أقول: قال الخليل: سمي سريعًا لأنه يسرع على اللسان. وقيل: لأنه لما كان في كل ثلاثة أجزاء منه لفظ سبعة أسباب، لأن أول الوتد المفروق لفظه لفظ السبب، وكانت الأسباب أسرع من الأوتاد، سمي سريعًا لذلك. قال ابن بري: وهذا معنى قول الخليل. وهو مبنيّ في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مستفعلن مستفعلن مفعولاتُ، مستفعلن مستفعلن مفعولاتُ قال:
طغى دون شامٍ محولٌ لا لقيل ما به النشر في حافات رحلى قد نما
أردْ من طريفٍ في الطريق وفاءه ولا بدّ إن أخطأت من طلب الرضا
أقول الطاء من «طغى» إشارة إلى أن هذا هو التاسع من البحور، والدال من «دون» إشارة إلى أن له أربع أعاريض، والواو إشارة إلى أن له ستة أضرب. قال الشريف: «وينبغي أن يكون ضبط «طغى» بضم الطاء وكسر الغين، لأن الياء ملغاة، ولا يصح إلغاء الألف يوقع في الالتباس، إذ قد يتوهم القارئ أنها عبارة عن العروض وأن عروض هذا البحر واحدة، وأما الياء فلا تقع مع إلغائها التباس لأنه قد أخبر قبل أن غاية ما يبلغ به عدد الأعاريض أربع، وذلك قوله قبل هذا: «وغايتها سين فدال»، إذ الدال هنالك عبارة عن أقصى ما يبلغ إليه عدد الأعاريض» انتهى. قلت «طغى» فعل لازم، فإن جعل مبنيًا للمفعول لم يكن النائب عن الفاعل في بيت الناظم إلا الظرف، وهو قوله «دون شام»، وفيه نظر، لأن هذا الظرف نادر التصرف، والظرف النائب عن الفاعل لا بد أن يكون متصرفًا على المختار. فإن قلت: بناؤه للفاعل يستدعى كونه بالألف فيقع الإلباس المحذور كما قال الشارح فكيف السبيل إلى دفعه؟ قلت: هذا الفعل فيه لغتان إحداهما طغى طغوا، بفتح الطاء والغين وبعدها ألف منقلبة عن واو، فالإلباس على هذا التقدير متوقع، الثانية «طغى» طغيانًا بفتح الطاء وكسر الغين وياء بعدها، فإنما يكتب على هذا الوجه بالياء، ولك على اللغة الطائية أن تفتح الغين فتنقلب الياء ألفًا على حد قولهم في «بقى»، بقى، «ورضى» رضى. فإما أن يضبط ما في كلام الناظم على اللغة الثانية ويكون إسكان الياء ضرورةً، وإما أن يضبط بفتح الطاء والغين ويكتب بالياء بناءً على أنه من ذوات الياء وبناؤه على فعل بفتح العين على اللغة الطائية، ويزول الإلباس على هذا باعتبار الخط، فتأمله. العروض الأولى مطوية مكشوفة لها ثلاثة أضرب: الأولى مطوى موقوف، وبيته:
أزمانَ سلمى لا يرى مثلها الراؤن في شامٍ ولا في عراقْ
[ ٦٦ ]
فقوله «مثلهر» هو العروض، ووزنه فاعلن، كان أصله مفعولاتُ فكشف بحذف التاء، وطوى بحذف الواو فصار مفعلا، فنقل إلى فاعلن. وقوله «في عراقْ» هو الضرب، ووزنه فاعلان، وقفَ بإسكان التاء وطوى بحذف الواو فصار مفعلاتْ، فنقل إلى فاعلانْ. وأشار على هذا الشاهد بقوله «شام» . الضرب الثاني مثل العروض مكشوفٌ مطوى، وبيته:
هاج الهوى رسمٌ بذات الغضا مخلولقٌ مستعجمٌ مُحولُ
فقوله «تلغضا» هو العروض، وقوله «محولو» هو الضرب، وزن كلّ منهما فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «محول» ز الضرب الثالث أصلم، وبيته:
قالتولم تقصد لقيل الخنا مهىً فقد أبلغت أسماعي
فقوله «للخنا» هو العروض، وقوله «ماعى» هو الضرب وزنه «فعلن»، كان في الأصل مفعولات فدخله الصّلم بحذف «لات» منه فبقي مفعو فُنقل إلى فعلن بإسكان العين. واشار إ'لى هذا الشاهد بقوله «لقيل» . العروض الثانية مخبولة مكشوفة لها ضرب واحد مثلها، وبيته:
النشر مسك والوجوه دنا نير وأطرافُ الأكفّ عنمْ
فقوله «هُدنا» هو العروض، وقوله «فعنم» هو الضرب، وزن كل منهما فعلن بتحريك العين، وذلك لأن أصله مفعولات كشف بحذف تائه وخبل بحذف فائه وواوه فصار معلا فنقل إلى فعلن بتحريك العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «النشر» . العروض الثالثة مشطورة موقوفة ضربها مثلها وبيته.
ينصحنَ في حافاته بالأبوالْ
فقوله «بالأبوال» وزنه مفعولانْ، وهو الضرب. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «حافات» . العروض الرابعة مشطورة مكشوفة ضربها مثلها وبيته:
يا صاحبيْ رحلى أقلاّ عذلى
فقوله «لا عدْلى» وزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «رحلى» . ويدخل هذا البحر من الزّحاف الخبن والطي والخبل. فالخبن فيه صالح، والطي حسن، والخبل قبيح. وذهب أبو الحسن بن سبع ﵀ إلى أن الخبن فيه حسن، والطي صالح، على العكس من رأي الخليل، وإليه ذهب صاحب العقد. والذوق السليم يشهد للخليل، فبيت الخبن:
أردْ من الامور ما ينبغي وما تطيقهُ وما يستقيم
كل مستفعلن فيه مخبون. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «أرد» . وبيت الطي:
قال لها وهو بها عالمٌ ويحك أمثال طريفٍ قليلْ
كل مستفعلن فيه مطوي. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «طريف» . وبيت الخبل:
وبلدٍ قطعهُ عامرٌ وجملٍ نحره في الطريقْ
كل مستفعلن فيه مخبول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «في الطريق» . ويدخل الخبن أيضًا في المشطور الموقوف، وبيته:
لابدّ منهُ فانحدْرن وارقين
فقوله «نورقين» وزنه فعولان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «ولابد» ويدخل أيضًا الخبن في المشطور المكشوف وبيته:
يا ربِّ إنْ أخطأت أو نسيتُ
فقوله «نسيتُ» وزنه فعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله «إنْ أخطات» . «تنبيهات» الأول: أثبتَ بعضهم للعروض الثانية ضربًا أصلم كقوله:
يا أيها الزارى على عُمرٍ قد قلت فيه غير ما تعلمْ
وعلى ذلك مشى ابن السقاط وابن الحاجب وكثير من العروضيين. قال ابن بري: ويجوز اجتماع هذا الضرب الأصلم مع الضرب الآخر في قصيدة واحدة كقول المُرقّش:
االنشر مسكٌ والوجوه دنا نير وأطراف الأكف عنمْ
مع قوله:
ليس على طول الحياة ندم ومن وراء الموتِ ما يعلمُ
قال: وإنما جاز ذلك في السريع لأنه صير فيه مفعولات بالخبل والكشف إلى فعلن بكسر العين، فكأنه في الأصل فعلن فسكّن تخفيفًا كما فعل ذلك في فعلن الناشئ عن متفاعلن بالحذذ والإضمار، وإلى هذا نحا الزجّاج. قال ابن بري: وفيه نظر، لأنه قاس فعلن في السريع، في جواز تسكينه على فعلن في الكامل والأمر فيهما مختلف، فإن العين في الكامل ثاني سبب فيجوز إسكانها بالإضمار، وهي في فعلن في السريع أول سبب، وأوائل الأسباب لا تغير
[ ٦٧ ]
واعترضه الصفاقسي بأن عين فعلن المتحركة في هذا البحر إنما هي أول سبب نظرًا إلى الجزء الأصلي، وأما بعد دخول الخبل والكشف فيه فقد صارت ثاني سبب فلم قلم إن زحافها نظرًا إلى ما صارت إليه ممتنعٌ لا بد له من دليل؟ ألا أن الجمهور لا يجوزون خرم بيتٍ أوله سبب فإذا زوحف السبب بحذف ثانيه فصار أول الجزء على هيئة الوتد المجموع أجازوه فيه نظرًا إلى ما صار إليه؟ فكذلك نقول في هذا. قلت: لا نسلّم أن ثاني فعلن بعد خبل الجزء وكشفه صار ثاني سبب ثقيل، ويكاد القول بذلك يكون خرقًا لإجماعهم، وأما نسبة القول بجواز الخرم فيما صارفي المآل على هيئة وتد مجموع إلى الجمهور فباطلةٌ، بل الجمهور على خلافها. التنبيه الثاني: إنما لم يستعمل مفعولات في السريع على أصله لضعفه بالوتد المفروق الذي أوله يشبه لفظ السبب، فاستعمل في العروض مطويًا مكشوفًا ليقع وسط البيت ما فيه لفظ الوتد وهو فاعلن ثم غير الضرب لأن بقاءه على أصله يؤدي إلى الوقوف على المتحرك. التنبيه الثالث: إنما لم يدخل الجزء في هذا البحر لئلا يلتبس بمجزوء الرّجز. وما ورد من مستفعلن مربّعًا حُمل على أنه من الرجز، لأن هذا الجزء المحذوف حينئذ من الرجز موافق للباقي فيكون دليلًا عليه ولا كذلك في السريع، قاله الزجّاج.