يقسم بياجيه النمو العقلي للطفل في هذا الطور -الذي يسميه الطور الحسي الحركي Sensorimotor- إلى الفترات الست الآتية:
أ- الفترة الأولى: من الميلاد حتى نهاية الشهر الأول، وفيها يمارس الطفل المخططات الوراثية "المصّ، الرضاعة، الإخراج، النشاط البدني الغليظ، إلخ"، وقد لاحظ بياجيه في الشهر الأول من حياة الطفل تحولًا من الاستخدام السلبي إلى الاستخدام الإيجابي لهذه المخططات، كما تظهر بعض صور الاشتراط بين الاستجابات ومثيراتٍ جديدةٍ لهذه المخططات، وكذا تظهر بوادر تعديل الأفعال المنعكسة الفطرية، وتصبح أكثر فعالية بالتعلم، فإلى جانب التثبيت على الضوء يمكن للطفل أن يتابعه بعينه، ويظهر اهتمامه به، وتتميز هذه المرحلة بالتمرين على ذخيرة حسية حركية جاهزة، وفيها لا يتم التمايز بين التمثيل والمواءمة.
ب- الفترة الثانية: من شهر واحدٍ حتى ٤شهور، وهي مرحلة الأرجاع "الاستجابات" الدائرية الأولية، أو التكرار الأعمى الآلي للاستجابات أو الأرجاع؛ حيث يكرر الطفل المخططات الوراثية مراتٍ عديدةٍ؛ كأن يمسك بالشيء ويتركه عدة مرات حتى تظهر تعديلات على المخططات الأصلية، وتنشأ مثيرات عديدة قادرة على إحداثها، ويظهر التآزر بين المخططات، فالأشياء التي يراها الطفل يمكنه أن يصل إليها، والأصوات التي يسمعها ينظر إلى مصدرها، والأشياء التي تلمسها اليد ينظر إليها، ويظهر التمييز مثلًا بين ما يمصه وما لا يمصه، وفي هذه المرحلة تبدأ علميتا التمثيل والمواءمة في التمايز.
جـ- الفترة الثالثة: من سن ٤شهور إلى ٨شهور، وهي مرحلة الأرجاع الدائرة الثانوية والتكرار، والتي يتعلم فيها الطفل إصدار استجابة معينة، وينتظر حدوث نتيجة، كأن يحرك الشخشيخة ليسمع الصوت، وفي هذه المرحلة تظهر بعض علامات الحركات المقصودة وتَوَقُّع الآثار؛ فالطفل يحاول إطالة زمن شيء يراه، ويظهر الاهتمام بأشياء أبعد من نطاق جسمه، ويحاول تحريكها، ويميِّز بين الأشياء الغريبة والمألوفة، ويبحث بحثًا قصيرًا عن الشيء الغائب، والأشياء التي تجذب انتباهه لا تكون غريبة كلية أو مألوفة تمامًا، ويتوافر لديه بعض المفهوم عن استمرار وبقاء الأشياء، فإذا سقط الشيء على الأرض ينظر إليه، كما تنمو مفاهيم المكان، فيراقب حركة يده من شيءٍ لآخر وإلى فمه، كما يحاول الوصول إلى بعض الأشياء دون البعض الآخر، مما يدل على نوعٍ من إدراك
[ ٢١٠ ]
العمق، ويتحقق من أنه يستطيع أن يكون سببًا في حركة الأشياء، وذلك بإصدار حركات منه، وتظهر بدايات المحاكاة، وهكذا يتحرك الطفل نحو القصد أو التوجه نحو الهدف.
د- الفترة الرابعة: من ٨شهور حتى ١٢شهرًا، وهي مرحلة تآزر المخططات المتعلمة، كأن يقلب الزجاجة ليصل إلى الحلمة في حالة الرضاعة الصناعية، وفيها يكتسب الطفل تمييزات إضافية بين الوسائل والغايات، وإصدار حركة معينة للوصول إلى هدف معين، فإذا وضع عائق في طريق الوصول لشيء مرغوب يمكن رؤيته فإنه يتعلم الدوران حوله أو معه، أو إزالته، أو تنحيته جانبًا، كما يلاحظ أن شيئًَا خارج ذاته قد يسبب حدوث شيء ما، مما يدل على التمييز بين الذات والعالم، ويبدأ ظهور مفهوم "الواقع والحقيقة" والبعد عن التمركز الشديد حول الذات، ويتعلم أن حدثًا ما قد يتبع آخر، ويمكن أن يحاكي إحدى الاستجابات الجديدة.
هـ- الفترة الخامسة: من ١٢شهرًا حتى ١٨ شهرًا، وهي مرحلة الأرجاع الدائرية من الدرجة الثالثة، وتعني: التكرار الذي يهدف إلى التجريب، وفيها يظهر الطفل اهتمامًا بالجدة في ذاتها، كما ينوّع من حركاته، ويراقب هذه الحركات، ويظهر اتجاهاتٍ أكثر نشاطًا وقصدًا وإيجابيةً نحو التجريب، وزيادة نموِّ مفهوم الواقع والموضوع والشيء والحقيقة. إن الطفل في هذه المرحلة يستطلع الأشياء الجديدة بنوعٍ من التجريب بحثًا عن جوانب الجدة فيها، ويتعلم استخدام الوسائل لتحقيق غايةٍ؛ مثل الوصول إلى ساعةٍ موضوعةٍ على مخدة، وذلك بجذب المخدة كلها نحوه.
والفترة السادسة: من ١٨ شهرًا حتى ٢٤ شهرًا، وهي مرحلة تمثيل المخططات، ففي هذه المرحلة تنمو اللغة مما يسهّل على الطفل كثيرًا تكوين المفاهيم السيمانتية أو التمثيلات "الصور" اللفظية للأشياء، كما يظهر الطفل إتقانًا لمشكلات الاستجابات المرجأة، فإذا أعطي الطفل بعض الدلالات على موضع شيءٍ خفيٍّ فإنه يتجه إليه، ويمتد التوجه المكاني إلى إطار أكبر ومدًى أوسع، فمثلًا: حين يكون بعيدًا بعدًا مكانيًّا قليلًا عن المنزل، فإنه يستطيع أن يشير إلى اتجاهه، وترجأ بعض صور المحاكاة مما يدل على نموّ ذاكرة الأعمال والأحداث، كما يظهر الطفل ذاكرة للأشياء، وفي هذه الحالة يستطيع حلَّ مشكلات الالتفاف والانعطاف detour، وذلك بالدوران حول العائق حتى ولو أدى ذلك إلى البعد مؤقتًا عن الهدف، كما يستطيع أن يستنتج الأسباب، ويبتكر تطبيقات جديدةً لما تَمَّ تعلمه في سياق مختلف.
[ ٢١١ ]
وبإيجازٍ يمكن القول أن الصورة المبكرة للنشاط العقلي للطفل تتمثل في استخدام الاستشكاف الحسي، ثم من خلال المعالجة اليدوية، وفي العام الأول يمكن للطفل أن يفسِّرَ الخبرات الجديدة في ضوء خبراتٍ قديمة، وفي العام الثاني يمكنه الوصول إلى تعميمات بسيطة تعتمد على خبرات محدودة يكتشف بينها علاقات.
وقد أكدت دراسات النموّ العقلي التي قام بها بياجيه، أن الرُّضَّعَ يظهرون السلوك العقلي قبل أن يتكلموا بكثير، ويسمي هذه المرحلةَ المرحلةُ الحسيةُ الحركيةُ، باعتبار الإدراك الحسي والنشاط هما الطابعان الغالبان على النشاط العقلي في هذه المرحلة.
وفي نموّ المفاهيم نجد أن مفاهيم المكان والزمان والوزن والحجم تتكون جميعًا في هذه المرحلة، ولو على نحوٍ غير دقيق، ويظهر مفهوم الذات قبل مفهوم الآخر، ورغم ذلك، فإن الطفل لا يستطيع أن يميز بين نفسه والبيئة في مرحلة مبكرة مثلما يميِّزُ بين الآخرين والبيئة في الجزء الأخير من العام الأول "في صورة الخجل من الآخرين".
وأبسط صورة للإدراك الجمالي توجد في تفضيل الألوان، فابتداءً من الشهر السادس حتى نهاية العام الثاني يستجيب الأطفال بطريقة مختلفة للألوان المختلفة، ويكون ترتيب التفضيل: هو الأحمر فالأصغر فالأزرق فالأخضر، ويظهر التذوق الموسيقي في ميل الطفل للموسيقى التي تشبه الأغنيات التي تهدهده بها أمه في المهد حتى ينام. "آمال صادق، ١٩٨٩".
[ ٢١٢ ]