هل خبرة الولادة تُعَدُّ من الخبرات السارة أو الأليمة لدى الوليد؟ يمتلئ الفولكلور النفسي إجابات عديدة على هذا السؤال، لعل أشهرها هذا التفسير الدرامي لصرخة الميلاد، والتي اعتبرها بعض الأدباء والفنانين صرخة احتجاج على الميلاد ورفض له، بينما هي في جوهرها ميكانيزم فيزيائي طبيعي ناتج عن دخول الهواء إلى الجهاز التنفسي للطفل لأول مرة.
من العلماء الذين أجابوا بهذه الإجابة على هذا السؤال "أي: اعتبار خبرة الميلاد خبرة أليمة" عالم التحليل النفسي أوتو رانك O. Rank، الذي استخدم عام ١٩٢٩ هذا التعبير الذي شاع في التراث السيكلولوجي باسم "صدمة الميلاد" Trauma، وعنده أن الطفل الذي كان يعيش، وهو جنين، في بيئة دافئة ناعمة مشبعة للحاجات هي بيئة الرحم، تأتي عليه لحظة الميلاد فيطرد من هذه البيئة إلى عالم مختلف، وفي لحظة المواجهة الأولى لهذا العالم يعاني الطفل فجأةً البرد والألم والجوع واندفاع الأوكسجين إلى الرئتين، وتزداد صدمة الميلاد حدةً عند
[ ١٩٣ ]
الأطفال الذين يعانون من عسر الولادة، وفي رأي رانك، أن هذه الصدمة إذا كانت شديدةً تجعلهم على درجة عالية من القلق والعصابية طوال حياتهم.
وعلى الرغم من أن هذه الأفكار يعوزها الأساس العلمي، ورفضها الكثيرون، وعلى رأسهم أستاذ رانك نفسه وهو سيجموند فرويد، فإن طبيبًا فرنسيًّا معاصرًا، يسمى فردريك ليبويير، أعاد إحيائها في كتاب شهير ظهر له عام ١٩٧٥ "Leboyer ١٩٧٥"، ويعترض ليبويير على بعض الممارسات الشائعة في طب التوليد؛ مثل: القطع المتسرع للحبل السري، والاستثارة المفاجئة للطفل حتى يتنفس، ووزن الطفل في ميزان معدني بارد، وترويع الوليد بوضع نترات الفضة في عينيه، وفصل الطفل عن أمه عقب ولاته مباشرة، ويصف هذه الإجراءات وغيرها بأنها أساليب لتعذيب الأطفال الأبرياء، وفي رأيه أن الولادة يمكن أن تكون أقل "صدمية" إذا استخدم الأطباء طريقته الرقيقة الحانية في التوليد، والتي يصفها في كتابه بالتفصيل.
ومن التطورات الهامة التي حدثت أيضًا في فن التوليد الحديث، إعادة الاهتمام بالجوانب المتصلة بالعلاقات الإنسانية أثناء خبرة الولادة، وزيادة مشاركة الآباء في هذه العملية، ومن ذلك السماح للأب بالوجود داخل غرفة المخاض والوضع بالمستشفيات؛ بحيث يقترب موقف الولادة من الجو العائلي الذي يعيش فيه الوالدان، مع السماح للوليد بعد ولادته بالبقاء معظم اليوم مع أمه، بالإضافة إلى تنظيم فصول خاصة "للإعداد للولادة" تنظمها بعض المستشفيات، ويشترك فيها الوالدان، وتعتمد دروس هذه الفصول على أفكار طبيبين شهيرين، أحدهما بريطاني هو جرانتلي ديك-ريد، والثاني فرنسي هو فرنادر لاميز، والهدف منها تزويد الوالدين بالمعلومات الأساسية عن عملية الولادة تمهيدًا لاستقبال الطفل.
[ ١٩٤ ]