قال ابن تيمية: في بيان أن الرسول - ﷺ - أول ما أنزل عليه بيان أصول الدين وهي: الأدلة العقلية الدالة على ثبوت الصانع وتوحيده وصدق رسوله - ﷺ - وعلى المعاد إمكانًا ووقوعًا:
"وقد ذكرنا فيما تقدم هذا الأصل غير مرة، وأن الرسول - ﷺ - بين الأدلة العقلية والسمعية التي يهتدي بها الناس إلى دينهم، وما فيه نجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وأن الذين ابتدعوا أصولا تخالف بعض ما جاء به هي أصول دينهم، لا أصول دينه. وهي باطلة عقلاَ وسمعًا، كما قد بسط في غير موضع. وبين أن كثيرًا من المنتسبين إلى العلم والدين قاصرون أو مقصرون في معرفة ما جاء به من الدلائل السمعية والعقلية.
فطائفة: قد ابتدعت أصولا تخالف ما جاء به من هذا وهذا.
وطائفة: رأت أن ذلك بدعة فأعرضت عنه، وصاروا ينتسبون إلى السنة لسلامتهم من بدعة أولئك. ولكن هم مع ذلك لم يتبعوا السنة على وجهها، ولا قاموا بما جاء به من الدلائل السمعية والعقلية. بل الذي يخبر به من السمعيات - مما يخبر به عن ربه وعن اليوم الآخر - غايتهم أن يؤمنوا بلفظه من غير تصور لما أخبر به. بل قد يقولون مع هذا: إنه نفسه لم يكن يعلم معنى ما أخبر به، لأن ذلك عندهم هو تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.
وأما الأدلة العقلية فقد لا يتصورون أنه أتى بالأصول العقلية الدالة على ما يخبر به كالأدلة على التوحيد والصفات. ومنهم من يقر بأنه جاء بهذا - مجملا، ولا يعرف أدلته. بل قد يظن أن ما يستدل به كالاستدلال بخلق الإنسان على حدوث جواهره - هو دليل الرسول.
وكثير من هؤلاء يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل:
[ ١٠٨ ]
كالمعاد، وحسن التوحيد والعدل والصدق، وقبح الشرك والظلم. والكذب. والقرآن يبين الأدلة العقلية الدالة على ذلك. وينكر على من لم يستدل بها. وييبن أنه بالعقل يعرف: المعاد، وحسن عبادته وحده، وحسن شكره، وقبح الشرك، وكفر نعمه، كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع.
وكثير من الناس يكون هذا في فطرته، وهو ينكر تحسين العقل وتقبيحه إذا صنف في أصول الدين على طريقة النفاة الجبرية - أتباع جهم - وهذا موجود في عامة ما يقوله المبطلون: يقولون بفطرتهم ما يناقض ما يقولونه في اعتقادهم البدعي.
وقد ذكر أبو عبد الله - ابن الجد الأعلى - أنه سمع أبا الفرج بن الجوزي ينشد في مجلس وعظه البيتين المعروفين:
هب (ألبعث) لم تأتنا رُسْله وجاحمة النار لم تُضرمِ
أليس من الواجب المستحق حياء العباد من المنعم؟
فقد صح في هذا بأنه من الواجب المستحق حياء الخلق من الخالق المنعم. وهذا تصريح بأن شكره واجب مستحق، ولو لم يكن وعيد، ولا رسالة أخبرت بجزاء. وهو يبين ثبوت الوجوب والاستحقاق وإن قدر أنه لا عذاب. وهذا فيه نزاع قد ذكرناه في غير هذا الموضع، وبينا أن هذا هو الصحيح.
ونتيجة فعل المنهى: انخفاض المنزلة وسلب كثير من النعم التي كان فيها، وإن كان لا يعاقب بالضرر. ويبين أن الوجوب والاستحقاق يعلم بالبديهة. فتارك الواجب وفاعل القبيح وإن لم يعذب بالآلام كالنار فيسلب من النعم وأسبابه ما يكون جزاءه. وهذا جزاء من لم يشكر النعمه - بل كفرها - أن يسلبها. فالشكر قيد النعم، وهو موجب للمزيد. والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب، وقبل ذلك ينقص النعمة ولا يزيد.
[ ١٠٩ ]
مع أنه لا بد من إرسال رسول يستحق معه النعيم أو العذاب، فإنه ما ثم دار إلا الجنة أو النار" (١) أ. هـ.
وقال ﵀: وكذلك "العقليات الصريحة" إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحًا لم تكن إلا حقًا، لا تناقض شيئًا مما قاله الرسول، والقرآن قد دل على الأدلة العقلية التي بها: يعرف الصانع وتوحيده، وصفاته، وصدق رسله، وبها يعرف إمكان المعاد. ففي القرآن من بيان أصول الدين التي تعلم مقدماتها بالعقل الصريح ما لا يوجد مثله في كلام أحد من الناس، بل عامة ما يأتي به حذاق النظار من الأدلة العقلية يأتي القرآن بخلاصتها وبما هو أحسن منها.
قال تعالى: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) وقال: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) وقال: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (٢) أ. هـ.
وقال ﵀: "وقد بينا في غير هذا الموضع أن الأدلة العقلية والسمعية متلازمة، كل منهما مستلزم صحة الآخر. فالأدلة العقلية تستلزم صدق الرسل فيما أخبروا به، والأدلة السمعية فيها بيان الأدلة العقلية التي بها: يعرف الله، وتوحيده، وصفاته، وصدق أنبيائه.
ولكن من الناس من ظن أن السمعيات ليس فيها عقلي. والعقليات لا تتضمن السمعي. ثم افترقوا فمنهم من رجح السمعيات، وطعن في العقليات، ومنهم من عكس.
وكلا الطائفتين مقصر في المعرفة بحقائق الأدلة السمعية والعقلية. ثم تجد هؤلاء وهؤلاء في أتباع الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم" (٣) أ. هـ.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٢٥١ - ٢٥٤).
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٨١).
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٢٥).
[ ١١٠ ]
وقد أفاض القرآن من ذكر الأدلة العقلية والبراهين اليقينية الدالة على: التوحيد، وإثبات الصفات، والمعاد، وصدق الرسالات، والتي تقيم صحة مقتضى الأخبار الدالة على أصول الدين. فالعقل المستقيم موافق للشرع القويم، وكلاهما قسيم الابتداع والإحداث.
قال ابن تيمية: "كون الدليل عقليا أو سمعيا ليس هو صفة تقتضي مدحا ولا ذما، ولا صحة ولا فسادا، بل ذلك يبين الطريق الذي به علم، وهو السمع أو العقل، وإن كان السمع لا بد معه من العقل، وكذلك كونه عقليا أو نقليا، وأما كونه شرعيا فلا يقابل بكونه عقليا، وإنما يقابل بكون بدعيا، إذ البدعة تقابل الشرعة، وكونه شرعيا صفة مدح، وكونه بدعيا صفة ذم، وما خلاف الشريعة فهو باطل.
ثم الشرعي قد يكون سمعيا وقد يكون عقليا، فإن كون الدليل شرعيا يراد به كون الشرع أثبته ودل عليه، ويراد به كون الشرع أباحه وأذن فيه، فإذا أريد بالشرعي ما أثبته الشرع، فإما أن يكون معلوما بالعقل أيضا، ولكن الشرع نبه عليه ودل عليه، فيكون شرعيا عقليا.
وهكذا كالأدلة التي نبه الله تعالى عليها في كتابه العزيز، من الأمثال المضروبة وغيرها الدالة على توحيده وصدق رسله، وإثبات صفاته، وعلى المعاد، فتلك كلها أدلة عقلية يُعلم صحتها بالعقل، وهي براهين ومقاييس عقلية، وهي مع ذلك شرعية.
وإما أن يكون الدليل الشرعي لا يُعلم إلا بمجرد خبر الصادق، فإنه إذا أخبر بما لا يُعلم إلا بخبره كان ذلك شرعيًا سمعيا.
وكثير من أهل الكلام يظن أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط، وأن الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه. ولهذا يجعلون أصول
[ ١١١ ]
الدين نوعين: العقليات، والسمعيات، ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة.
وهذا غلط منهم، بل القرآن دل على الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها، وإن كان من الأدلة العقلية ما يعلم بالعيان ولوازمه، كما قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (١).
وأما إذا أريد بالشرعي ما أباحه الشرع وأذن فيه، فيدخل في ذلك ما أخبر به الصادق، وما دل عليه ونبه عليه القرآن، وما دلت عليه وشهدت به الموجودات" (٢) أ. هـ.
وقال ابن القيم: "إن أدلة القرآن والسنة التي يسميها هؤلاء (٣) الأدلة اللفظية، نوعان:
أحدهما: يدل بمجرد الخبر.
والثاني: يدل بطريق التنبيه والإرشاد على الدليل العقلي.
والقرآن مملوء من ذكر الأدلة العقلية التي هي آيات الله الدالة عليه، وعلى ربوبيته، ووحدانيته، وعلمه، وقدرته، وحكمته، ورحمته.
فآياته العيانية المشهودة في خلقه تدل على صدق النوع الأول، وهو مجرد الخبر، فلم يتجرد إخباره سبحانه عن آيات تدل على صدقها، بل قد بين لعباده في كتابه من البراهين الدالة على صدقه وصدق رسوله، ما فيه شفاء وهدى وكفاية.
فقول القائل: إن تلك الأدلة لا تفيد اليقين، إن أراد به النوع المتضمن
_________________
(١) سورة فصلت، الآية: ٥٣.
(٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٩٨: ١٩٩).
(٣) أي: الفرق الضالة التي تزعم أن أدلة الوحي قاصرة على الأخبار المحضة - وهي ظنية الدلالة - وتخلوا من الأدلة العقلية؛ وبالتالي فلا يستدل بها على المطالب الإلهية!!!
[ ١١٢ ]
لذكر الأدلة العقلية العيانية، فهذا من أعظم البهت والوقاحة والمكابرة، فإن آيات الله التي جعلها أدلة وحججًا على وجود ووحدانيته وصفات كماله، إن لم تفد يقينًا لم يفد دليل بمدلول أبدًا.
وإن أراد به النوع الأول الدال بمجرد الخبر، فقد أقام سبحانه: الأدلة القطعية والبراهين اليقينية على ثبوته، فلم يُحل عبادة فيه على خبر مجرد، لا يستفيدون ثبوته إلا من الخبر نفسه دون الدليل الدال على صدق الخبر.
وهذا غير الدليل العام، الدال على صدقه، فيما أخبر به، بل هو الأدلة المتعددة الدالة على التوحيد وإثبات الصفات والنبوات والمعاد وأصول الإيمان، فلا تجد كتابًا قد تضمن من البراهين والأدلة العقلية على هذه المطالب ما تضمنه القرآن، فأدلته لفظية عقلية فإن لم يفد اليقين: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ) " (١) (٢) أ. هـ.
وقال ابن تيمية: "إن الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى، يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه؛ فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وأن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينة، مع دلالة السمع على ذلك (٣):
_________________
(١) سورة الجاثية، الآية: ٦.
(٢) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة تحقيق د/ علي بن محمود (٢/ ٧٩٣: ٧٩٤).
(٣) أسوق مثالًا لإمامين من أئمة التحقيق ليعلم رصانة ورسوخ علم شيخ الإسلام ﵀. قال أبو بكر بن العربي: وعول الجويني على أن الأمة قد أجمعت على نفي الآفات عن الباري تعالى، ولا مستند إلا السمع، وما قاله المتكلمون لا يرتضيه. قال الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن العربي وإنما ذكرنا لكم هذا لتتخذوه قانونًا، وتعجبوا من رأي المحققين يعول في نفي الآفات على السمع، ولا يجوز أن يكون السمع طريقًا إلى معرفة الباري تعالى ولا شيء من صفاته، لأن السمع منه، فلا يعلم السمع إلا به، ولا يعلم هو إلا بالسمع، فيتعارض ذلك ويتناقض. أ. هـ. قانون التأويل لأبي بكر بن العربي - تحقيق محمد السليماني/ ١٦٥: ١٢٦. قلت والحق في إثبات كل واحد منهما والباطل في نفيهما.
[ ١١٣ ]
ودلالة القرآن على الأمور (نوعان):
أحدهما: خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به.
والثاني: دلالة القرآن يضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب. فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي "شرعية" لأن الشرع دل عليها، وأرشد إليها؛ و"عقلية" لأنها تعلم صحتها بالعقل. ولا يقال: أنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر.
وإذا أخبر الله بالشيء ودل عليه بالدلالات العقلية، صار مدلولًا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى: (الدلالة الشرعية) (١) أ. هـ.
وقال ﵀: "قد ذكرنا في غير موضع أن أصول الدين الذي بعث الله به رسوله محمدًا - ﷺ - قد بينها الله في القرآن أحسن بيان، وبين: دلائل الربوبية، والوحدانية، ودلائل أسماء الرب، وصفاته، وبين دلائل نبوة أنبيائه، وبين المعاد وبين إمكانه وقدرته عليه في غير موضع، وبين وقوعه بالأدلة السمعية والعقلية. فكان في بيان الله: أصول الدين الحق، وهو دين الله، وهي أصول ثابتة صحيحة معلومة، فتضمن بيان العلم النافع، والعمل الصالح: الهدى ودين الحق.
وأهل البدع الذين ابتدعوا أصول دين يخالف ذلك ليس فيما ابتدعوه لا هدى ولا دين حق. فابتدعوا ما زعموا أنه أدلة وبراهين على إثبات الصانع وصدق الرسول. وإمكان المعاد أو وقوعه. وفيما ابتدعوه ما خالفوا به الشرع وكل ما خالفوه من الشرع فقد خالفوا فيه العقل أيضًا. فإن الذي بعث الله به محمدًا وغيره من الأنبياء، هو حق وصدق. وتدل عليه الأدلة العقلية. فهو
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٧١: ٧٢).
[ ١١٤ ]
ثابت بالسمع والعقل. والذين خالفوا الرسل ليس معهم لا سمع ولا عقل. كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ، وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (١).
وقال تعالى لمكذبي الرسل: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (٢). ذكر ذلك بعد قوله: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ، وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ، وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ، فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) (٣) ثم قال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) الآية. ثم قال: (وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) (٤) فذكر إهلاك من أهلك وإملاءه لمن أملى لئلا يغتر المغتر فيقول: نحن لم يهلكنا. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا: أن ما جاء به الرسول دل عليه السمع والعقل. وهو حق في نفسه كالحكم الذي يحكم به. فإنه يحكم بالعدل، وهو الشرع، فالعدل هو الشرع. والشرع هو العدل. ولهذا يأمر نبيه أن يحكم بالقسط، وأن يحكم بما أنزل الله. والذي أنزل الله هو القسط. والقسط هو الذي أنزل الله.
_________________
(١) سورة الملك، الآيات: ٨ - ١٠.
(٢) سورة الحج، الآية: ٤٦.
(٣) سورة الحج، الآيات: ٤٢ - ٤٥.
(٤) سورة الحج، الآية: ٤٨.
[ ١١٥ ]
وكذلك الحق والصدق هو ما أخبرت به الرسل" (١) أ. هـ.
لقد شهدت العقول والفطر: بأن الله أهل أن يعبد، ولو لم يرسل بذلك رسولًا وينزل به كتابًا. كيف وقد أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه فيهما، وتذكير العباد بمقتضاهما؛ فالشرع لا يأتي بمحالاتهما وإن أتى بما يعجزان عن إدراكه.
فالشرك قبيح ذاتيًا بضرورة العقل، وببداهة العلوم الضرورية. ومن ثم احتج القرآن على المشركين، وبين فساد مذهبهم بالأدلة العقلية، وبما ركبه في العقول من حسن عبادة الخالق، وقبح عبادة ما سواه، وضرب لهم الأمثال. ولو كانت حرمة الشرك متوقفة على النهي والخبر فقط لم يبق لتلك الأمثال معنى، وعادت أدلة الشرع منحصرة في: إن الله يأمركم بكذا، وينهاكم عن كذا ..
قال ابن القيم: "وكذلك إنكاره قبح الشرك به في إلهيته وعبادة غيره بما ضربه لهم من الأمثال، وأقام على بطلانه من الأدلة العقلية، ولو كان إنما قبح بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى. وعند نفاة التحسين والتقبيح: يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك به وعبادة غيره، وإنما علم قبحه بمجرد النهي.
فيا عجبًا أي فائدة تبقى في تلك الأمثال والحجج والبراهين الدالة على قبحه في صريح العقل والفطر؟ وأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم؟ وأي شيء يصح في العقول إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي، وأن العلم بقبحه بديهي معلوم بضرورة العقل، وأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم من قبحه، وأن أصحابه ليست لهم عقول ولا ألباب ولا أفئدة ..
وكم في القرآن من مثل - عقلي وحسي - ينبه به العقول عل حسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه. فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال
_________________
(١) النبوات: (ص:٢١٤: ٢١٥).
[ ١١٦ ]
للعقول معنى، ولكن إثبات ذلك بمجرد الأمر والنهي، دون ضرب الأمثال، وتبين جهة القبح المشهودة بالحس والعقل" (١) أ. هـ.
وقال ﵀: "فأولياؤه وخاصته وحزبه لما شهدت عقولهم وفطرهم أنه أهل أن يعبد، وإن لم يرسل إليهم رسولا، ولم ينزل عليهم كتابًا، ولو لم يخلق جنة ولا نارًا، علموا أنه لا شيء في العقول والفطر أحسن من عبادته، ولا أقبح من الإعراض عنه، وجاءت الرسل وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه في الفطر والعقول من ذلك وتكميله وتفضيله وزيادته حسنًا إلى حسنه" (٢) أ. هـ.
وقال ﵀: "ومما يدل على ذلك أيضًا (٣) أنه سبحانه يحتج على فساد مذهب من عبد غيره بالأدلة العقلية التي تقبلها الفطر والعقول، ويجعل ما ركبه في العقول من: حُسن عبادة الخالق وحده، وقبح عبادة غيره من أعظم الأدلة على ذلك. وهذا في القرآن أكثر من أن يذكر ها هنا، ولولا أنه مستقر في العقول والفطر: حسن عبادته وشكره، وقبح عبادة غيره وترك شكره؛ لما احتج عليهم بذلك أصلا، وإنما كانت الحجة في مجرد الأمر. وطريقة القرآن صريحة في هذا كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٤).
فذكر سبحانه أمرهم بعبادته، وذكر اسم الرب مضافًا إليهم؛ لمقتضى عبوديتهم لربهم ومالكهم، ثم ذكر ضروب إنعامه عليهم بإيجادهم، وإيجاد من قبلهم، وجعل الأرض فراشًا لهم يمكنهم الاستقرار عليها والبناء والسكنى،
_________________
(١) مدارج السالكين: (١/ ٢٦٢: ٢٦٣).
(٢) مفتاح دار السعادة (٣/ ١٢١: ١٢٢).
(٣) أي: على أن العقل فيه حسن التوحيد وقبح الشرك.
(٤) سورة البقرة، الآيتان: ٢١، ٢٢.
[ ١١٧ ]
وجعل السماء بناء وسقفًا فذكر أرض العالم وسقفه، ثم ذكر إنزال مادة أقواتهم ولباسهم وثمارهم، منبهًا بهذا على استقرار حسن عبادة من هذا شأنه وتشكره الفطر والعقول، وقبح الإشراك به وعبادة غيره" (١) أ. هـ.
وقال ابن تيمية: "وأيضًا: ففي القرآن في مواضع كثيرة يبين لهم قبح ما هم عليه من الشرك وغيره بالأدلة العقلية، ويضرب لهم الأمثال، كقوله تعالى (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) وقوله: (أَفَلا تَتَّقُونَ) وقوله: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) فهذا يقتضي أن اعترافهم بأن الله هو الخالق يوجب انتهاءهم عن عبادتها، وأن عبادتها من القبائح المذمومة" (٢) أ. هـ.
العقل والفطرة حجة في بطلان الشرك، والرسالة حجة في بطلانه ووجوب العذاب عليه:
فلله الحجة البالغة على المشركين في كل زمان ومكان. فقد فطر الفطر وجبل العقول على: توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل فيهما أن يكون معه إله سواه، وقامت حجة الله على عباده بما استودع في فطرهم وعقولهم، إلا أن حكمته ورحمته اقتضت أن لا يعذبهم حتى يقيم عليهم حجته برسله، وإن كانت قائمة على خلقه بما صبغ فطرهم وجبل عقولهم عليه من: حسن توحيده ووجوبه، وقبح الشرك به وحرمته.
قال ابن القيم: "فلله الحجة البالغة على المشركين في كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فطر عباده عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل. والله أعلم (٣) أ. هـ.
_________________
(١) مفتاح دار السعادة، (٣٢٥).
(٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٨٢).
(٣) زاد المعاد في هدى خير العباد بتحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط (٣/ ٦٨٦).
[ ١١٨ ]
وقال ﵀: "فما أبقى الله ﷿ حسنًا إلا أمر به وشرعه، ولا قبيحًا إلا نهى عنه وحذر منه، ثم إنه سبحانه أودع في الفطر والعقول الإقرار بذلك فأقام عليها الحجة من الوجهين، ولكن اقتضت رحمته وحكمته أن لا يعذبها إلا بعد إقامتها عليها برسله، وإن كانت قائمة عليها بما أودع فيها، واستشهدها عليه: من الإقرار به وبوحدانيته، واستحقاقه الشكر من عباده بحسب طاقتهم على نعمه، وبما نصب عليها من الأدلة المنوعة المستلزمة إقرارها بحسن الحسن وقبح القبيح" (١) أ. هـ.
وقال ابن الوزير: "ومن ذلك (٢) قوله تعالى حاكيًا عن الأشقياء: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (٣). وقوله في غير آية: (وأنتم تعقلون) (٤)، (وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ). فإنها وأمثالها تدل على معرفتهم بعقولهم قبح ما هم عليه وبطلانه معًا. إذ لو عرفوا بطلانه بها دون قبحه لم تقم عليهم الحجة، وإنما أرسل الرسل لقطع عذرهم لكيلا يقولوا ما حكى الله تعالى عنهم وذلك لزيادة الإعذار؛ لأنه لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، لا لأنه لا حجة عليهم قبل الرسل أصلًا.
ولذلك صح عند أهل السنة أن تقوم حجة الله بالخلق الأول في عالم الذر - على ما سيأتي بيانه - وذلك قبل الرسل، ولم يختلفوا في صحته، وإنما اختلفوا في وقوعه" (٥) (٦) أ. هـ.
_________________
(١) مفتاح دار السعادة /٤٠٢.
(٢) جاء ذلك في سياق الأدلة الدالة على مقتضى الحكمة وحكم التحسين والتقبيح العقلي.
(٣) سورة الملك، الآية: ١٠.
(٤) يلاحظ: أن هذه ليست آية، ولا جزءًا من آية في القرآن الكريم.
(٥) أي: في كيفية وقوعه.
(٦) إيثار الحق على الخلق لأبي عبد الله محمد بن المرتضى اليماني المشهور بابن الوزير /١٩٣.
[ ١١٩ ]