٧- بحرُ الرجز
أصل تفاعيله:
مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن
وهو يستعمل تامًّا؛ فتبقى له تفاعيله الست، ومجزوءًا، فيبقى على أربع، ومشطورًا فيبقى على ثلاث، ومنهوكًا، فيبقى على اثنتين، وتتحد أعاريضه وأضربه في الصحة، فله على ذلك أربع أعاريض وأربعة أضرب، وتزيد العروض التامة ضربًا آخر غير الصحيح، وهو المقطوع الذي تصير فيه مستفعلن إلى مستفعلْ وتحول إلى مفعولن:
١- العروض الأولى التامة وضربها التام: مثالها قول أبي دَهْبَل:
أوْرَثني الْمَجْدَ أبٌ من بعدِ أبْ رُمحي رُدَيْنِيٌّ وسيفي الْمُسْتلبْ
تقطيعه:
أورثنل
مجدأبن
من بعدأب
رمحي ردي
نيين وسي
فلمستلب
مستعلن
متسعلن
مستفعلن
مستفعلن
مستفعلن
مستفعلن
وبعد:
وبيضتي قَوْسَنُهَا مِنَ الذَّهب دِرعِي دِلاصٌ سَرْدُهَا سردٌ عَجَبْ
والضرب المقطوع، كقول الشاعر:
القَلْبُ مِنْها مُسْتَريْحٌ سَالِمٌ وَالقَلْبُ مِنِّي جاهِدٌ مَجْهُودُ
وتقطيعه:
القلب من
هامستري
حن سالمن
والقلب من
ني جاهدن
مجهودو
مستفعلن
مستفعلن
مستفعلن
مستفعلن
مستفعلن
مفعولن
٢- العروض الثانية: المجزوءة وضربها مثلها: قول كشاجم:
والبَدرُ فوقَ دِجْلةٍ والصُّبْحُ لَمَّا يُشرِقِ
تقطيعه:
والبدر فو
قدجلتن
وصصبح لم
ما يشرقي
مستفعلن
متفعلن
مستفعلن
مستفعلن
[ ٤٨ ]
وبعده:
كحلية من ذهب على رداء أزرق
وقول عمر بن أبي ربيعة:
فيهن هند ليتني ما عمّرت أُعَمِّرُ
حتَّى إذا ما جاءها حتف أتاني القدَرُ
٣- العروض الثالثة: المشطورة مع ضربها: كقول الحطيئة:
الشِّعر صعب وطويل سُلَّمه
إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
ذلت به إلى الحضيض قَدمه
يريد أن يعربه فيعجمه
٤- العروض الرابعة المنهوكة مع ضربها: كقول أم عمر بن شبة:
يا بأبي يا شبّا
وعاش حتَّى دبَّا
شيخًا كبيرًا أخبَّا
وقول أبي العتاهية:
الحمد والنعمة لك
والملك لا شريك لك
لبيك إن الملك لك
ملاحظة: قد يشتبه عليك البيتان من المشطور بالبيت الواحد من التام؛ لأن المشطور نصف التام، كما يشتبه عليك البيتان من المنهوك بالبيت من المجزوء؛ لأن مجموع تفاعيل بيتي المنهوك أربع، وهي تفاعيل البيت الواحد المجزوء.
والذي يفرق لك بين هذه الأنواع شيئان: أولهما: أن البيت من المشطور أو المنهوك قد جرت على آخره أحكام الضرب المعروفة للرجز، كأن تراه مقطوعًا والعروض لا تكون كذلك. وثانيهما: ما نراه من التزام التقفية بين جزأي
[ ٤٩ ]
المشطور أو المنهوك، وهو لو اعتبرته تامًّا أو مجزوءًا لم تلزم فيه هذه التقفية.
تنبيه: حكى بعض العروضيين للرجز عروضًا تامّة مقطوعة وضربها مثلها، وأنشد على ذلك قول الشاعر القديم:
لأَطْرُقَنَّ حصنَهم صباحًا وأبركَنَّ مبركَ النَّعامَه
تقطيعه:
لأطرقن
نحصنهم
صباحا
وأبركن
نمبر كن
نعامه
متفعلن
متفعلن
فعولن
متفعلن
متفعلن
فعولن
وفي هذا البيت ترى أنه قد دخله مع القطع الخبن. وبعضهم يسمي هذا النوع مكبولًا، كما حكوا أيضًا القطع في المشطور، وجعلوا منه قول الشاعر القديم:
يا صاحبي رحلي أَقِلَّا عذلي
تقطيعه:
يا صاحبي
رحلي أقل
لا عذلي
مستفعلن
مستفعلن
مفعولن
ومنه قول طالب بن أبي طالب في غزوة بدر:
يا رَبِّ إمَّا يَغْزُوَنَّ طالب في منقب من هذه المناقب
فليكن المسلوب غير السالب وليكن المغلوب غير الغالب
ويلاحظ أن الضرب في البيتين الأولين مخبون مع القطع فصار إلى فعولن، ولكن هذا الخبن لكونه زحافًا لم يلتزم في البيتين التاليين، ومنه أرجوزة أبي العتاهية:
حسبك فيما تبتغيه القوت ما أكثر القوت لمن يموت
وقد راق هذا الوزن الشعراء المحدثين فأكثروا منه في أراجيزهم المشطورة المزدوجة.
وإذا أعدت النظر في جميع ما مر بك من أبيات هذا البحر بأعاريضه
[ ٥٠ ]
وأضربه المختلفة وجدت أنه يكثر فيه الخبن كما يكثر الطي، وأن ذلك مقبول فيه حسن، ولكن اجتماع الزحافين: الخبن والطي، وهو المسمى خبلًا قبيح فيه، وكذلك يدخل الخبن في أعاريضه، وأضربه كلها تامَّة ومقطوعة كما رأيت، وقد ذكرنا لك أن المقطوع من المشطور إذا خبن سُمي مكبولًا.
وقد أكثر الشعراء المحدثون في الأراجيز المشطورة من الازدواج وهو: أن يتحد كل بيتين في القافية كما في أرجوزة أبي العتاهية التي مرّ بك بيتان منها. وسنسرد لك جملة صالحة من أبياتها لنتبين معنى الازدواج واضحًا، قال أبو العتاهية:
حسبك فيما تبتغيه القوت ما أكثر القوت لمن يموت
الفقر فيما جاوز الكفافا من اتقى الله رجا وخافا
هي المقادير فلُمني أو فَذر إن كنتُ أخطأتُ فما أخطا القدَر
فكل سطر من هذه الأسطر بيتان من المشطور قد اتَّحدا في القافية ويظهر أن المحدثين لجئوا إلى ذلك تخفيفًا على أنفسهم من ثقل القافية، فتحللوا من شرط اتحادها في الشعر العربي. وما اضطرهم إلى ذلك إلا خفة وزن الرجز حتى قيل: إنه حمار الشعراء، وأنهم احتاجوا إليه في تقييد الحكمة والمثل والموعظة والقصة، وذلك كثير في كلامهم لا تطاوعهم فيه القافية الواحدة خصوصًا إذا لوحظ ضعف ملكاتهم الطارئ عليهم بكثرة الأعاجم بينهم.
ومن هنا دخل العلماء فقيدوا علومهم غالبًا بالرجز المشطور المزدوج كما فعل ابن مالك صاحب الألفية.
[ ٥١ ]