نفس الجنس، فالصبي يرغب في امتلاك أمَّه واستبعاد أبيه "وهنا تسمَّى عقدة أوديب"، في حين ترغب البنت في امتلاك أبيها وإبعاد أمها "وتسمَّى عقدة إلكترا"، وتعبر هذه المشاعر عن نفسها في الأفعال الدالة على الحب والأفعال المعربة عن التمرد والثورة إزاء الوالدين.
وفي بداية هذه المرحلة يحب الطفل من الجنسين الأم؛ لأنها تشبع رغباته، وينقم من الأب لاعتباره غريمًا له في حب الأم، وتبقى هذه المشاعر لدى الصبي وتتغيِّر لدى الفتاة.
وفي هذه السن يعرف الأطفال أن بين الأب والأم علاقة خاصَّة مريبة ولذيذة، ولكن الأهم من ذلك أن الطفل يرغب في امتلاك أمّه امتلاكًا تامًّا، يريد أن تجيب له طلباته ورغباته وترعاه، لكنه يرى أن الأب يأتي إلى المنزل ويستأثر بالأم، أو على الأقل يأخذ وقتها، ومن ثَمَّ ينظر إلى الأب بوصفه منافسًا، ونجد الموقف ذاته عند البنت الصغيرة مع الأب، إلّا أنه يجب أن نعرف هنا: أن استجابة الطفل ثنائية العاطفة، فبالنسبة للطفل يصبح للأب قوة سلبية "تهديد وإحباط"؛ لأنه يتنافس معه في جذب اهتمام الأم، ولكن للأب قوة إيجابية "فهو يداعبه ويأتيه باللعب والحلوى ويصحبه للنزهة"، وهنا يصبح الأب مصدر حب وكراهية في نفس الوقت، ويبدأ الطفل الحل السوي لعقدة أوديب، فيبدأ في التوحّد بالوالد من نفس الجنس، ويقوى "الأنا الأعلى"، ويكتسب الطفل خصائص الشخصية البالغة، وتصبح جزءًا من نفسه؛ لأنه يريد أن يكون شبيهًا بالأب أو التعيين الذاتي بالأب، ومن ثَمَّ تتحوّل المشاعر الشهوية الخطرة نحو الأم إلى مشاعر رقيقة حنونة لا خطر منها نحوها، وبذلك يؤدي حل عقدة أوديب في النهاية إلى تطور "الأنا الأعلى"، ويقول فرويد: إن الأنا الأعلى هو وريث عقدة أوديب لدى الذكر، فهو سدٌّ منيع حيال الرغبة في المحارم والعدوان.
[ ١ / ٢٦٤ ]
أما إذا لم يحل الموقف الأوديبي ولن يتخَّلص الطفل من كراهيته للأب من نفس الجنس، فإن هذه المشاعر لا تتلاشى تمامًا، بل يدفع بها إلى الأعماق لتبرز مرة ثانية بأشكال أخرى، فتزاح المشاعر السلبية عند نضج الفرد إلى أفراد راشدين آخرين في المجتمع لهم سلطة الأب؛ كالمعلم في المدرسة، أو الرئيس في العمل، أو رجل البوليس.. إلخ. ومن المحتمل أن نجد الطفل الذي فشل في حل الثنائية الوجدانية في هذه المرحلة تظهر لديه مشاعر غير مستقرة تجاه الناس، فهو يساعد أصدقاءه ثم يؤذيهم، ومن المحتمل أن يفشل في أن يسلك سلوكًا ثابتًا مما يؤدي إلى شعوره بالشلل وعدم الاستقرار على قرار.
ب- عقدتا الخصاء وحسد القضيب:
اكتشف فرويد عقدة الخصاء من تحليل حالة "هانز" الصغير عام ١٩٠٨، وتظهر حين يدرك الطفل الذكر الفروق التشريحية بين الجنسين، ويستنتج الصبي أن البنات لهن عضوًا ذكريًّا "البظر"، ولكنه ضامر وذلك عقابًا لهن، ومن ثَمَّ نجد أن اشتياق الطفل الذكر المحرم للأم ونقمته على الأب تؤدي به إلى الصراع مع الأب، فهو يتخيل أنه منافسه المستبد الذي سيوقع به الأذى، وقد تتأيّد مخاوفه بسبب ما يصدر من الأب من تهديدات، ويتركّز خوفه مما قد يوقعه به الأب من أذى حول أعضائه التناسلية؛ إذ أنه مصدر مشاعره الجياشة بالشهوة، وهو يخشى أن يستأصل والده الغيور هذه الأعضاء المسيئة، ويؤدي الخوف من الخصاء أو ما يسميه "فرويد" بحصر الخصاء، أو قلق الخصاء castration anxiety إلى كبت الرغبة الجنسية في الأم، والعدوان نحو الأم، مما يساعد على حدوث التعيين الذاتي بالأب.
أما بالنسبة للأنثى: فإن البنت تغيّر موضوع حبها الأصلي وهو الأم بموضوع جديد هو الأب، وسبب ذلك: هو شعور البنت بخيبة الأمل عندما تكتشف أن الصبي يمتلك عضوًا جنسيًّا مختلفًا عمَّا لديها، ومن ثَمَّ تعتبر أمها مسئولة عن حالة الخصاء هذه مما يضعف حبها لها، وتبدأ البنت تحول حبها لأبيها ولغيره من الرجال، وتبدأ هذه المشاعر تمتزج كذلك بمشاعر الحسد للذكور لامتلاكهم شيئًا
[ ١ / ٢٦٥ ]
تفتقر إليه وهو ما يعرف "بحسد القضيب Penis envy".. وبذلك: فإن حسد القضيب هو المقابل الأنثوي لحصر الحصاء عند الذكر. فالبنت تتخيل أنها فقدت شيئًا ذا قيمة، في حين يخاف الصبي من أن يتعرض لفقده.. وقد تستمر عقدة الحصاء لدى البنت وإن كانت تتعرض للكبت القوي كما هو الحال لدى الصبي..
ويزعم فرويد: أن كل شخص هو بحكم تكوينه مزدوج الجنسية.. فكل جنس ينجذب إلى أعضاء نفس الجنس، كما ينجذب إلى أعضاء الجنس الآخر- وهذا هو الأساس التكويني للجنسية المثلية Homosexuality، وإن كانت الدفعة الجنسية المثلية تظل لدى معظم الناس كمنة وتؤدي إلى حالة الازدواج هذه.
[ ١ / ٢٦٦ ]