تُقْبَلْ صلاَتُهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَة" (١).
وروى الإِمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنِ اقْتبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُوم اقْتبَس شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ" (٢).
وروى الإِمام أحمد من حديث سمرة ﵁ أنَّ النبي - ﷺ -
قال: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رِجَالًا يَزْعُمُونٍ أَنَّ كُسُوف هذه الشَّمْسَ، وكُسُوفَ هذَا القَمَر، وزَوَالَ هذِهِ النُّجُوم عَن مَطَالِعِهَا لِمَوْتِ رِجَالٍ عُظَمَاء مِن أَهْلِ الأَرْضِ، وَإِنَّهُم قَد كَذَبُوا، وَلكِنَّهَا آيَاتٌ يَعتَبِر بِهَا عِبَادُه لِيَنْظُر مَنْ يُحدث لَه مِنْهُم تَوْبَة" (٣).
ومما يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ المُنَجِّمين إجماعُهُم عندما تَمَّ بِنَاءُ بغداد أن لا يموت بها خليفة، وشاع ذلك الأمر حتى هَنَّأ الشُّعَرَاء الخليفة المنصور (٤) بذلك، ثم قوي هذا الظن لما مات المنصور بطريق مكة، ثم
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ح (٥٧٨٢) كتاب الطب، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ١/ ٢٢٧، وأبو داود في السنن ح (٣٩٠٥) ٤/ ٢٢٦ كتاب الطب، وابن ماجه في السنن ح (٣٧٢٦) ٢/ ١٢٢٨ كتاب الأدب، وابن أبي شيبة في مصنفه ٥/ ٢٣٩.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٦، وابن خزيمة في صحيحه ح (١٣٩٧) ٢/ ٣٢٥، والطبراني في الكبير ح (٦٧٩٧) ٧/ ١٨٨، وإسناده فيه ضعف لجهالة ثعلبة بن عباد، ذكره ابن المديني في المجاهيل الذين يروي عنهم الأسود بن قيس، وكذا قال ابن حزم، وتبعه ابن القطان. انظر: تهذيب التهذيب ١/ ٢٧٢.
(٤) هو: عبد الله بن محمد بن علي أبو جعفر المنصور، الخليفة العباسي، بويع له =
[ ٥١ ]
قوي لما مات المهدي خارجًا عنها، وكذلك الهادي، والرشيد، فلما قتل بها الخليفة الأمين انخرم هذا الحكم، ورجع القائل يقول:
كَذَبَ المُنَجِّمُ في مَقَالَتِهِ الَّتِي نَطَقَت عَلَى بَغدَادَ بِالْبُهْتَانِ
قُتِلَ الأَمِينُ بِهَا لَعَمْرِي يقْتَضِي تكْذِيبُهُم في سَائِرِ الحُسْبَانِ
ثُمَّ مات بها الواثق بالله، والمتوكِّل على الله، والمعتمد بالله، والمكتفي بالله، والناصر لدين الله، وظَهَرَ لِكُل عَاقِلِ تَنَاقُضُ قَولِ المُنَجِّمِين، وشَنِيعُ كذبهم، وافترائهم فيما أجمعوا عليه.
وأمَّا مَا اختَلَفُوا فيه وقَطَع به بَعضُهُم دون بعض فلو حكيناه عنهم على ما ذكره الإِمام ابن الجوزي وغيره لكان أمرًا يُضحك منه.
وما أحسن قول القائل:
أَطُلَّابَ النُّجُومِ أَحَلْتُمُونَا عَلَى عِلْمِ أَرَقَّ مِنَ الهَبَا
كُنُوزُ الأرضِ لم تَصِلُوا إِلَيْهَا فَكَيْفَ وَصَلْتُمُ عِلْمَ السَّمَا
وقول البهاء زهير (١):
وَاعْزِم مَتَى شِئْتَ فَالأَوْقَاتُ وَاحِدَةٌ لا الرَّيْبُ يَدفَعُ مَقْدُورًا وَلاَ العَجَلُ
_________________
(١) = بالخلافة عام ١٣٦ هـ، ودامت ولايته اثنين وعشرين سنة، عُرف بقيامه على أحوال الناس، على ظُلم اعتراه في ذلك منه لهم، وثِقَةٍ بالمنجمين. مات عام ١٥٨ هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد ١/ ٦٣ وما بعدها، المنتظم ٨/ ١٩٩، البداية والنهاية ١٠/ ٩٩.
(٢) زهير بن محمد بن علي بهاء الدين المهلبي العتكي. وُلِد سنة ٥٨١ هـ، شاعر كاتب عند الملك الصالح أيوب، له ديوان شعر مطبوع. مات عام ٦٥٦ هـ. ترجمته في: وفيات الأعيان ٢/ ٣٣٢، النجوم الزاهرة ٧/ ٦٢.
[ ٥٢ ]
لاَ تَرْقُبِ النَّجْمَ في أَمْرٍ تحَاوِلُهُ فالله يَفْعَلُ لاَ جَديٌّ وَلاَ حَمَلُ
مَعَ السَّعَادَةِ مَا لِلنَّجْمِ مِنْ أثرِ فَلاَ يَضرُّك مَرِّيخٌ وَلاَ زُحَلُ
الأَمْرُ أَعْظَمُ وَالأَفْكَارُ حَائِرَةٌ وَالشَّرْعُ أَصْدَقُ والإِنْسَانُ يَمْتَثِلُ
وفي هذا القدر كفاية للمعتبر، وهداية للمستبصر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال مؤلفه مَرعِي بن يوسُف الحَنْبَلِي سامحه الله تعالى: فَرَغتُ مِن رَقْمِ هذه الفوائد ليلة الأحد بعد العشاء الآخرة بِنَحوِ أَرْبَعِينَ دَرَجَة حادي عشر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وألف، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم (١).
_________________
(١) أنهيتُ بحمد الله وفضله قراءة رسالة: "ما يفعله الأَطبَّاء والدَّاعون بدفع شرِّ الطَّاعون"، والتعليق على نَصِّهَا، مُجْتَنِبًا الإِطالة وإثقال الحواشي، عَشِيَّةَ يوم السبت غرَّة شهر ربيع الأول ١٤٢١ هـ. قاله أفقر الورى إلى عفو ربه ورحمته خالد بن العربي مُدْرِك العَرُوسي غفر الله له ولوالديه
[ ٥٣ ]