قال:
إذا السببان استجمعا لهما النجا أو الفرد حتمًا فالمعاقبة اسم ذا
أقول: إذا اجتمع السببان ولم تجز مزاحفتهما جميعًا، بل وجب أد الأمرين، إما سلامتهما معًا أو سلامة أحدهما فذلك هو المعاقبة. فقول الناظم (لهما النجا) جملةٌ في موضع الحال من ضمير (استجمعا) . وقوله (أو الفرق) معطوفٌ على الضمير المجرور بدون إعادة الخافض، على مذهب من يراه من النحاة.
فإن قلت: أين الرابط للحال بصاحبها من المعطوف؟ قلت محذوفًا إذ التقدير أو الفرق منهما. وقوله (حتمًا) حال من (النجا) الذي هو مبتدأ أو من ضميره المستكن في الظرف المستقر، وهو خبره المقدم، إما على أن يقدر ذا حتم، أي وجوبًا، أو يجعل بمعنى محتومًا، أي واجبًا، أو يجعل المصدر نفسه حالًا على جهة المبالغة.
فإن قلت: كيف سوغت الحال من المبتدأ وهم يطلقون القول بمنعه بنا على أن العامل في الحال هو العامل في صاحبها، والابتداء لا يصلح للعمل في الحال، قلت: هذا على حد قوله:
لمية موحشًا طلل
فصاحب الحال عند سيبويه النكرة، وهو عنده مرفوع بالابتداء، والناصب للحال الاستقرار الذي تعلق به الظرف، فما أجزته في بيت الناظم هو مثل هذا سواء، وظهر أن مقتضى ما وقع لسيبويه هنا أنه لا يلتزم صحة قوله: والعامل في الحال هو العامل في صاحبها والله تعالى أعلم.
قال: للأول أو ثانيه أو لكليهما اسم صدر وعجز قيل والطرفان جا أقول: السببان المجتمعان وهما محل المعاقبة تارةً يكونان في جزء واحد، وتارةً يكونان في جزأين. فمثال كونهما في جزء واحد (مفاعيلن) في الطويل والهزج، فالياء فيه تعاقب النون، فإذا دخله القبض سلم من اكف وإذا دخله الكف سلم من القبض، ولا يجوز فيه دخول القبض والكف معًا ويجوز أن يسلم منهما معًا.
ومثال مجيء المعاقبة من جزاين (فاعلاتن فاعلن) في المديد، فالنون من (فاعلاتن) تعاقب الألف من (فاعلن)، فمهما زوحف (فاعلاتن) بالكف سلم (فاعلن) بعده من الخبن، ومهما زوحف (فاعلن) بالخبن سلم (فاعلاتن) قبله من الكف، وكذا (فاعلاتن) الواقع أول عجز المديد يجتمع فيه سببان قبليان، وسببان بعديان، وذلك لأن تفعيله هكذا:
فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن
[ ٢٧ ]
فالمعاقبة أيضًا متصورة بين نون (فاعلاتن) الواقع آخر الصدر وألف (فاعلاتن) الواقع أول العجز، وبين نون (فاعلاتن) هذه وألف (فاعلن) الواقعة بعدها، فتتصور هنا ثلاثة أسماء ذكرها الجماعة وهي: الصدر، والعجز والطرفان.
فأما الصدر فهو ما زوحف أوله لسلامة ما قبله، كقولك هنا: فاعلاتن فعلاتن. سمي بذلك لوقوع الحذف في صدر الجزء.
والعجز هو ما زوحف آخره لسلامة ما بعده كقولك: فاعلاتُ فاعلن. سمي بذلك لوقوع الحذف في عجز الجزء. والطرفان ما زوحف أوله لسلامة ما قبله، وآخره لسلامة ما بعده، كقولك هنا: فاعلاتن فعلات فاعلن، فحينئذ إنما يقع الطرفان في الجزء الذي هو أول العجز بشكلِ فتثبت نون (فاعلاتن) قبله وألف (فاعلن) بعده.
هذا ما قالوه وهو واضح، ولا التزم تنزيله على كلام الناظم. فإن عباراته لا تفي بالمقصود، ولم يشف الشارح الشريف في تقريرها.
قال: وعاد للناظم في هذا البيت بين أول شطريه وآخرهما، فرد الصدر إلى الأول والعجز إلى ثانيه، والطرفين إلى كليهما. وسكن الناظم العجز تخفيفًا على حد قولهم في عضد عضد، وكتف كتف. هذا كلامه. قال:
تحل بيحدو كاهن بي وجزؤها بريء متى تفقد وقد جاز أن ترى
أقول: يعني أن المعاقبة تحل في الأبحر المرموز لها في قوله (يحد وكاهن بي) الباء الأولى ليست رمزًا وإنما هي ظرفية والباء الأخيرة ليست من الرمز لأنها تقدمت فأشار بالياء إلى البحر العاشر وهو المنسرح، والمعاقبة فيه واقعة في (مستفعلن) الذي بعد (مفعولات)، فتعاقب فاؤه سينه وذلك لأنهما لو أسقط حتى يصير الجزء إلى (فعلتن) وقبلها تاء (مفعولات) لاجتمع خمسة حركات، وذلك لا يتصور وقوعه في شعر عربي أبدًا. والحاء إشارة إلى البحر الثامن وهو الرمل، والمعاقبة فيه واقعة بين نون (فاعلاتن) وألف الجزء الذي بعده.
والدال 'إشارة إلى البحر الرابع وهو الوافر؛ والمعاقبة فيه تتصور بأن يعصب (مفاعلتن) فينقل إلى (مفاعيلن) فتعاقب فيه الياء النون. والواو إشارة إلى البحر السادس وهو الهزج، والمعاقبة فيه بين ياء مفاعيلن ونونه كما تقدم. والكاف إشارة إلى البحر الحادي عشر وهو الخفيف، والمعاقبة فيه بين نون (مستفع لن) وألف (فاعلاتن)، فلا يجتمع خبن الجزء الثاني مع كف الأول. والألف إشارة إلى البحر الأول وهو الطويل، والمعاقبة فيه بين نون مفاعيلن ويائه كما مر. والهاء اشارة الى البحر الخامس وهو الكامل. وبيان المعاقبة فيه أن (متفاعلن) يضمر فينقل الى مستفعلن فتعاقب سينه فاؤه. والنون إشارة إلى البحر الرابع عشر وهو المجتث، والمعاقبة فيه بين نون (مستفع لن) وألف (فاعلاتن) كما تقدم في الخفيف، وذلك لأن (مستفعل لن) فيهما مركب من سببين خفيفين ووتد مفروق بينهما. وقول الشريف (مركب من سببين خفيفين فإنهما وتد مفروق) فيه نظر يظهر بالتذكر لما سبق في أول الكتاب. والباء إشارة إلى البحر الثاني وهو المديد، فتعاقب فيه نون فاعلاتن أي في الجزء الذي بعده. وقوله: وجزؤها بريء متى تفقد، وقد جاز أن ترى (قال الشريف: يريد أن الجزء الذي يسلم من الزحاف للمعاقبة وهو سائغ فيه يسمى بريئًا. وحقيقة البريء أنه جزء عاقب بثابت حرف من أوله أو من آخره جزءًا بعده سقط من صدره، أو جزءًا قبله سقط من عجزه. فلت: وفي شرح عروض ابن الحاجب لابن واصل ما نصه. والبريء ما سلم من المعاقبة التي فيها الصدر والعجز والطرفان، وكذا قال غيره. فإذن قوله (قد جاز أن ترى) جملةٌ خاليةٌ من الضمير النائب عن الفاعل في قوله (تفقد ويتجه على الناظم اعتراض في إطلاقه القول بأن جزء المعاقبة على الصفة المذكورة بريء مع كونه مخصوصٌ بما تقدم. لكن وقع في كلام ابن بري وغيره أن البريء ما سلم من المعاقبة، فظاهره سواءٌ كانت المعاقبة مما فيه الطرفين أو لا. وهو موافق لإطلاق الناظم. قال:
ومنعك للضدين مبدأ شطري لم بأربعها كلٌ مراقبةً دعا
[ ٢٨ ]
أقول: المراقبة هي أن لا يزاحف السببان المجتمعان ولا يسلمان من الزحاف، بل لابد من مزاحفة أحدهما وسلامة الآخر. وهومراد الناظم، وذلك لأن الضدين هما مزاحفة السببين جميعًا، وسلامتهما جميعًا. فإذا امتنعا لزم مزاحفة أحدهما وسلامة الآخر، فتجامع المراقبة المعاقبة في أنه إذا حذف أحد الساكنين من السببين ثبت الآخر وجوبًا، وتفارقها في أن المعاقبة يجوز فيها إثباتهما معًا والمراقبة يمتنع فيها ذلك. ويقع الفرق بينهما أيضًا بأن المعاقبة تكون بين السببين المتلاقيين كانا في جزء واحد، أو في جزأين، فالمراقبة لا تكون إلا إذا كان السببان متجاورين في جزء واحد. وسميت مراقبةً لأنها يراقب فيها حذف أحد الساكنين فيثبت الآخر، أو ثبوته فيحذف الآخر.
وقوله (مبدأ شطر لم) يعني أن المراقبة تحل في مبدأ كل شطر من شطور البحرين المرموز لهما بالام والميم، وهما الثاني عشر وهو المضارع المشار إليه باللام والثالث عشر وهو المقتضب المشار إليه بالميم. فإن قلت علامة يعود الضمير من قوله (بأربعها)؟ قلت على مبادئ الشطور الأربعة المفهومة من السياق، وذلك لأن كل بحر له شطران، ولكل شطر منهما مبدأ، فالمضارع في الاستعمال مجزوء، زنته:
مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن فاع لاتن.
والمقتضب كذلك، وزنته:
مفعولاتُ مستفعلن مفعولاتن مستفعلن.
فمبدأ الشطر الأول من المضارع (مفاعيلن) وكذا مبدأ شطره الثاني. ومبدأ الشطر الأول من المقتضب (مفعولات) وكذا مبدأ شطره الثاني. فإذا هي أربعة مبادئ. والمرقبة ثابتة في جميعها فلا يجوز في شيء منها إثبات السببين معًا ولا حذفهما معًا. ولابد من سلامة أحدهما ومزاحفة الآخر. فإن قلت: فكيف أنث العدد والمعدود مذكر؟ قلت، مر لنا أن الكسائي يجيزه إذا كان المعدود محذوفًا، وقال به غيره. فيجوز تخريج ذلك على هذا المذهب. وجوز الشريف عود الضمير على الأسباب الأربعة في البيت، وهما اثنان في أول المصراع الأول منه واثنان في أول المصرع الثاني، وذلك (عيلن) في المصراعين من المضارع و(مفعو) في المصراعين من المقتضب. وأنث لأنه أول السبب بالكلمة أو باللفظة قال: ويسوغ أن يريد بالأربع ثواني الأسباب، وهي الحروف السواكن والحرف يذكر ويؤنث، فقال (بأربعها) فلحظ التأنيث. قال:
وأبحر طي جزِ مكانفةٌ لها بكملها فافعل بها أيها تشا
أقول: المكانفةُ هي جواز سلامة السببين المجتمعين، ومزاحفتهما معًا، وسلامة أحدهما ومزاحفة الآخر. وهو معنى قول الناظم (فافعل بها أيها تشا) وتدخل في أربعة أبحر، وهي البحر التاسع وهو السريع المرموز له بالطاء. والبحر العاشر هو المنسرح المرموز له بالياء. والبحر الثالث هو البسيط المرموز له بالجيم. والبحر السابع هو الرجز المرموز له بالزاي. وقوله (بكملها) يعني أن المكانفة إنما تدخل في هذه الأبحر في الأجزاء الكمل السالمة من نقص العلل، وذلك كضرب العروض الأولى من المنسرح، لأن الطي لازم له. قال الشريف: وذكر الناظم بحر المنسرح أولًا فيما يكون فيه المعاقبة ثم ذكره هنا فيما يسوغ فيه حذف الساكنيين معًا. ووجه ذلك أن أجزاؤه تختلف، فأما (مستفعلن) الواقع في أول شطريه فحذف الساكنين فيه جائزٌ قلت: وكذا (مفعولات) كما يؤخذ من الشواهد، ولا وجه للتخصيص بمستفعلن المذكور. وأما (مستفعلن) الذي يلي (مفعولات) فلا يجوز حذفهما فيه لأن قبله تاء (مفعولات) وهي متحركةٌ، فلو دخل (مستفعلن) الخبل لاجتمع فيه خمس متحركاتِ، ولذلك لا يعده بعض العروضيين من باب المعاقبة، إذ امتناع حذف الساكنيين إنما هو لأمر ِ عارض فيه، فتأمله، انتهى كلامه. فإن قلت: كيف ساغ الابتداء بقوله (مكانفة) وهي نكرة محضة لا مسوغ للإبتداء بها؟ قلت هي موصوفة بقوله (لها) والخبر قوله (بكملها) فالمسوغ موجود فلا إشكال.