أقول: قال الخليل: سمي رجزًا لاضطرابه، والعرب تسمى الناقة التي ترتعش فخذاها وجزاء. قال أبو حاتم: الرجز داء يصيب الإبل في أعجازها. فإذا نهضت ارتعش فخذاها، وأنشد:
هممت بخير ثم قصرت دونه كما ناءت الرجزاء شد عقالها
وقال ابن دريد: سمي رجزًا لتقارب أجزائه وقلة حروفه. وقيل: لأن أكثر ما تستعمل منه العرب المشطور الذي على ثلاثة أجزاء، فشبه بالراجز من الإبل وهو الذي إذا شدت إحدى يديه بقي على ثلاثة قوائم.
وهو مبنى في الدائرة على ستة أجزاء هكذا: مستفعلن مستفعلن مستفعلن، مستفعلن مستفعلن مستفعلن قال:
[ ٦٢ ]
زكت دهرها دار بها القلب جاهدٌ وقد هاج قلبي منزلٌ ثم قد شجا
فياليتني من خالد ومنافهم أرى ثقلًا لا خير فيمن لنا أسا
أقول: الزاي من «زكت» إشارة إلى أن هذا البحر هو البحر السابع. والدال من «دهرها» إشارة إلى أن له أربع أعاريض، والهاء التي تليها إشارة إلى أن له خمسة أضرب.
العروض الأولى صحيحة لها ضربان الأول مثلها وبيته:
دارٌ لسلمى إذا سليمى جارةٌ قفرٌ ترى آياتها مثل الزبر
فقوله «ماجارتن» هو العروض، وقوله «مثلززبر» هو الضرب، وزنٌ كل منهما مستفعلن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «دار» .
الضرب الثاني مقطوع وبيته:
القلبُ منها مستريحٌ سالمٌ والقلبُ مني جاهدٌ مجهودُ
فقوله «حن سالمن» هو العروض. وقوله «مجهودو» هو الضرب، وزنه مفعولن، كان مستفعلن فقطع بحذف النون وإسكان اللام فصار مستفعل فنقل إلى مفعولن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «القلب جاهد» .
العروض الثانية مجزوءة صحيحة لها ضرب واحد مثلها وبيته:
قد هاج قلبي منزلٌ من أم عمرو مقفرُ
فقوله «بينمزلن» هو العروض وقوله «رنمقفرو» هو الضرب، وزن كل منهما مستفعلن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «قد هاج قلبي منزل» .
العروض الثالثة مشطورة وضربها مثلها وبيته:
ما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجا
فقوله «ونقد شجا» وزنه مستفعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «قد شجا» .
العروض الرابعة منهوكة وضربها مثلها وبيته:
يا ليتني فيها جذع
فقوله «فيها جذع» وزنه مستفعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «فياليتني» .
ويدخل هذا البحر الزحاف الخبن وهو صالح، والطي وهو حسن، والخبل وهو قبيح.
فبيت الخبن:
وطالما وطالما وطالما كفى بكف خالدٍ مخوفها
أجزاؤه كلها مخبونة إلا الجزء الرابع. هكذا قال ابن برى، وزعم أن الرواية فيه «كفى» بفتح الكاف وتشديد الفاء، قال: ولا معنى له، والصواب «كفى» بضم الكاف وتخفيف الفاء من الكفاية، وسكنت الياء فيه ضرورة، وإنما كان هذا صوابا لثلاثة أوجه: الأول أن له معنى صحيحًا حسنًا، وعلى الرواية الأولى لا معنى له، والثاني أن فيه ضربًا من البديع وهو التجنيس، الثالث أن يكون هذا الجزء مخبونًا كسائر الأجزاء وهو اللائق بما جرت العادة به من تحري دخول الزحاف في جميع الأجزاء. انتهى كلامه. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله «خالد» .
وبيت الطي:
ما ولدتْ والدةٌ من ولدٍ أكرمَ من عبد منافٍِ حسبا
أجزاؤه كلها مطوية، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «ومنافهم» .
وبيت الخبل:
وثقلٍ منعَ خيرَ طلبٍ وعجلٍ منعَ خيرَ تؤدهْ
أجزاؤه كلها مخبولة، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «ثقلا»، ويدخل الضرب الثاني الخبن، وبيته:
لا خير فيمن كف عنا شره إنْ كان لا يرجى ليوم خير
فقوله «مخيري» هو الضرب، وزنه فعولن، دخل مفعولن الخبن بحذف الفاء فصار معولن فنقل إلى فعولن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «لا خير فيمن» .
(تنبيهان) الأول: للعروضيين في البيت المشطور سبعة مذاهب: الأول أنه عروض وضرب مماثل لها إذ لا توجد عروض بلا ضرب، ولا عكس، لكن لما تعذر انفصالهما جعل البيت كله عروضًا نظرًا إلى أنه نصف الدائرة، وضربًا نظرًا إلى الالتزام بتقفيته. قلت: والظاهر أن هذا هو رأي الناظم، فتأمل. واستشكل هذا القول بأن كون الشطر ضربًا يقتضى التزام تقفيته وكونه عروضًا لا يقتضى ذلك، فتكون تقفيته ملتزمة وغير ملتزمة وهو تناقض، ولا يدفعه اختلاف الجهتين لتلازمهما.
قلت: وأيضًا فالنظر إلى كونه نصف الدائرة لا يقتضى جعله بكماله عروضًا، على المختار في تفسير العروض، ولا النظر إلى التزام تقفيته يقتضى جعل النصف كله ضربًا، فتأمل.
القول الثاني: أن الثلاثة الأجزاء كلها ضرب لا عروض له، وهو رأى ابن القطاع، ورجحه بالتزام تقفيته، وفيه ما مر مع مخالفته للنظير.
الثالث: أنه عروض لا ضرب لها، ورجح بأن الضرب مأخوذ من الشبه، وحينئذ تعذر جعله ضربًا لانتفاء ما يشبهه فوجب جعله عروضًا، وفيه ما تقدم مع مخالفته النظير.
[ ٦٣ ]
الرابع: أن العروض والضرب منهو كان والجزء الثالث زيد في الضرب كما يزاد فيه الترفيل والتذييل، واعترض بأن الزيادة على الآخر لم توجد بأكثر من سبب خفيف. الخامس أن العروض مجزوءة، أي ذهب منها جزءٌ واحدٌ فبقيت جزأين، والضرب منهوكٌ، أي ذهب منه جزآن وبقي جزء واحد. وتحريره أن هذه الأجزاء الثلاثة الموجودة منها جزآن بقية النصف الأول والجزء الثالث بقية النصف الثاني، فيكون صدر البيت دخله الجزء وعجز البيت دخله النَّهكُ، وعليه فتكون العروض هي الجزء الثاني والضرب هو الجزء الثالث، وفيه مخالفة النظير. السادس عكسُ هذا، أي نهك الصدر، فالعروض هي الجزء الأول وجزئ العجز فالضرب هو الجزء الثالث، وفيه مامر. السابعُ: أن المشطور نصف بيتٍ لا بيتٌ كامل، فحينئذ لا مشطور في التحقيق عند أصحاب هذا القول وإليه ميل ابن الحاجب، واعترض بمجيء بعض قصائده غير مزدوحة، ولو كانت مصرعةً لزم ازدواجها، وهو واضحٌ إن ثبتت الرواية في شيءٍ من قصائد هذا النوع أنه جاء غير مزدوج. وأما المنهوك ففيه أقوالٌ أحدها كالأول في المشطور، أي يجعل الجزآن كلاهما عروضًا وضربًا ممتزجين. وقيل الجزء الأول عروضٌ والثاني ضرب. وقيل كلاهما ضربٌ بلا عروض. وقيل العكس. وقيل مصرعٌ من العروض الثانية وضربها. ولا يخفى ما في الأقوال من المؤخذات. والأخفش يجعل المشطور والمنهوك من قبيل السجع، ولا يجعلها شعرًا البتة، ويحتج بأن النبي ﷺ تكلم بهما وهولا يقول الشعر. وأجيب بأن من شروط الشعر القصد إلى وزنه على ما مر، وهو ﵇ لم يقصد الوزن، وبأنه قد جاء في بعض كلامه ﷺ ما هو على تام الرجز، فيلزم أن لا يكون شعرًا. وقد تقدم القول فيه أول الكتاب. وردّ الزجّاج قول الأخفش بأن الكلمة الواقعة على وزن قطعة من الأبيات المنهوكة والمشطورة لا يكون شعرًا حتى يكثر ويتكرر، وأما إذا يتكرر فليست شعرًا. قلتُ: يريد بهذا ما جهل فيه قصد قائله إلى الوزن لا يحمل على الشعر إلا إذا كثر وتكرر، فإن القرينة حينئذ تكون دالةً على قصد قائله للوزن فيكون شعرًا، وأما إذا لم يتكرر فلا قرينة تدلّ على القصد، فلمْ يجعل شعرًا لذلك. أما إذا فرض أن قائلًا قصد الوزن عل نمط المشطور والمنهوك من أول الأمر ولم ينظم منه غير بيت واحد لأطلقنا عليه الشعر لتحقق القصد فيه إلى الوزن، فتأمله. التنبيه االثاني: استدرك بعضهم للرجز عروضًا أخرى مقطوعةً ذات ضرب مماثل لها، وأنشد على ذلك:
لأطرقنَّ حضهمْ صباحًا وأبركنَّ مبركَ النعامهْ
وكذلك حكوا جواز القطع في المشطور وجعلوا منه:
يا صاحبي رحلى أقلا عذلى
والخليل رخمه اله يجعل هذا من السريع كما سيأتي، إلا أنهم اتفقوا على جواز استعمال القطع مع التمام في ضرب الأرجوزة المشطورة إجرلء للعلة مجرى الزحاف، كقول امرأةٍ من جديس:
لا أحدٌ أذلُّ من جديس أهكذا يفعل بالعروس
يرضى بهذا يا لقومي حرُّ أهدى وقد أعطى وسيق المهر
لخوضهُ بحر الردى بنفسه خيرٌ من أن يفعل ذا بعرسهِ
وعليه قول لآخر:
والنفس من أنفس شيءٍ خلقا فكنْ عليها ما حييت مشفقا
ولا تسلط جاهلًا عليها فقد يسوق حتفها إليها
قال ابن بري: وهذا أكثر ما يستعمله المحثون في الأراجيز المشطورة المزدوجة. قال: ولقائلٍ أن يقول إن كل شطرين من ذلك شعرٌ على حدته، إلا أنه لا يسمى قصيدةُ حتى ينتهي إلى سبعة أشطار فما زاد. قلت: الذي يظهر لي في هذا أن يجعل كلّ شطرين من ذلك شعرًا على حدته، ولا يجعل ذلك كله قصيدةً واحدة وإنْ تجاوزت الأبيات سبعةً، لأنهم لا يلتزمون إجراءها على روي واحد ولا على حركة واحدة، بل يجمعون فيها بين الحروف المختلفة المخارج بالقرب والبعد والحركات الثلاث، لا يتحاشون ذلك ولا اختلاف أوزان الضرب، وإنما يلتزمون ذلك في كلّ شطرين، فهو جعلنا الكلّ قصيدة واحدة للزم وجود الإكفاء والإجازة والإقواء والإصراف في القصيد الواحدة، وتكررُ ذلك فيها، وتلك عيوبٌ يجب اجتنابها، وهم لا يعدون مثل ذلك في هذه الأراجيز عيبًا، ولا تجد نكيرًا لذلك من العلماء، فدلّ على ما قلناه. ثم قال ابن بري: وحكي بعض العروضيين جواز استعمال الحذذ والتسبيغ في مشطور الرجز، أنشد البكري:
[ ٦٤ ]
أنا ابن حربٍ ومعي مخراق
أضربهم بصارمٍ رقراق
إذ كرهَ الموت أبو إسحق
وجاشت النفسُ على التَّراق
قال ابن بري: وقياسُ مذهب الخليل حمل هذا على الإقواء وهو قبيح هنا. قلت: كأنه يريد أن القوافي لو أطلقت لكنت الأولى محركةً بالضم. والثانية والرابعة متحركتين بالكسر، والثالثة متحركة بالفتح ضرورة أن «إسحق» غير منصرف وهو مجرور فيجر بالفتحة، فيلزم اجتماع الفتح مع الضم والكسر وهو قبيح. فإن أراد هذا، وهو الظاهر، قلنا: غير المنصرف يجوز أن يجر بالكسرة للضرورة، فلم لا يجر هنا، على تقدير الإطلاق، بالكسرة للضرورة إذ هو محل ضرورة، وينتفي القبحُ على هذا التقدير. ثم قال ابن بري: وللعرب تصرفٌ واتساع في الرجز لكثرته في كلامهم في مواطن الحرب ومقامات الفخر والملاحاة. قال الزجاج: الرجز وزن يسهل في السمع ويقوم في النفس، ولذلك جاز أن يقع فيه النهك والجزء والشطر. قال: ولو جاء منه شعر على جزء واحد مقفى لا حتمل ذلك لحسن بنائه، كقول عبد الصّمد بنِ المعدل:
قالت خبلْ ماذا الخجلْ هذا الرجلْ حين احتفلْ أهدى بصلْ
فجاء بالقصيدة كلها على مستفعلن كما ترى، وهذا النوع لم يسمع منه شيء للعرب، وأقلُّ ما سمع لهم ما كان على جزأين، كقول دريد بن الصّمة يوم هوزان:
ياليتني فيها جذعْ أخبُّ فيها وأضعْ
انتهى كلام ابن يرى.