يرى ابن حجر -﵀- تحريم اتخاذ القبور مساجد (^١)، وأن "اتخاذ القبر مسجدًا معناه: الصلاة عليه أو إليه" (^٢)، وأن التحريم يشمل الأمرين جميعًا يقول في ذلك: "قال أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبرّكًا وإعظامًا، فاشترطوا شيئين: أن يكون قبر معظم، وأن يقصد بالصلاة إليه ومثلها الصلاة عليه التبرك والإعظام" (^٣).
ويقرر ابن حجر -عفا الله عنه- أن الصلاة إلى القبور أو عليها بقصد التبرك والتعظيم فهو حرام وكفر، أما إن كان بغير قصد التعظيم والتبرك فهو حينئذٍ مكروه.
يقول في ذلك: "تحرم الصلاة إلى قبر نبي أو ولي تبركًا وإعظامًا، وقول النووي في تحقيقه: تكره الصلاة إلى قبر غيره -ﷺ-، محمول كما هو ظاهر على من لم يرد تعظيم القبر بذلك وإلا حَرُمَ، بل يكون ذلك كفرًا" (^٤).
التقويم:
اتخاذ القبور مساجد مما جاءت الأحاديث بالنهي عنه، وتواترت في التحذير منه، وهو مما ينافي التوحيد ويقدح فيه (^٥).
_________________
(١) انظر: الزواجر (١/ ١٤٨ - ١٤٩).
(٢) المصدر السابق (١/ ١٤٨).
(٣) المصدر السابق (١/ ١٤٨ - ١٤٩)، وانظر: تحفة المحتاج (١/ ٤١٤)، فتح الجواد (١/ ٢٤٠)، حاشية الإيضاح (ص ٥١٩)، المنهاج القويم (ص ٢١٣)، تحفة الزوار (ص ٢٠، ص ٢٨).
(٤) الجوهر المنظم (ص ٧٠).
(٥) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٧٤)، إغاثة اللهفان لابن القيم (١/ ٢٠٣)، تيسير العزيز الحميد (ص ٣٢٠)، تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للألباني (ص ٩).
[ ٢٠٧ ]
والنهي عن ذلك يتضمن ثلاثة معان:
الأول: الصلاة على القبور والسجود عليها.
والثاني: الصلاة إلى القبور واستقبالها.
والثالث: بناء المساجد على القبور، وقصد الصلاة فيها (^١).
وقد ذكر ابن حجر منها المعنيين الأول والثاني، وأهمل الثالث فلم يذكره وهو مما يتضمنه النهي، ولهذا يقول العلامة الصنعاني -﵀-: "اتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها، أو بمعنى الصلاة عليها" (^٢).
يقول الإمام الشافعي -﵀- في بيان تضمن النهي عن اتخاذ القبور مساجد لهذه المعاني الثلاثة جميعًا: "وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوى، أو يصلى عليه، وهو غير مسوى، أو يصلى إليه وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله -ﷺ- قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^٣) " (^٤).
وما قرره ابن حجر من تحريم اتخاذ القبور مساجد مما اتفق عليه أئمة المذاهب الفقهية (^٥).
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٤٦)، مرقاة المفاتيح للشيخ علي القاري (٢/ ٣٧٢)، تحذير الساجد (ص ٢١).
(٢) سبل السلام (١/ ٢١٤).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجامع، باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة (٢/ ٦٨٠) من طريق إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز -﵀- مرسلًا به. وأخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (١/ ٣٩٥) برقم (١٣٣٠)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٧) برقم (٥٣١) من حديث عائشة -﵂- موصولًا بلفظ: "لعن الله اليهود والنصارى ".
(٤) انظر: الأم (١/ ٢٤٦).
(٥) انظر: الآثار لمحمد بن الحسن (ص ٤٥)، التمهيد لابن عبد البر (١/ ١٦٨)، المنتقى للباجي (٧/ ١٩٥)، شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ١١ - ١٤)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٦٧)، كشاف القناع (٢/ ١٤٠).
[ ٢٠٨ ]
يقول شيخ الإسلام -﵀-: "ويحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وبينها، ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين" (^١).
وأما ما ذكره من اشتراط التبرك والتعظيم للتحريم، وقوله: بكراهة ذلك مع عدمها، وحمله عبارة النووي على ذلك، فهو متعقب بأن الأحاديث الواردة في ذلك صريحة في التحريم ولم تخصصه بذلك، وإنما وردت عامة في كل من اتخذ القبور مساجد، وأما عبارة النووي فتحمل على كراهة التحريم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها [يعني: القبور] ، وطائفة أطلقت الكراهة. والذي ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم إحسانًا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوِّزوا فعل ما تواتر عن رسول الله -ﷺ- لعن فاعله والنهي عنه" (^٢).