يذكر ابن حجر ﵀ مذاهب الناس في آيات الصفات وأحاديثها فيقول: "الآيات والأحاديث التي فيها ذكر الوجه واليد، فهذه ونحوها فيها مذهبان:
مذهب السلف وهو أن يُفَوَّض علم حقائقها إلى الله تعالى من التنزيه عما دلت عليه ظواهرها مما هو مستحيل على الله.
ومذهب الخلف وهو أن يُخْرج تلك النصوص عن ظواهرها وتُحمل على محامل تليق بالله تعالى " (^١).
ويقرر ابن حجر أنه لا خلاف بين المذهبين في عدم إرادة ظواهر النصوص ووجوب المصير إلى التأويل، وإنما الخلاف بينهما في التأويل هل يكون إجمالًا أو تفصيلًا؟
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ١١٧)، وانظر: أشرف الوسائل (ص ٢٣٢)، المنح المكية (٢/ ٨٢٤، ٨٦٨)، شرح المشكاة (ص ١٣٤)، غرز المواعظ (ص ٨).
[ ٢٩٠ ]
يقول في ذلك: "وبما قررته عُلِمَ أنه لا خلاف بين الفريقين؛ لأنهم جميعًا متفقون على التأويل، وإنما اختار السلف عدم التفصيل، لأنهم لم يضطروا إليه لقلة أهل البدع والأهواء في زمانهم، والخلف التفصيل لكثرة أولئك في زمانهم والإجمال لا يغنيهم، فاضطروا إلى التفصيل" (^١).
ويرى ابن حجر -عفا الله عنه- أن "مذهب السلف هو الأسلم ومذهب الخلف هو الأعلم الأحكم" (^٢)! ! .
ويوجز ابن حجر مذهبه في آيات الصفات وأحاديثها فيقول: "والمختار إيثار التأويل إن قرب وسلم من التكلف، وإلا فالتفويض" (^٣).
التقويم:
صفات الله تعالى من المباحث العقدية التي اضطربت فيها آراء الناس، وتعددت فيها أقوالهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان أقوال الناس في آيات الصفات وأحاديثها والقول الحق منها:
"الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة.
قسمان يقولان: تجري عليها ظواهرها.
وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.
وقسمان يسكتون.
أما الأولان: فقسمان:
أحدهما: من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبهة
والثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله وهذا هو
_________________
(١) أشرف الوسائل (ص ٢٣٢)، وانظر: الزواجر (١/ ٣٢)، الفتاوى الحديثية (ص ٢٠١)، شرح المشكاة (ص ١٣٤) غرز المواعظ (ص ٨).
(٢) غرر المواعظ (ص ٨)، وانظر: الفتاوى الحديثية (ص ١١٧).
(٣) غرر المواعظ (ص ٨)، وانظر: الزواجر (١/ ٣٢).
[ ٢٩١ ]
المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره من السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يخالفه
وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها فهؤلاء قسمان:
قسم يتأولونها ويعينون المعنى المراد مثل قولهم: استوى بمعنى استولى
وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا لا نعلم أنه لم يُرد إثبات صفة خارجة عما علمنا.
وأما القسمان الواقفان:
فقسم يقولون: يجوز أن يكون المراد ظاهرها الأليق بجلال الله، ويجوز أن لا يكون المراد صفة لله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.
وقوم يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.
فهذه الأقسام الستة التي لا يمكن للرجل أن يخرج عن قسم منها.
والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها، القطع بالطريقة الثابتة كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله سبحانه فوق عرشه، وتُعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك " (^١).
وما قرره ابن حجر -غفر الله له- من أن ظاهر نصوص الصفات غير مراد، وجواز التفويض والتأويل فيها، وقوله بأن طريقة السلف التفويض وهي الأسلم وطريقة الخلف التأويل وهي الأعلم والأحكم باطل، والرد عليه في مقامات ثلائة: