يرى ابن حجر ﵀ أن أسماء الله غير محصورة في عدد معين، حيث يقول: "أسماء الله لا تنحصر في التسعة والتسعين" (^٤).
ويرى أن الاسم الأعظم منها هو (الله) حيث صرح بذلك في أكثر من موضع، وعزاه إلى أكثر أهل العلم في مواضع أخرى (^٥)، يقول في تقرير ذلك: "هو الاسم الأعظم عند أكثر أهل العلم ورئيس الأسماء المقدم عليها الموصوف بها، ولم يتكرر غيره في القرآن تكرره؛ لأنه جاء فيه ألفي مرة وخمسمائة وستين مرة ومما يؤيده أنه لا خلاف أن لفظ الجلالة أعرف المعارف، وأنه لم يسم به غير الله " (^٦).
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٢/ ١١)، بدائع الفوائد (١/ ١٨٣)، مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٤)، وللاستزادة: القواعد الكلية للأسماء والصفات لإبراهيم البريكان (ص ١٨٧ - ١٨٨)، دراسة عقدية لبعض الصفات التي يدعى أنها من باب المشاكلة د. يوسف السعيد (ص ٢٦ - ٢٧).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ١١).
(٣) بدائع الفوائد (١/ ١٨٣).
(٤) التعرف (ص ١١٣).
(٥) انظر: الإيعاب (١/ ٧) (١/ ٤٣)، البدائع الجليلة (ص ٦)، المنهاج القويم (ص ٧)، فتح الجواد (١/ ٧).
(٦) الإيعاب (١/ ٧).
[ ٢٨٢ ]
وبيّن أن وصف لفظ الجلالة (الله) بالاسم الأعظم لا يعني وصف ما عداه بالنقص؛ إذ "ليس المراد بوصفه بالأعظمية إلا من حيث دلالته على الذات التي لا يوازي عظمتها شيء، أو على وصفها الأعلى الذي لا يساويه غيره من بقية أوصافه، فكان الدال على أحد هذين بالنسبة لذلك أعظم من الدال على غيرهما، وإن كان كل أوصافه تعالى عظيمًا جليلًا" (^١).
التقويم:
أسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تعد بعدد، فإن لله سبحانه أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، والقول بذلك هو مذهب سلف الأمة وأئمتها وهو قول جمهور العلماء (^٢)، ولم يخالفهم فيه إلا طائفة من المتأخرين كابن حزم وغيره (^٣).
ومما يستدل به لذلك، ما يلي:
١ - قوله -ﷺ-: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " (^٤).
فقوله: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك " دليل على أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره (^٥).
٢ - قوله -ﷺ-: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من
_________________
(١) الإيعاب (١/ ٤٣).
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم (١٧/ ٥)، درء التعارض (٣/ ٣٣٢)، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢ - ٤٨٦)، بدائع الفوائد (١/ ١٦٦)، فتح الباري (١١/ ٢٢٤)، إيثار الحق لابن المرتضى (ص ١٦٩)، وللاستزادة: أسماء الله الحسنى للغصن (ص ١٣١)، معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله للتميصي (ص ٦٩)، وما بعدها.
(٣) انظر: قوله في المحلى (١/ ٣٦)، والرد عليه في المصادر السابقة.
(٤) تقدم تخريجه (ص ٢٨١).
(٥) انظر: شأن الدعاء للخطابي (ص ٢٤)، شفاء العليل (٢/ ٧٥٨).
[ ٢٨٣ ]
عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (^١).
"فأخبر أنه -ﷺ- لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصى أسماءه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه، لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه" (^٢).
٣ - قوله -ﷺ- في حديث الشفاعة-: "فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآن" (^٣).
ووجه الدلالة: أن تلك المحامد تتضمن بعض أسماء الله تعالى وصفاته (^٤).
٤ - أن الأسماء الواردة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين، وعليه فلا يصح حصرها في العدد المذكور (^٥).
ويتضح مما تقدم صحة ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من القول بأن أسماء الله كير محصورة بعدد معين، وموافقته في ذلك لسلف الأمة وأئمتها وجمهور العلماء.
وأما تعيين الاسم الأعظم من أسماء الله فهو مما اختلف الناس في إمكانه من عدمه، والقائلون بإمكانه اختلفوا في تعيينه، والخلاف في ذلك جارٍ في أقوال أهل السنة والجماعة أنفسهم (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود (١/ ٣٥٢) برقم (٤٨٦) من حديث عائشة -﵂- به.
(٢) درء التعارض (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ذرية من حملنا مع نوح (٣/ ١٤٥٨)، برقم (٤٧١٢)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (١/ ١٨٤) برقم (١٩٤) من حديث أبي هريرة -﵁- به.
(٤) بدائع الفوائد (١/ ١٦١).
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢)، العواصم والقواصم لابن الوزير (٧/ ٢٢٨).
(٦) انظر: شرح مشكل الآثار (١/ ١٦٢)، شأن الدعاء للخطابي (ص ٢٥)، مجموع الفتاوى (١٨/ ٣١١)، مختصر الصواعق المرسلة (١/ ١٠١)، فتح الباري (١١/ ٢٢٧)، الحاوي للفتاوي للسيوطي (١/ ٣٩٤)، وللاستزادة: اسم الله الأعظم للدميجي (ص ١٠٩) وما بعدها، أسماء الله الحسنى للغصن (ص ٩٠ - ٩٨).
[ ٢٨٤ ]
وما قرره ابن حجر ﵀ من أن اسم الله الأعظم هو (الله) وعزوه القول بذلك لأكثر أهل العلم موافق لقول جماعة، منهم: ابن عباس -﵁- (^١)، والشعبي (^٢) (^٣)، وجابر بن زيد (^٤) (^٥)، وابن المبارك (^٦) (^٧)، وأبو حنيفة (^٨)، والطحاوي (^٩)، وابن العربي (^١٠)، والخطابي (^١١)، والقرطبي (^١٢)، وعزاه الطرطوشي (^١٣)، والسفاريني لأكثر أهل العلم (^١٤).
وهو القول الراجح -إن شاء الله- ومما يدل لذلك:
١ - أن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم المذكور في كل الأحاديث الواردة في بيان الاسم الأعظم، حيث ورد في بعضها بلفظ (الله) وفي
_________________
(١) أخرجه ابن مردويه كما في الدر المنثور (١/ ٢٣).
(٢) هو عامر بن شراحبيل بن ذي كبار الهمذاني الشعبي، أبو عمرو، الإمام، من فقهاء التابعين ومحدثيهم، حدث عن عدد من الصحابة، توفي سنة ١٠٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٤)، شذرات الذهب (١/ ١٢٦).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٧٣) برقم (٩٤١٦) و(١٤/ ٣٢) برقم (١٧٤٦٢)، والدارمي في الرد على بشر المريسي (١/ ١٦٨) من طرق عن الشعبي به.
(٤) هو جابر بن زيد الأزدي اليحمري، أبو الشعثاء، من فقهاء التابعين، روى عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وغيرهم، توفي سنة ٩٣ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٨١)، شذرات الذهب (١/ ١٠١).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٧٣) برقم (٩٤١٥) و(١٤/ ٣٢) برقم (١٧٤٦١)، والدارمي في الرد على بشر المريسي (١/ ١٦٩) من طرق عن أبي هلال الراسبي عن حيان الأعرج عن جابر بن زيد به.
(٦) انظر: الدعاء المأثور وآدابه للطرطوشي (ص ٩٧).
(٧) هو عبد الله بن المبارك الحنظلي مولاهم، التركي ثم المروزي، أبو عبد الرحمن، أحد أئمة السلف وأعلامهم عبادة وعلمًا، من مؤلفاته: كتاب الزهد، توفي سنة (١٨١ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٧٨)، شذرات الذهب (١/ ٢٩٥).
(٨) انظر: شرح مشكل الآثار (١/ ١٦٢).
(٩) انظر: المصدر السابق (١/ ١٦١).
(١٠) انظر: أحكام القرآن له (٢/ ٧٩٨).
(١١) انظر: شأن الدعاء (ص ٢٥).
(١٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٠٢).
(١٣) هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف المهري، المالكي، المعروف بالطرطوشي، من مؤلفاته: الحوادث والمبدع، وتحريم الغناء، والرد على اليهود وغيرها، توفي سنة ٥٣٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٩٠)، شذرات الذهب (٤/ ٦٢).
(١٤) انظر: الدعاء المأثور وآدابه للطرطوشي (ص ٩٦)، لوامع الأنوار (١/ ٣٥).
[ ٢٨٥ ]
بعضها الآخر بلفظ (اللهم) (^١)، ولا خلاف أن لفظة (اللهم) معناها: يا الله (^٢).
٢ - أن القول بذلك هو المأثور عن بعض السلف -﵃- وهو قول جمهور العلماء -كما تقدم-.
٣ - أن لهذا الاسم من الخصائص والمزايا المعنوية واللفظية ما لا يوجد في غيره، كاختصاص الله به حيث لم يطلق على غيره سبحانه، وكونه الأصل في أسمائه وسائر الأسماء مضافة إليه، وتكراره في القرآن الكريم أكثر من غيره، وغيرها (^٣).