يرى ابن حجر ﵀ أن "أسماء الله توقيفية على الأصح فلا يجوز اختراع اسم أو وصف له تعالى إلا بقرآن أو خبر صحيح وإن لم يتواتر " (^٣).
ويستثني من ذلك ما كان وروده بصيغة المصدر، أو الفعل، أو ذكر على سبيل المقابلة والمشاكلة (^٤)، حيث يقول: "لا يجوز أن يذكر اسم أو صفة إلا إن ورد في القرآن وصح الخبر به عن النبي -ﷺ- ولا يكفي (٣)
_________________
(١) = شرح جوهرة التوحيد، حاشية على أم البراهين، تحفة البشر على مولد ابن حجر، توفي سنة (١٢٧٧ هـ). انظر: الأعلام (١/ ٧١)، معجم المؤلفين (١/ ٨٤).
(٢) تحفة المريد (ص ٨٨).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ١٨٦).
(٤) تحفة المحتاج (١/ ١٠) وانظر: فتح المبين (ص ٨١)، إتحاف أهل الإسلام (ص ٥٤)، التعرف (ص ١١٣)، تنبيه الأخيار (ل ١٦/ أ).
(٥) يعرف البلاغيون المشاكلة بتعريفات عدة أشهرها قولهم: "هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقًا أو تقديرًا". انظر: الإيضاح للقزويني (ص ٣٦٠)، والتبيان للطيبي (ص ٣٤٧).
[ ٢٧٨ ]
ورود أصله المصدر أو الفعل، ولا ورود لفظه على جهة المقابلة " (^١).
وبناء على ذلك أنكر ابن حجر تسمية الله ﷿ ببعض الأسماء:
١ - حيث أنكر تسمية الله سبحانه بالنظيف (^٢)، ورمضان (^٣)، والدهر (^٤)، والصانع (^٥)، والواهب (^٦)؛ لعدم ورود النصوص بها.
٢ - وأنكر تسمية الله تعالى بالزارع (^٧)، والرامي (^٨)، والمسبت (^٩)، لورودها بصيغة المصدر أو الفعل.
٣ - وأنكر تسمية الله ﷿ بالماكر (^١٠)؛ لوروده على سبيل المقابلة والمشاكلة.
التقويم:
اتفق -من يثبت الأسماء لله تعالى- على تسمية الله ﷿ بما سمى به نفسه مما ورد في نصوص الوحيين، وتنازعوا فيما عداها من الأسماء مما صح معناه في اللغة والعقل والشرع ولم يرد إطلاقه فيهما هل يجوز تسمية الله به أم لا؟
"فالجمهور منعوا إطلاق ما لم يأذن به الشرع مطلقًا، وجوزه المعتزلة مطلقًا، ومال إليه بعض الأشاعرة كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وتوقف إمام الحرمين الجويني " (^١١).
والقول بأن أسماء الله توقيفية هو قول أهل السنة والجماعة قاطبة (^١٢)،
_________________
(١) تنبيه الأخيار (ل ١٧/ أ)، وانظر: تحفة المحتاج (١/ ١٠)، والترف (ص ١١٣).
(٢) انظر: تنبيه الأخيار (ل ١٦/ أ)، فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٥٦).
(٣) انظر: إتحاف أهل الإسلام (ص ٥٤)، الفتاوى الحديثية (ص ١٨١)، فتح الإله (ص ٢٤).
(٤) انظر: حاشية الإيضاح (ص ٥)، الزواجر (١/ ١١٣)، العمدة شرح البردة (ص ٤١٢).
(٥) انظر: تحفة المحتاج (٤/ ١٠٨).
(٦) انظر: تنبيه الأخيار (ل ١٧/ أ).
(٧) انظر: تنبيه الأخيار (ل ١٧/ أ).
(٨) انظر: المصدر السابق (ل ١٧/ أ).
(٩) انظر: المصدر السابق (ل ١٧/ أ).
(١٠) انظر: المصدر السابق (ل ١٧/ أ)، تحفة المحتاج (١/ ١٠).
(١١) لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ١٢٤).
(١٢) انظر: أصول السنة لابن أبي زمنين (ص ٦٠)، مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦)، بدائع الفوائد (١/ ١٨٣)، لوامع الأنوار (١/ ١٢٤ - ١٢٥)، القواعد المثلى لابن عثيمين (ص ١٦).
[ ٢٧٩ ]
وجمهور الأشاعرة (^١) والماتريدية (^٢)، وهو الحق الذي تدل عليه النصوص من الكتاب والسنة، ومنها:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] فهذه الآية تدل على أن أسماء الله توقيفية من وجهين:
أ- قوله: "الأسماء" فالألف واللام فيها للعهد، والأسماء المعهودة هي التي جاء النص عليها في الكتاب والسنة (^٣).
ب- قوله: "الحسنى" فهذا الوصف يدل على أنه ليس في الأسماء الأخرى أحسن منها، وأن غيرها لا يقوم مقامها ولا يؤدي معناها (^٤).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
"قال أهل التفسير: من الإلحاد في أسمائه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السنة الصحيحة" (^٥).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
فهاتان الآيتان تدلان على تحريم الخوض في الأمور الغيبية مع عدم الدليل، ويدخل في ذلك أسماء الله تعالى باعتبارها من الأمور المغيبة التي لا تعرف إلا عن طريق الوحي.
٤ - قول النبي -ﷺ-: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو
_________________
(١) انظر: أصول الدين للبغدادي (ص ١١٩)، المواقف للإيجي (ص ٣٣٣)، وشرحها للجرجاني (٨/ ٢١٠)، تحفة المريد للباجوري (ص ٨٩).
(٢) انظر: التوحيد للماتريدي (ص ٤٢، ٩٤)، التمهيد للنسفي (ص ١٠)، إشارات المرام للبياضي (ص ١١٦).
(٣) انظر: المحلى لابن حزم (١/ ٢٩).
(٤) انظر: بدائع الفوائد (١/ ١٦٨).
(٥) فتح الباري لابن حجر (١١/ ٢٢١)، وانظر: المحلي لابن حزم (١/ ٢٩)، تفسير البغوي (٣/ ٣٠٧).
[ ٢٨٠ ]
أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " (^١) الحديث.
"فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من فعل الآميين وتسمياتهم" (^٢).
وعليه فما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من كون أسماء الله توقيفية موافق لِمَا تدل عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وما ذهب إليه أهل السنة والجماعة ومن وافقهم.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن القول بأن أسماء الله توقيفية لا ينافي الإخبار عنه بما لم يرد؛ إذ "ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته" (^٣).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "يُفَرَّق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يُدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه، فلا يكون باسم سيئ، لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسمع، وإن لم يحكم بحسنه، مثل اسم شيء، وذات، وموجود" (^٤).
وأما ما قرره من استثناء ما ورد بصيغة المصدر أو الفعل، أو كان على سبيل المقابلة والمشاكلة من عموم أسماء الله ﷿ فهو موافق لقول أهل السنة والجماعة، وهو الحق الذي لا محيد عنه؛ وذلك لكونها تحتمل المدح
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٥٣) برقم (٩٣٧٦)، وأحمد (٦/ ٢٤٦) برقم (٣٧١٢)، وأبو يعلى (٩/ ١٩٨) برقم: (٥٢٩٧)، وابن حبان (٣/ ٢٥٣) برقم (٩٧٢)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٦٩ - ١٧٠) برقم (١٠٣٥٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٠٩ - ٥١٠)، من طرق عن فضيل بن مرزوق، عن أبي سلمة الجهني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود -﵁- به. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٣٦): "رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح، غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان". والحديث صححه الألباني في الصحيحة (١/ ٣٣٦) حديث: (١٩٩).
(٢) شفاء العليل (٢/ ٧٥٧).
(٣) بدائع الفوائد (١/ ١٨٢).
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٢).
[ ٢٨١ ]
والذم من جهة، ولورودها مقيدة لا مطلقة من جهة أخرى (^١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الأسماء التي فيها عموم وإطلاق لما يحمد وما يذم، لا توجد في أسماء الله الحسنى؛ لأنها لا تدل على ما يحمد به الرب ويمدح" (^٢).
ويقول العلامة ابن القيم ﵀: "لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا أن يشتق له منه اسم مطلق، كما غلط بعض المتأخرين، فجعل من أسمائه الحسنى المضل، الفاتن، الماكر، تعالى الله عن قوله؛ فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه منها إلا أفعال مخصوصة معينة، فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة" (^٣).