قال:
وطيك بعد الخبن خبل وبعد أن تقدم إضمار هو الخزل يا فتى
وكفك بعد الخبن شكل وبعد أن جرى العصب نقص كل ذا الباب مجتوى
أقول: إذا اجتمع في الجزء الخبن والطي، كما إذا حذفت سين مستفعلن المجموع الوتد بالخبن، وفأوه بالطي، فصار متعلن سمي بذلك خبلًا، والجزء مخبول. أخذ ذلك من الخبال، وهو الفساد والاختلال. ويقال يدٌ مخبولة إذا كانت مختلة معتلة، فكلأن الجزء لما ذهب ثانيه ورابعه شبه بالذي اعتلت يداه.
وإذا اجتمع في الجزء الطي والإضمار، وذلك لا يكون إلا في (متفاعلن) فتسكن تاؤه بالإضمار وتحذف ألفه بالطي فيصير (متفعلن) فهذا هو المسمى بالخزل. يقال بالخاء المعجمة، وبالجيم، ومعناه القطع. ومنه سنام مخزول إذا قطع لما يصيبه من الدبر، فكأن الجزء لما تكرر عليه الإعلال شبه بالسنام الذي أصابه الدبر ثم قطع فاجتمع عليه إعلالان.
واجتماع الخبن والكف شكلٌ، مثل (فاعلاتن) المجموع الوتد تحذف ألفه بالخبن، ونونه بالكف فيصير (فعلات) . والشكل مصدر من قولك شكلت الدابة وغيرها بالشكال أشكلها شكلًا إذا قيدتها، وشكلت الكتاب كذلك، فكأن الجزء لما حذف أخره وما يلي أوله شبه بالدابة التي شكلت يدها ورجلها لأن الجزء يمتنع بذلك من إنطلاق الصوت وامتداده كما تمتنع الدابة بالشكل من امتداد قوائمها في عدوها.
واجتماع الكف والعصب نقصٌ، وذلك لا يكون إلا في (مفاعلتن) فتسكن لامه بالعصب، وتحذف نونه بالكف، فيصير مفاعلت، ويسمى الجزء منقوصًا لما نقص منه بالحذف والتسكين.
وقوله (كل ذا الباب مجتوى) يعني أن جميع ما ذكره في هذا الباب من الزحافات المزدوجة قبيح مستكره، وهو المراد بقوله (مجتوى) من قولك: اجتويت الموضع، إذا كرهت المقام به، ومنه حديث العرنيين (فاجيووا المدينة) .
ولا يلزم من كون جميع أنواع ها الباب قبيحةً أن يكون كل ما في الباب السابق حسنًا، بل الأمر في ذلك مختلفًا، فتارةً يكون حسنًا وتارة يكون صالحًا، وتارةً يكون قبيحًا. فالحسن ما كثر استعماله وتساوى عند ذوي الطبع السليم نقصان النظم به وكماله، كقبض (فعولن) في الطويل. والقبيح ما قل استعماله، وشق على الطباع السليمة احتماله، كالكف في الطويل. والصالح ما توسط بين الحالين ولم يلتحق بأحد النوعين، كالقبض في سباعي الطويل، إلى أنه إذا أكثر منه التحق بقسم القبيح، فينبغي للشاعر أن يستعمل من ذلك ما طاب ذوقه وعذب سوقه، ولا يسامح نفسه فيعتمد الزحاف المستكره إتكالًا على جوازه، فيأتي نظمه ناقص الطلاوة قليل الحلاوة، وإن كان معناه في الغاية التي تستجاب. اللهم إلا أن يستعمل من ذلك ما قل وخف عند الحاجة والاضطرار.
[ ٢٦ ]
قال ابن برى بآثر هذا الكلام: وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول الأصمعي: الزحاف في الشعر كالرخصة في الدين لا يقدم عليها إلا الفقيه لأن الرخصة إنما تكون للضرورة. وإذا سوغت فلا يستكثر منها. فإن قلت: أما ادعاء الناظم أن الطي واقع بعد الإضمار في الخزل، وأن الكف واقع بعد العصب في النقص فواضح، وذلك لأن الإضمار إذا قدر وقوعه أولًا بقي محل الطي، وهو الرابع الساكن، والعصب إذا قدر وقوعه أولًا بقي محل الكف، وهو السابع الساكن، فيجد حينئذ كل من الطي والكف محل قابلًا لوقوعه، وهذا ظاهر، لإخفاء به. وأما ادعاؤه أن الطي وقع بين الخبن في الخبل، وأن الكف وقع بعد الخلن في الشكل، فليس بظاهر، وذلك لأنك إذا خبنت (مستفعلن) المجموع الوتد أولًا بأن حذفت سينه، وأردت طيه بحذف الفاء وجدت محل الطي مفقودًا، وذلك لأنه إنما يحل في الرابع الساكن، والفاء الساكنة صارت ثالثة لا رابعة، وكذا إذا خبنت (فاعلاتن) المجموع الوتد بأن حذفت ألفه وأردت كفه بعد ذلك بحذف النون وجدتها سادسة لا سابعة، ففقد محل وقوع الكف، فكان ينبغي في مثل هذا أن يقدر الثاني أولًا، وذلك بأن يقدر وقوع الطي والكف قبل الخبل فيصير الثاني ساكن قبل الخبن ثابتًا في مركزه فيجد الخبن محلًا لدخوله، ولا ضير حينئذِ.
قلت: هذا كلامٌ وقع لبعض العروضيين ورده بعض الحذاق بأن دخول الزحاف الثاني على الجزء إنما هو بالنظر إليه قبل التغيير الأول، لأن التغيير طارئ فلا ينظر إلى حالته، وحينئذ فالطي إنما دخل في حرف رابع ساكن، والكف إنما دخل في سابع ساكن، وأيضًا فما ذكر في السؤال أنه ينبغي تقديره هو تقدير على خلاف الواقع، لأن المتكلم إذا تلفظ بالجزء وأدخل فيه تغييرين فإنما يدخلهما فيه حال تلفظه به، الأول فالأول، فوجب أن يكون التقدير كذلك ليطابق الواقع.