قال القرطبي في قوله تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) (١)
"أجمع العلماء على أن: هذه الآية من المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ، وكذلك هي في جميع الكتب؛ ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب" (٢) أ. هـ.
وقال ابن القيم: "قال تعالى: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) (٣). ولم يقل: إلهكم، والرب: هو السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح، والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها، فلا شيء أوجب (٤) في العقول والفطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له (٥) أ. هـ.
وقال ﵀ في قوله تعالى (وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) (٦):
"أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفًا لهم، ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب في العقول، مستهجن تركها، قبيح الإخلال بها؛ فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه، ونعمه كلها بعد تابعة لإيجاده وخلقه.
وقد جبل الله العقول والفطر على: شكر النعم، ومحبة المحسن. ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك؛ فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع" (٧) أ. هـ.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٣٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٨٠).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢١.
(٤) الوجوب هنا بمعنى: استحالة قبول العقول المجبولة من قبل فاطرها لعبادة غيره - سبحانه - ولو لم يرد بذلك شرع، ومن ثم كان العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك.
(٥) بدائع التفسير (١/ ٢٨٨).
(٦) سورة يس، الآية: ٢٢.
(٧) بدائع التفسير: (٣/ ٤٧٧).
[ ٨٩ ]
وقال ﵀ - في رده على نفاة التحسين والتقبيح الذاتي للأفعال (١):
"قولكم: فكيف يعرفنا العقل وجوبًا: على نفسه بالمعرفة، وعلى الجوارح بالطاعة، وعلى الرب بالثواب والعقاب.
(فيقال): وأي استبعاد في ذلك؟ وما الذي يحيله؟ فقد عرفنا العقل من الواجبات عليه ما يقبح من العبد تركها. كما عرفنا، وعرف أهل العقول، وذوي الفطر التي لم تتواطأ على الأقوال الفاسدة: وجوب الإقرار بالله وربوبيته وشكر نعمته ومحبته، وعرفنا قبح الإشراك به، والإعراض عنه، ونسبته إلى ما لا يليق به. وعرفنا: قبح الفواحش والظلم والإساءة والفجور والكذب والبهت والإثم والبغي والعدوان، فكيف نستبعد منه أن يعرفنا وجوبًا على نفسه بالمعرفة، وعلى الجوارح - بالشكر المقدور المستحسن في العقول التي جاءت الشرائع بتفصيل ما أدركه العقل منه جملة، وبتقرير ما أدركه تفصيلًا.
وأما الوجوب على الله بالثواب والعقاب فهذا مما تتباين فيه الطائفتان أعظم تباين. فأثبتت القدرية من المعتزلة عليه تعالى وجوبًا عقليًا، وضعوه شريعة له بعقولهم، وحرموا عليه الخروج عنه، وشوّهوا (٢) في ذلك كله بخلقه، وبدّعهم في ذلك سائر الطوائف وسفهوا رأيهم فيه، وبينوا مناقضتهم وألزموهم بما لا محيد لهم عنه.
ونفت الجبرية أن يجب عليه ما أوجبه على نفسه، ويحرم عليه ما حرمه على نفسه، وجوّزوا عليه ما يتعالى ويتنزّه عنه، وما لا يليق بجلاله مما حرمه على نفسه، وجوّزوا عليه ترك ما أوجبه على نفسه مما يتعالى ويتنزه عن تركه وفعل ضدّه. فتباين الطائفتان أعظم تباين.
وهدى الله الذين آمنوا - أهل السنة الوسط - للطريقة المثلى التي جاء بها
_________________
(١) ستأتي تلك المسألة في بحث مستقل بمشيئة الله وعونه.
(٢) هكذا في الأصل وإن كان السياق يقتضي وضع "وشبهوه".
[ ٩٠ ]
رسوله ونزل بها كتابه، وهي أن العقول البشرية - بل وسائر المخلوقات - لا توجب على ربها شيئًا ولا تحرمه، وأنه يتعالى ويتنزه عن ذلك. وأما ما كتبه على نفسه وحرمه على نفسه فإنه لا يخل به، ولا يقع منه خلافه؛ فهو إيجاب منه على نفسه بنفسه وتحريم منه على نفسه بنفسه؛ فليس فوقه تعالى موجب ولا محرّم" (١) أ. هـ.
وقال الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد ابن المنير المالكي - متعقبًا الزمخشري في مسألة وجوب النظر العقلي في أدلة التوحيد: -
"وأما وجوب (٢) النظر في أدلة التوحيد فإنما يثبت بالسمع لا بالعقل، وإن كان حصول المعرفة بالله وتوحيده غير موقوف على ورود السمع، بل محض العقل كاف فيه باتفاق" (٣) أ. هـ.
وقال ابن تيمية: "وكثير من هؤلاء - أي الذين يظنون أن العقل غير مستقل بإدراك التوحيد - يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل: كالمعاد وحسن التوحيد والعدل والصدق، وقبح الشرك والظلم والكذب.
والقرآن يبين الأدلة العقلية الدالة على ذلك، وينكر على من لم يستدل بها؛ ويبين أنه بالعقل يعرف: المعاد، وحسن عبادته وحده، وحسن شكره، وقبح الشرك وكفر نعمه، كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع" (٤) أ. هـ.
وقال ﵀ في قوله تعالى (مَاذَا تَعْبُدُونَ، أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ - إلى قوله تعالى - أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ
_________________
(١) مفتاح دار السعادة /٤١٢: ٤١٣.
(٢) أي: الوجوب المقتضي لعذاب تاركه فهذا محله السمع لقوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥].
(٣) الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال وهو بحاشية تفسير الكشاف للزمخشري (١/ ٢٧٥) مطبعة الحلبي وأولاده لمصر.
(٤) مجموع الفتاوى (١٦/ ٢٥٢: ٢٥٣).
[ ٩١ ]
وَمَا تَعْمَلُونَ) (١).
"فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي، وقبل إنكاره عليهم ولهذا استفهم استفهام منكر فقال: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) أي: وخلق ما تنحتون. فكيف يجوز أن تعبدوا ما تصنعون بأيدكم وتدعون رب العالمين؟ فلولا أن حسن التوحيد، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا؛ إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه" (٢) أ. هـ.
وقال ابن القيم في قوله تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (٣):
"أي: لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد غير الله لفسدتا وبطلتا. ولم يقل "أرباب" بل قال "آلهة" - والإله هو المعبود والمألوه - وهذا يدل على أنه من الممتنع المستحيل عقلا أن يشرع الله عبادة غيره أبدًا، وأنه لو كان معه معبود سواه لفسدت السموات والأرض. فقبح عبادة غير الله قد استقر في الفطر والعقول وإن لم يرد بالنهي عنه شرع، بل العقل يدل على أنه أقبح القبيح على الإطلاق، ومن المحال أن يشرعه الله قط؛ فصلاح العالم في أن يكون الله وحده هو المعبود، وفساده وهلاكه في أن يعبد معه غيره. ومحال أن يشرع لعباده ما فيه فساد العالم وهلاكه؛ بل هو المنزه عن ذلك" أ. هـ.
إن حسن التوحيد وقبح الشرك من أثبت الثوابت وأركز المرتكزات في الفطر والعقول. ومن ثمّ استحال جواز الشرك فيهما ما دامت السماء سماء
_________________
(١) سورة الصافات، الآيات: ٨٥ - ٩٦.
(٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٨١: ٦٨٢).
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٢.
[ ٩٢ ]
والأرض أرضًا. فحسن التوحيد وقبح الشرك حقيقة ثابتة راسخة، ولو لم ترسل الرسل وتنزل الكتب. فالعقل قاطع بوجوب عبادة الفاطر الخالق، المربي المنعم، المالك لجلب النفع، ولدفع الضر، وكذا يقطع بحرمة عبادة كل مخلوق مربوب محدث.
وقد هيأ الله العقول للقيام بالبراهين الباهرة والحجج الدامغة والأدلة الدالة على تلك الحقيقة التي كانت سببًا لانبثاق كافة الحقائق؛ وبهذا كانت الفطر والعقول من أقوى مستندات النبيين والمرسلين على الملحدين والمشركين. وبذلك أصبح العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك، ولو لم يرد بحرمته شرع.
* * *
[ ٩٣ ]