تعددت آراء ابن حجر ﵀ في مسألة الاسم والمسمى تعددًا لا يمكن الجمع معه بينها:
فتارة يرى "أن الاسم غير المسمى على الأصح " (^١).
وأخرى يرى أن "الاسم عين المسمى " (^٢).
وثالثة يفصل فيقول: "الاسم أي: مدلوله:
إما ذات المسمى كالله.
أو غيره كالخالق.
أو لا هو المسمى ولا غيره كالعَالِم" (^٣).
ويرى ابن حجر أن هذه المسألة "مسألة طويلة الذيل، وليس للخلاف فيها كبير فائدة" (^٤).
_________________
(١) فتح المبين (ص ٨١).
(٢) ثلاث مسائل في صفات الباري (ص ٢).
(٣) التعرف (ص ١١٣)، وانظر: الإيعاب شرح العباب (١/ ٢).
(٤) فتح المبين (ص ٨١).
[ ٢٧٤ ]
التقويم:
مسألة الاسم والمسمى من المسائل الحادثة التي لم ترد في الكتاب والسُّنة، والقول بأن الاسم هو المسمى أو غيره لم يرد عن السلف - ﵏- وإنما أحدثه أهل الأهواء من الجهمية والمعتزلة (^١).
والذي عليه جمهور السلف -﵏- أن الاسم تارة يراد به الذات وهو المسمى، وتارة يراد به اللفظ وهو التسمية (^٢).
يقول العلامة ابن أبي العز الحنفي (^٣) ﵀: "الاسم يراد به "المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله: اسم عربي، والرحمن: اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى، ونحو ذلك، فالاسم هنا للمسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى" (^٤).
إذا تقرر ذلك فما ذهب إليه ابن حجر في هذه المسالة مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة من جهة، ولا يخلو من الاضطراب والتناقض من جهة أخرى.
_________________
(١) انظر: صريح السُّنة للطبري (١٧ - ١٨، ٢٥ - ٢٦)، الفتاوى (٦/ ١٨٧).
(٢) انظر: رد الإمام الدارمي على بشر (١/ ١٥٨)، شرح أصول الاعتقاد (٢/ ٢٠٤ - ٢١٥)، الحجة في بيان المحجة، مجموع الفتاوى (٦/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، بدائع الفوائد (١/ ١٧ - ١٨)، شفاء العليل (٢/ ٧٥٧ - ٧٥٨)، شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ١٠٢)، لوامع الأنوار (١/ ٢٩)، معارج القبول (١/ ١٠٢).
(٣) هو علي بن علي بن محمد بن أبي العز الأذرعي، الدمشقي، الصالحي، المعروف بابن أبي العز، حنفي، من مؤلفاته: شرح العقيدة الطحاوية، الاتباع، التنبيه على مشكلات الهداية، توفي سنة (٧٩٢ هـ). انظر: إنباء الغمر بأنباء العمر للحافظ ابن حجر (٢/ ٩٥)، شذرات الذهب (٦/ ٣٢٦).
(٤) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٢٠٩).
[ ٢٧٥ ]
فالقول بأن الاسم كير المسمى: هو مذهب الجهمية (^١) والمعتزلة (^٢).
والقول بأن الاسم عين المسمى: هو مذهب الأشاعرة (^٣) والماتريدية (^٤).
والقول بأن الاسم تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون كيره، وتارة لا هو ولا غيره: هو المشهور عن أبي الحسن الأشعري (^٥).
والجهمية والمعتزلة حينما قالوا: إن الاسم غير المسمى أرادوا أن أسماء الله مخلوقة؛ لأن أسماءه من كلامه، وكلامه مخلوق (^٦).
فخالفهم الأشاعرة والماتريدية فقالوا: الاسم عين المسمى ولم يفرقوا بين الذات الذي هو المسمى وبين اللفظ الذي هو التسمية، وأرادوا بذلك أن أسماء الله غير مخلوقة، ولكنهم قالوا: إن أسماءه من صفات ذاته، وهو سبحانه لا يتكلم ولا يسمي نفسه بمشيئته وقدرته؛ وذلك ليسلم لهم قولهم في الصفات وبخاصة صفة الكلام، حيث يؤولونه بالكلام النفسي، ويجعلونه من الصفات الذاتية لا الفعلية (^٧).
وعليه فالأشاعرة والماتريدية وإن خالفوا الجهمية والمعتزلة في الظاهر إلا أنهم موافقون لهم في الباطن (^٨).
وأما قول الأشعري بأن الاسم تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون غيره، وتارة لا يكون هو ولا غيره، فقد بناه على اعتبار معاني الأسماء، وما دلت عليه من الصفات، ومعتقده في كل منها، وعليه قسم الأسماء إلى ثلاثة أقسام:
_________________
(١) انظر: رد الإمام الدارمي على بشر (١/ ١٥٨)، الفتاوى (٦/ ١٨٩).
(٢) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٥٤٢)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٥٣).
(٣) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٢٥٨)، الإرشاد للجويني (ص ١٣٥)، أصول الدين للبغدادي (ص ١١٤ - ١١٥).
(٤) انظر: بحر الكلام للنسفي (ص ٣٧)، الصحائف الإلهية للسمرقندي (ص ٣٩٦)، شرح المقاصد للتافتازاني (٤/ ٣٣٧).
(٥) انظر: المواقف للإيجي (ص ٣٣٣)، وشرحها للجرجاني (٨/ ٢٠٧).
(٦) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٨٦، ٢٠٤) (١٢/ ١٧٠).
(٧) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٩٢).
(٨) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٩٢).
[ ٢٧٦ ]
القسم الأول: يكون الاسم فيه عين المسمى نحو (الله) لأنه بزعمه اسم جامد لا يدل على معنى، وهذا زعم مردود؛ إذ ليس في أسماء الله اسم جامد غير مشتق، فكل أسماء الله دالة على معان في غاية الكمال.
والقسم الثاني: يكون الاسم فيه غير المسمى نحو (الخالق) و(الرازق) لأنهما بزعمه يدلان على نسبته إلى غيره، وذلك لاعتقاده بنفي صفات الأفعال الاختيارية وإنكار قيامها بالله ﷿، وبناء على ذلك جعل (الخالق) و(الرازق) ونحوهما غير المسمى، وهذا باطل لثبوت اتصاف الله تعالى بالصفات الفعلية الاختيارية -كما سيأتي-.
والقسم الثالث: يكون الاسم فيه لا هو المسمى ولا غيره نحو (العليم) و(القدير) لأنهما يدلان على صفة حقيقية، وذلك لإثباته الصفات الذاتية، ولهذا جعل (العليم) و(القدير) ونحوهما للمسمى (^١).
وعند التأمل في هذه الأقوال الثلاثة وما ساقه أصحابها من أدلة، نجد أن هذه الأدلة تنقض أقوالهم وترد عليها، فما استدل به الجهمية والمعتزلة يجاب به عن قول الأشاعرة والماتريدية، وما استدل به الأشاعرة والماتريدية يجاب به عن قول الجهمية والمعتزلة، ومجموع هذه الأدلة تشهد لقول أهل السنة والجماعة، وتدل عليه، وقد استوعب شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الأقوال وأدلتها، وبين ما يعترض به عليها بما لا مزيد عليه (^٢).
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن اضطراب ابن حجر -غفر الله له- في هذه المسألة وتردده فيها بين هذه الأقوال راجع -والله أعلم- إلى أمرين:
أحدهما: اضطراب الأشاعرة أنفسهم في هذه المسألة واختلافهم فيها من جهة، وترددهم فيها بين موافقة أهل السنة والجماعة في الظاهر وموافقة الجهمية والمعتزلة في الباطن من جهة أخرى، مما جعل مذهبهم في هذه المسألة غير محرر، ولهذا قال الباجوري (^٣) بعد ذكره المسألة ورأي
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٢٠١ - ٢٠٢).
(٢) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٨٥) وما بعدها.
(٣) هو إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري، أشعري شافعي، من مؤلفاته: تحفة المريد=
[ ٢٧٧ ]
الأشاعرة فيها-: "وبالجملة فهذا المبحث لم يَصْفُ" (^١).
ثانيهما: عدم اهتمام ابن حجر بالمسألة، وتهوينه من شأنها، وظنه أن الخلاف فيها ليس فيه كبير فائدة -كما سبق نقله عنه- والحق أن المسألة مهمة، وأن الخلاف فيها له ثمرة ظاهرة، فمن فروعها: القول في أسماء الله وهل هي مخلوقة أم لا؟ ومن أصولها: صفات الله سبحانه والقول في كلامه جل وعلا وهل هو مخلوق أم لا؟
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عنها: "القول في أسمائه هو نوع من القول في كلامه" (^٢).
وبكل حال فقول ابن حجر -عفا الله عنه- في هذه المسألة مضطرب، والجمع بين أقواله فيها متعذر، والترجيح بينها غير ممكن؛ لعدم معرفة المتقدم منها من المتأخر، وكلها باطلة مجانبة للصواب.