ذكر ابن حجر ﵀ اختلاف الناس في الفطرة، وتعدد أقوالهم في المراد بها، فقال:
"اختلف في المراد في الفطرة:
فقيل: هي ما أخذ عليهم في أصلاب آبائهم فتقع الولادة عليها حتى يحصل التغيير بالأبوين.
وقيل: ما قضي على المولود من سعادة أو شقاوة فمن علم الله أنه يصير مسلمًا ولد على فطرة الإسلام، ومن علم أنه يصير كافرًا ولد على الكفر.
وقيل: معرفة الله تعالى والإقرار به وإن عبد معه غيره.
والأصح أن معناه أن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام فمن كان أبواه أو أحدهما مسلمًا استمر عليه في أحكام الدنيا والآخرة، وإن كانا كافرين جرى عليه حكمهما، فيتبعهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى: فيهودانه وينصرانه ويمجسانه أي: يحكم له بحكمهما في الدنيا، فإذا بلغ مستمرًا على الكفر حكم له به" (^١).
التقويم:
الفطرة في اللغة: مصدر فَطَرَ يَفْطُرُ فَطْرًا.
والفطر: يطلق ويراد به معان عدة، هي: الشق، والابتداءُ،
_________________
(١) فتح المبين (ص ١٩٤).
[ ١٢٣ ]
والاختراع، والخلق (^١).
وأما في الشرع: فقد اختلف أهل العلم في المراد بالفطرة على أقوال كثيرة، والخلاف في ذلك جار بين أهل السنة والجماعة.
وجملة هذه الأقوال ستة، هي:
الأول: أن الفطرة هي الخلقة التي خلقوا عليها من المعرفة بربهم.
الثاني: أن الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها.
الثالث: أن الفطرة هي ما فطروا عليه من الإنكار والمعرفة والكفر والإيمان.
الرابع: أن الفطرة هي ما أخذه الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا.
الخامس: أن الفطرة هي ما يقلب الله عليه قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء.
السادس: أن الفطرة هي الإسلام (^٢).
والراجح -والله أعلم- أن الفطرة هي الإسلام والقول بذلك هو ما عليه أكثر الصحابة والتابعين وغيرهم.
يقول الإمام ابن عبد البر (^٣) ﵀: "هو المعروف عند عامة السلف من
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٨٠٢)، معجم مقاييس اللغة (ص ٨٤٣)، الصحاح (٢/ ٧٨١)، لسان العرب (٥/ ٥٥)، القاموس المحيط (ص ٥٨٧).
(٢) انظر: معالم السنن للخطابي (٤/ ٢٩٩)، التمهيد (١٨/ ٦٨ - ٩٥)، شرح السنة للبغوي (١/ ١٥٦ - ١٦١)، تفسير القرطبي (١٤/ ٢٥)، درء التعارض (٨/ ٣٥٩ - ٤٣٥)، مجموعة الرسائل الكبرى (٢/ ٣٣٣ - ٣٤٧)، شفاء العليل (٢/ ٧٧٥ - ٨٠٥)، أحكام أهل الذمة لابن القيم (٢/ ٥٢٣ - ٦١٦)، فتح الباري (٣/ ٢٩٤)، وللاستزادة: الفطرة حقيقتها ومذاهب الناس فيها لعلي القرني (ص ٦٥ - ١٧٢).
(٣) هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عاصم، النميري المالكي، أبو عمر، حافظ المغرب، وصاحب التصانيف الشهيرة، من مؤلفاته: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، توفي سنة ٤٦٣ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣)، شذرات الذهب (٣/ ٣١٤).
[ ١٢٤ ]
أهل العلم بالتأويل" (^١).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على هذا القول" (^٢).
والأدلة الدالة على أن المراد بالفطرة الاسلام متظافرة من الكتاب والسنة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
فقد أجمع أهل التأويل من السلف أن المراد بفطرة الله في الآية دين الإسلام (^٣).
ومن السنة: قوله ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء". يقول أبو هريرة - ﵁ - راوي الحديث: "اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ".
وفي رواية: "ما من مولود إلا وهو على الملة".
وفي أخرى: "إلا على هذه الملة" (^٤).
ودلالة هذا الحديث على أن المراد بالفطرة الإسلام من وجوه كثيرة، منها:
١ - روايات الحديث المختلفة التي تدل بمجموعها على أن المراد بالفطرة الإسلام.
٢ - قول أبي هريرة - ﵁ - في آخر الحديث: "اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ "حيث فسر الحديث بالآية، وقد سبق أن أهل التأويل من السلف مجمعون على أن المراد بفطرة الله في الآية دين
_________________
(١) التمهيد (١٨/ ٧٢).
(٢) درء التعارض (٨/ ٤١٠).
(٣) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٢، درء التعارض (٨/ ٣٦٧).
(٤) سبق تخريجه (ص ١١٣).
[ ١٢٥ ]
الإسلام، وأبو هريرة - ﵁ - أعلم بمعنى ما سمع (^١).
٣ - أن النبي - ﷺ - ذكر ملل الكفر دون الإسلام فقال: يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، ولم يقل يسلمانه؛ فدل ذلك على أن الفطرة هي الإسلام وأنه يتحول منه إلى غيره بفعل الأبوين أو غيره (^٢).
وقوله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا " (^٣).
"والحنيف في كلام العرب: المستقيم المخلص، ولا استقامة أكثر من الإسلام" (^٤).
والمراد بتفسير الفطرة بالإسلام أن الفطرة فيها قوة موجبة ومستلزمة للإقرار بالله ﷿، ومحبته سبحانه، والذل والخضوع له، والإخلاص إليه، لا أن المولود يولد عالمًا بالإسلام عاملًا به.
يقول العلامة ابن القيم ﵀: "ومما ينبغي أن يُعلم أنه إذا قيل إنه يولد على الفطرة، أو على الإسلام، أو على هذه الملة، أو خلق حنيفًا، فليس المراد به أنه حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده، فإن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨].
ولكن فطرته موجبة مقتضية لدين الإسلام لقربه، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئًا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت من المعارض
وليس المراد أيضًا مجرد قبول الفطرة لذلك بل المراد أن كل مولود فإنه يولد على محبة فاطره وإقراره له بربوبيته وادعائه له بالعبودية، فلو خُلِّي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره " (^٥).
_________________
(١) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٧١).
(٢) انظر: المصدر السابق (٨/ ٣٧٢).
(٣) سبق تخريجه (ص ١١٣).
(٤) التمهيد (١٨/ ٧٥)، وانظر: درء التعارض (٨/ ٣٦٩).
(٥) شفاء العليل (٢/ ٧٨٩ - ٧٩٠).
[ ١٢٦ ]
وما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من أن الفطرة هي التهيؤ للإسلام والقابلية للتوحيد هو بمعنى قول من قال من أهل العلم بأن الفطرة هي الخلقة.
والفرق بين القول بأن الفطرة هي الخلقة والقول بأن الفطرة هي الإسلام:
أن الفطرة على قول من يفسرها بالإسلام موجبة ومستلزمة ومقتضية للإسلام، وأما على قول من يفسرها بالخلقة فإنها ليست كذلك وإنما هي مجرد قابلة له ومتمكنة منه.
فالمولود - على قول من يقول بأن الفطرة هي الخلقة - يولد على السلامة بحيث يمكن أن يوحد أو يشرك باختياره دون أن يكون في خلقته ما يقتضي ترجيح التوحيد على الشرك، بل تكون نفسه قابلة لأي منهما على السواء، ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميَّز.
وترجيح ابن حجر ﵀ لهذا القول يوافقه عليه جماعة من أهل العلم (^١)، ويمكن الجواب عنه من طريقين:
أحدهما: النقض؛ وذلك بأن يقال:
أولًا: أن مجرد التمكن والتهيؤ - في أصل الجِبِلّة - لا يسمى فطرة، ولا دينًا، ولا إسلامًا، ولا ملة، بل الفطرة قدر زائد على مجرد التمكن والتهيؤ (^٢) كما سبق-.
ثانيًا: أن مجرد التمكن والتهيؤ لا يتغير بفعل الأبوين، بل البالغ الكافر عنده من التمكن والتهيؤ لقبول الإسلام ما ليس عند الصغير.
ثالثًا: أن النصوص وردت بتشبيه تغيير الفطرة بجدع البهيمة الجمعاء، ومعلوم أن الأبوين لم يغيروا قبول المولود، ولو تغير القبول وزال التهيؤ لم
_________________
(١) ممن رجح هذا القول وانتصر له الطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ١٧ - ١٩)، وابن عبد البر في التمهيد، والقرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٩)، والنووي في شرح صحيح مسلم (١٦/ ٢٠٨).
(٢) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٨٥).
[ ١٢٧ ]
تقم عليه الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب (^١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ متعقبًا هذا القول: "صاحب هذا القول:
إن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة والقدرة عليها، فهذا ضعيف؛ لأن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا ولا على الملة
وإن أراد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها، فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان" (^٢).
وثانيهما: المعارضة: وذلك بما تقدم من الأدلة الدالة على أن المراد بالفطرة الإسلام.
ولعل الذي حمل ابن حجر ﵀ على ترجيح القول بأن الفطرة هي الخلقة ومجرد التهيؤ والتمكن مع أنه قول مرجوح في نفسه هو قوله بأن معرفة الله تعالى نظرية كسبية لا ضرورية فطرية - كما سبق - ومن ثم فإنه فسر الفطرة بالتهيؤ للإسلام والتمكن منه لا الإسلام نفسه.
* * *
_________________
(١) انظر: شفاء العليل (٢/ ٧٩٠).
(٢) درء التعارض (٨/ ٣٨٥)، وانظر: (٨/ ٤٤٤ - ٤٤٩).
[ ١٢٨ ]