أقول: قال الخليل سمي بسيطًا لانه انبسط عن مدى الطويل والمديد فجا وسطه فعلن وآخره فعلن. حكاه الأخفش عنه. وقيل: سمي بسيطًا لانبساط الأسباب في أوائل أجزائه السباعية، قاله الزجاج. وقيل: لانبساط الحركات في عروضه وضربه. وهو مبني في الدائرة من ثمانية أجزاء على هذه الصورة: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن، مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن كما سلف. قال:
جرتْ جولةٌ يا حارِ شعواء خيّلتْ وقوفي فسيروا عنه قد هيّج الجوى
فحقب ارتحالٍ ذا لقيهمْ فذقتم أصاح مقامي ذاك والشيب قد علا
[ ٥٤ ]
أقول: الجيم الأولى إشارة إلى أنه البحر الثالث، والجيم الثانية إشارة إلى أن له ثلاث أعاريض، والواو إشارة إلى أن له ستة أضرب. العروض الأولى مخبونة ولها ضربان: الأول مثلها، وإنما لم يستعملا تامين لئلا يتوهم أنه قد نقص منهما، لما مر من أن فاعلن لم يأت أصليًا في عروض ولا ضرب، فلو جاءا تامين لتوهم أن أصله حينئذ أكثر من ثمانية وأربعين حرفا ولا نظير لذلك. وقيل لاعتماد ألف فاعلن على وتد بعدي، ولا ينهض هذا علة، فإن الاعتماد في ذلك مجوزٌ لا موجبٌ، وبيته:
يا حار لا أُرمين منكم بداهيةٍ لم يلقها سوقةٌ قبلي ولا ملكُ
فقوله «هيتن» هو العروض، وقوله «ملكو» هو الضرب، وكل منهما وزنه فعلن بتحريك العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «يا حار» . الضرب الثاني مقطوع وبيته:
قد أشهدُ الغارة الشعواء تحملني جرداء معروقة الّلحيين سر حوب
فقوله «مِلني» هو العروض، وقوله «حوبو» هو الضرب، ووزنه فعلن بإسكان العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «شعواء» . العروض الثانية مجزوءة صحيحة، ولها ثلاثة أضرب، الأول مذال، وبيته:
إنا ذممنا على ما خيّلتْ سعد بن زيدٍ وعمرًا من تميم
فقوله «ما خيات» هو العروض، ووزنه مستفعلن، وقوله من تميم هو الضرب ووزنه مستفعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «خيلت» . الضرب الثاني مثل العروض صحيح وبيته:
ماذا وقوفي على ربعٍ خلا مخلولقٍ دارسٍ مستعجمِ
فقوله «ربع خلا» هو العروض وقوله مستعجمي هو الضرب، ووزن كل منهما مستفعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «وقوفي» . الضرب الثالث مقطوع وبيته:
سيروا معًا إنما ميعادكمْ يوم الثلاثاء بطن الوادي
فقوله «ميعادكم» هو العروض وقوله «نُلو ادى» هو الضرب، ووزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «فسيروا» . العروض الثاثلة مجزوءة مقطوعة لها ضرب واحد مثلها وبيته:
ماهيّج الشوق من أطلالٍ أضحت قفارًا كوحي الواحي
فقوله «أطلالن» هو العروض وقوله «يلواحي» هو الضرب، ووزن كل منهما مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «هيج» . وقد علمت أنّا أسلفنا أن قول أهل هذا الفن عروضٌ مجزوءة وضرب مجزوء فيه تسامحٌ من حيث أن الجزء صفة للبيت، لأنه عبارة عن إيقاط الجزء الأخير من صدره والجزء الأخير من عجزه وليس صفةً للجزء، لكن جرينا على سنن القوم. من حيث أن الجزء صفة للبيت، لأنه عبارة عن إيقاط الجزء الأخير من صدره والجزء الأخير من عجزه وليس صفةً للجزء، لكن جرينا على سنن القوم. من حيث أن الجزء صفة للبيت، لأنه عبارة عن إيقاط الجزء الأخير من صدره والجزء الأخير من عجزه وليس صفةً للجزء، لكن جرينا على سنن القوم. ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن في الخماسي والسباعي وهو حسن فيهما. قلت: هكذا قالوا، ويظهر لي أن الخبن في السباعي إنما هو حسن في أول الصدر وأول العجز، فليعتبره ذو الطبع السليم. ويدخله أيضًا من الزحاف الطي في السباعي وهو صالح فيه، والخبل وهو قبيح فيه. فبيت الخبن:
لقد مضتْ حقبٌ صروفها عجبٌ فأحثت عبرًا وأبدلتْ دولا
أجزاؤه كلها مخبونة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «حقب» لكنه سكن القاف للضرورة، وهي ضرورة قبيحة. وبيت الطي:
ارتحلوا غدوةً وانطلقوا سحرًا في زمرٍ منهم يتبعها زمرُ
أجزاؤه السباعية كلها مطوية. وإلى هذا الشاهد أشار بالارتحال المشار به إلى «ارتحلوا» . وبيت الخبل:
وزعموا أنهم لقيهمْ رجلٌ فأخذوا ماله وضربوا عنقه
أجزؤه السباعية كلها مخبولة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «لقيهم» وسكن الياء للضرورة. واعلم أن هذا الزحاف جميعه يدخل في الضرب المذيل، والخبن يدخل في الضرب والمقطوع وفي العروض المقطوعة وضربها. فبيت الخبن في الضرب المذيل:
قد جاءكم أنكم يومًا إذا ما ذقتم الموت سوف تبعثونْ
فقوله «فتبعثون» هو الضرب، ووزنه مفاعلانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «فذقتم» . وبيت الطي فيه:
يا صاح قد أخفلت أسماء ما كانت تمنيك من حُسن وصالْ
فقوله «حسن وصال» هو الضرب وزنه مفتعلانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «أصاح» . وبيت الخبل فيه:
[ ٥٥ ]
هذا مقامي قربيًا من أخي كلُّ امرىء قائمٌ مع أخيه
فقوله «مع أخيه» هو الضرب، ووزنه «فعلتان» . وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «مقامي» . وبيت الخبن في العروض والضرب المقطوعين:
أصبحت والشيبُ قد علاني يدعو حثيثًا إلى الخضابِ
فقوله «علاني» هو العروض وقوله «خضابي» هو الضرب، وزن كل منهما فعولن، وهذا هو المسمي عندهم بالمخلع. والمولدون التزموا الخبن في هذه العروض وضربها لحسن ذوقه، وهو من التزام ما لا يلزم. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله «والشيب قد علاني» . وأما بيت الخبن في ضرب العروض الثانية المقطوع فلم يشر النلظم إليه بشيءٍ، وانظر هل أشار بقوله ذاك إلى بيته فإن ظفرت ببيت فيه هذه اللفظة فذاك، وبيته الذي انشده العروضييون:
قلت استجيبي فلما لم تُجب سالت دموعي على ردائي
قال الشريف: وإنما نبّه الناظم على ما يدخل الأعاريض والضروب هنا وفيما بعد حسب ما تقف عليه من الأبحر ليظهر لك الفرق بين ما يدخل في الأعاريض والضروب وهو غير لازم كما يدخل الحشو، وبين ما لا يدخلها فيكون لازمًا سبيله العلل، فما يكون من ذلك لازمًا يأتي بشاهده أولًا حيث يأتي بشواهد العلل، وما يكون غير لازمٍ جاء بشاهده آخرًا بعد شواهد الزحاف، ألا تراه كيف أتى بشاهد الخبن في العروض الأولى مع العلل أولًا للزومه، وأتى بشاهد الخبن في المخلع آخرًا لعدم اللزوم فتأمله. «تنبيه» استدرك بعضهم للبسيط عروضيين إحداهما مجزوءة حذّاء مخبونة لها ضربان: ضرب مثلها كقوله:
عجبت ما أقرب الأجلْ منّا وما أبعدَ الأمل
وضرب مقطوع مخبون كقوله:
إنّ شواءً ونشوةً وخبب البازل الأمون
العروض الثانية مشطورة لها ضرب مثلها كقوله:
إن أخي خالدا ليس أخًا واحدا
وأجاز أيضًا استعمال العروض الأولى من البسيط غير مخبونة كقوله:
ولا تكونوا كمن لا يرتجى أوْبُهُ
وكذا أجاز استعمال ضربها الأول غير مخبون كقوله:
وبلدةٍ مجهلٍ تمسي الرياح بها لواعبًا وهي ناءٍ عرضُها خاويهْ
وهكذا كله شاذ لا يلتفت إليه. وقد جاء في مخلّع البسيط مفعولن مكان فاعلن، وهو أيضًا شاذ كقوله:
فسر بودٍّ أو سِر بكرهٍ ما سارت الذُّلل الِّسراعُ
ورأيت بعض المتأخرين يستعمله. وزعم أبو الحكم أنه شذَّ في هذه العروض القبض، وأنشد:
يداه بالجود ضرَّتان عليه كلتاهما تغارُ
قال: ولا تمكَّن حركة النون فيبقى القبض لأن التمكين مختص بالضروب، ولا يجوز في الأعاريض إلا بشرط التصريع. قال الصفاقسي: وهذا خطأ، أما أولًا، فلأن ساكن المخلع فيه بقية وتد ولا قبض فيه فلا بد من تمكين الحركة. قلت: لعله نظر إليه باعتبار ما صار إليه، ولا شك أن آخره بحسب الصورة هيئة سبب خفيف فأطلق القبض لذلك. ثم قال: وقوله ثانيًا ذلك مختص بالضروب ولا يجوز في العروض إلا بشرط التصريح وهمٌ، بل ورد منه مالا يحصر وأنشد قوله:
سلى إن جهلت الناس عنّا وعنهم فليس سواءً عالمٌ وجهولُ
وقوله:
ورجِّ الفتى للخير ما إن رأيته على السّنّ خيرًا لا يزال يزيد
وأبياتًا كثيرة من هذا النمط. ولا دليل له فيها لأن التمكين فيها فصيح بخلافه في نحو «ضرتان» وسيأتي الكلام عليه معه في ذلك. وهنا كملت الدائرة الأولى.