اعلم أنَّ العلماء اختلفوا هل يُفِيد التَّدَاوي لِلطَّاعُون، وهَل يَنْفَعُ فيه ما ورد من الأدعية والأذكار ونحوها؟
فذهب جماعة من العلماء إلى أنَّ التَدَاوِي لا يُفِيد مَع الطَّاعُون شيئًا، وقالوا: إنَّ كل داء بسبب من الأسباب الطبيعية له دواء من الأدوية الطبيعية إلَّا الطَّاعون، فإنه قد أَعْيَى الأَطبَّاء دواؤه.
قال العلَّامة ابن القيم: حتى سَلَّمَ حُذَّاقهم أنه لا دواء له، ولا دافع له، إلَّا الذي خلقه وقدَّره (١).
وقال الحافظ جلال السيوطي فيمن مات في الطاعون: وأَكْثَرَ أُنَاسٌ في الطاعون من أشياء لا تُغْنِيهِم، وَأُمُورٍ لا تَعْنِيهِم؛ من ذلك استعمال مأكولات وقَوَابِض، ومُخَفِّفَات وحَوَامِض، وتعليق فصوص، لها في كتب الطب نصوص، وهذا باب قد أعيى الأَطبَّاء، واعترف بالعجز عن مداواته الألِبَّاء.
وأناسٌ رَتَّبُوا أدعية لم يرد بها حديث ولا أثر، وابتدعوا أذكارًا من عند أنفسهم ونسوا أين المفر، وآخرون تحوَّلوا إلى البحر وشاطئ النهر، وما شعروا أنَّ مجاوزة البحر من أكبر الأسباب المُعِينَة للطاعون طِبًّا، والمُضِرة عند فساد الهواء جسمًا ولُبًّا، إنما يصلح سكن البحر لمن يشكو الغم، أو سُوءَ هَضْمٍ (٢).
قال: ولم أُعَوِّل على ذكر شيء مما ذكره الأَطبَّاء فيما يستعمل أيام الطَّاعون؛ لأنه شيء لا فائدة فيه، وهم إنما بَنَوْا ما ذكروه على ما قَرَّرُوه
_________________
(١) ذكر ابن القيم نحو ذلك في زاد المعاد ٤/ ٣٣.
(٢) ما رواه الواعون في أخبار الطَّاعون للسيوطي ص ٢١٧.
[ ٣٦ ]
من أنَّ الطاعون ناشئ عن فساد الهواء، وقد تبيَّن فساد ما قالوه بمجيء الأحاديث النبوية بخلافه، فالأولى طرح ذلك، والتوكُّل على الله سبحانه وتعالي، انتهى (١).
وما أحسن قول بعضهم:
لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ يُسْتَطَبُّ بِهِ إِلاَّ الحَمَاقَةَ وَالطَّاعُونَ وَالْهَرَمَا (٢)
وحقيقة الطَّاعون عند الأَطبَّاء ما قال ابن سينا (٣) وغيره من الحُذَّاق: الطَّاعون مادة سُمِّيَّة تُحْدِث وَرَمَا قَتَّالًا يَحدث في المواضع الرخوة، والتغابن من البدن، وأغلب ما يكون تحت الإِبط، وخلف الأذن (٤).
وَقَرِيبٌ من ذلك قَولُ بعضهم: الطَّاعُون وَرَمٌ رَدِيءٌ قَتَّالٌ يَخْرُج مَعَهُ تَلَهُّبٌ شديد مؤلم جدًّا، ويُصَيِّرُ ما حوله في الغالب أَسْوَدَ أَوْ أَخْضَرَ، وَفِي الأَكْثَر يحدث في ثلاثة مواضع؛ في الإِبط، وخلف الأُذن، وفي اللحوم الرَّخْوَة، وسَبَبُه دَمٌ رَدِيءٌ مَائِلٌ إلى العُفُونة والفساد، مُسْتَحِيلٌ إلى جوهر سُمِّيٍّ يُفْسِدُ العُضْوَ، ويُغَيِّر ما يَلِيه، وربما رَشَحَ دَمًا وصَدِيدًا ويُؤدِّي إلى القلب كيفية رَدِيَّة، فَيُحْدِثُ القَيْءَ والخَفَقَان والغَثَيَان، وأَرْدَؤُه ما حَدَثَ في
_________________
(١) ما رواه الواعون في أخبار الطَّاعون للسيوطي ص ١٧٢.
(٢) أورده السيوطي في المقامة الدرية (ضمن ما رواه الواعون) ص ٢١٧.
(٣) هو: الحسين بن عبد الله بن الحسن بن سينا البَلْخِي البخاري، الفيلسوف الطبيب. وُلِد سنة ٣٠٧ هـ، صاحب المصنفات الشهيرة في الطب والفلسفة والمنطق، منها: "القانون"، و"الشفا". مات عام ٤٢٨ هـ. ترجمته في: الكامل في التاريخ ٧/ ٧٨٣، والملل والنِّحل ٣/ ٥٢٥، وعيون الأنباء في طبقات الأطبَّاء ص ٤٣٧ - ٤٥٩، ووفيات الأعيان ٢/ ١٥٧.
(٤) القانون في الطب ٣/ ١٦٤.
[ ٣٧ ]