وذلك بأن يقال: القول بأن ظاهر نصوص الصفات مراد أو ظاهرها غير مراد يحتاج إلى تفصيل؛ إذ لفظ الظاهر مجمل مشترك:
_________________
(١) الحموية (ص ٥٣٩ - ٥٤٨).
[ ٢٩٢ ]
فإن أريد به ما يظهر من هذه النصوص من المعاني اللائقة بالله تعالى فهو مراد قطعًا.
وإن أريد به ما يظهر لبعض الناس من هذه النصوص حيث يفهم أن ظاهرها يقتضي تشبيه الله سبحانه بخلقه فهو ليس بمراد قطعًا (^١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الظاهر لفظ مشترك، فالظاهر الذي لا يليق إلا بالمخلوق غير مراد، وأما الظاهر اللائق بجلال الله تعالى وعظمته فهو مراد" (^٢).
وعليه فإطلاق القول بأن ظاهر نصوص الصفات مراد أو غير مراد خطأ مجانب للصواب، والحق في ذلك التفصيل على وفق ما تقدم.
والناس في ظاهر نصوص الصفات على قولين:
الأول: أن ظاهر نصوص الصفات المعنى اللائق بالله ﷿، وهو قول السلف قاطبة -﵏- (^٣).
والثاني: أن ظاهر نصوص الصفات التمثيل بصفات المخلوقين، وهو قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من المتكلمين (^٤).
وذهب الأشاعرة والماتريدية إلى التفريق بين ظواهر نصوص الصفات فجعلوا ظاهر بعضها المعنى اللائق بالله وظاهر بعضها الآخر التمثيل (^٥)، وقولهم في حقيقته لا يخرج عن قول الجهمية والمعتزلة.
يقول شيخ الإسلام ﵀: "لفظة (الظاهر) قد صارت مشتركة، فإن
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٧)، (٦/ ٣٥٦)، (١٧/ ٤١٣)، التسعينية (٢/ ٥٥٧)، التدمرية (ص ٦٩) وما بعدها، الحموية (٥٢٦ - ٥٢٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٠٧).
(٣) انظر: شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٣٢)، عقيدة أهل السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص ١٦٥)، درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٠٨ - ١٠٩).
(٤) انظر: متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (ص ٥٧، ٧٢)، المحيط بالتكليف له أيضًا (ص ٢٠٠).
(٥) انظر: الإرشاد للجويني (ص ٦٠)، أساس التقديس للرازي (ص ١٣٠)، تحفة المريد للباجوري (ص.١٣)، التمهيد للنسفي (ص ١٦١)، بحر الكلام له أيضًا (ص ٢١ - ٨٢)، إشارات المرام للبياضي (ص ١٨٦ - ١٩٩).
[ ٢٩٣ ]
الظاهر في الفطر السليمة واللسان العربي والدين القيم ولسان السلف غير الظاهر في عرف كثير من المستأخرين" (^١).
وبناء على ذلك ذهب السلف إلى أن ظاهر نصوص الصفات مراد، وذهب الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم إلى أن ظاهر نصوص الصفات غير مراد، وفرق الأشاعرة والماتريدية بينها فجعلوا ظاهر بعضها مراد وظاهر بعضها الآخر غير مراد، وهو تفريق لا وجه له؛ إذ من يقول في بعض الصفات الظاهر مراد أو غير مراد يلزمه ذلك في سائرها لأن جنسها واحد (^٢).
ومما سبق يتضح أن القول بأن ظواهر نصوص الصفات غير مرادة على وجه الإطلاق ونسبة ذلك إلى السلف والخلف قول باطل؛ للاشتراك في معنى الظاهر، وللاختلاف في تعيينه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد رأيت من يقول: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة أهل السلف، بمعنى: أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله سبحانه، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرين رأوا المصلحة في تأويلها، لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقول الفرق أن هؤلاء يعينون المراد بالتأويل، وأولئك لا يعينون لجواز أن يراد غيره، وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف" (^٣).
وعليه فالحق أن ظواهر نصوص الصفات تدل على المعنى اللائق بالله ﷿، وأنها بهذا المعنى مرادة، وأن القول بذلك هو مذهب السلف وأئمتهم؛ لموافقته لأقوالهم في نصوص الصفات من جهة، ولما يلزم القائل بأن ظواهر نصوص الصفات التمثيل من اللوازم الباطلة من جهة أخرى (^٤).
_________________
(١) التسعينية (٢/ ٥٥٧).
(٢) انظر: التدمرية (ص ٧٦ - ٧٧)، الصواعق المرسلة (١/ ٢٢٠).
(٣) الحموية (ص ٥٢٨ - ٥٢٩).
(٤) انظر: الرسالة للشافعي (ص ٣٤١)، جامع بيان العلم لابن عبد البر (٢/ ١١٨)، مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٤)، التدمرية (ص ٦٩)، الحموية (ص ٥٢٦ - ٥٢٨)، الصواعق المرسلة =
[ ٢٩٤ ]
يقول الإمام الشافعي ﵀: "القرآن عربي، والأحكام فيه على ظاهرها وعمومها، وليس لأحد أن يحيل منها ظاهرًا إلى باطن، ولا عامًا إلى خاص، إلا بدلالة من كتاب الله تعالى، فإن لم تكن فسنة رسول الله -ﷺ- أو بإجماع من عامة العلماء الذين لا يجهلون كلهم كتابًا ولا سنة، وهكذا السنة، ولو جاز في الحديث أن يحال شيء منه عن ظاهره إلى معنى باطن يحتمله كان أكثر الحديث يعتمد عددًا من المعاني غيره، ولكن الحق فيها واحد؛ لأنها على ظاهرها" (^١).