الفصل العاشر: طور الرضيع"من الولادة حتى نهاية العام الثاني"
ما إن تضع الأم وليدها بعد مشقة الحمل والمخاض والولادة حتى تبدأ في إرضاعه، ولقد أوجب القرآن إرضاع الأم لطفلها، وحدَّدَ لطور الرضاعة حده الأقصى وهو عامان، يقول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] .
وفي أثناء مدة الرضاعة أوجب الله تعالى حسن رعاية الوالدة ورقة معاملتها، وإذا كانت هناك ظروف تمنع الأم من إرضاع الطفل فيجوز الاسترضاع، قال تعالى:
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
وهكذا، فإن طور الرضيع يطلق على المرحلة العمرية التي تمتد من الولادة وحتى نهاية العام الثاني من عمر الطفل، وتشمل الطور السابق "طور الوليد" بالطبع، وقد لجأنا إلى تخصيص طور الوليد لنوضح أهمية الأسبوعين الأولين من حياة الإنسان، والتي لو اجتازها بنجاحٍ يؤثر ذلك تأثيرًا إيجابيًّا على نموه التالي.
وتحديد نهاية العام الثاني بدايةً للانتقال إلى مرحلةٍ عمرية تالية بعد الرضاعة، هو في جوهره تحديدٌ قرآنيّ -كما بينا، فقد أوضحت الآيات القرآنية السابقة أن الفطام "الفصال" يمكن أن يحدث قبل ذلك، ومع ذلك تظل فترة "الحولين الكاملين" هي مرحلة رضاعة بالنسبة للنمو الإنساني؛ حيث لا يقتصر
[ ٢٠٥ ]
المعنى على محض الإطعام والتغذية بالأسلوب المعروف بالرضاعة فحسب، وإنما يمتد ليشمل تربية الطفل وتنشئته في أحضان أمه، وفي كنف رعايتها، وعدم اللجوء إلى طرق "التربية غير الطبيعية" التي تبعد الطفل عن الأم وتفصله عنها فصلًا صناعيًّا، فهذه المرحلة كلها هي مرحلة التنشئة في حجر الأم.
إن طور الرضاعة هو الطور التي توضع فيه وتتحدد أسس السلوك الإنساني؛ ففيه تتكون الاتجاهات نحو الذات ونحو الآخرين، وأساليب التعبير الانفعالي، إلّا أننا يجب أن ننبه إلى أن هذه الأسس لا تكون ثابتةً مع نهاية هذا الطور، وبالتالي يمكن أن تتغير وتتعدل وتتحسن إذا كانت غير ملائمة، أو غير مقبولة اجتماعيًّا، وأيّ تغير فيها يعني بالطبع إعادة التعلم، وما يصاحب ذلك من توتر واضطراب، وبسبب أن التطورات اللاحقة سوف تتشكل بناء على هذه الأسس، فإن طور الرضاعة يعتبر مرحلة "حرجة أو حاسمة" في نمو الإنسان.
[ ٢٠٦ ]