عرض ابن حجر ﵀ لنوعين من أنواع العبادة هما الخوف والرجاء وبين تلازمهما، وذكر أقوال الناس في تغليب أحدهما على الآخر، ورجح ما يراه منها.
حيث قال: "الرجاء والخوف متلازمان، فإن كل من رجا محبوبًا فلا بد وأن يخاف فوته وإلا فهو لا يحبه، فاستحال انفكاك أحدهما عن الآخر، وإن أمكن غفلة القلب عن استشعار أحدهما" (^٤).
وقال: "الراجح عند أئمتنا أن الإنسان ما دام صحيحًا فليكن رجاؤه وخوفه مستويين.
وقيل: يغلب الرجاء لئلا يغلب عليه داء اليأس من رحمة الله تعالى.
وقيل: يغلب الخوف لئلا يغلب عليه داء الأمن من مكر الله.
ويرد بأنهما إذا استويا أُمِنَتْ غلبة أحدهما، فلا محذور يخشى حينئذ؛ بخلاف غلبة أحدهما فإنه يخشى من المحذور الذي في مقابله.
أما المريض فيغلب الرجاء، لقوله - ﷺ -: "لا يموتن أحدكم إلا وهو
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٣٥٤).
(٢) أخرجه ابن إسحاق - كما في الدر المنثور للسيوطي (١/ ٨٥) -، ومن طريقه ابن جرير (١/ ١٩٦) برقم (٤٧٢)، وابن أبي حاتم برقم (٢١٦).
(٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٥٦).
(٤) الفتاوى الحديثية (ص ٣٨٩ - ٢٩٠).
[ ١٥٢ ]
محسن الظن بالله" (^١) أي: يظن أنه يغفر له ويرحمه" (^٢).
التقويم:
الخوف والرجاء من العبادات القلبية العظيمة الباعثة على ما سواها من العبادات.
يقول الحافظ ابن كثير (^٣) ﵀: "لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكفّ عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات" (^٤).
ولهذا وصف الله بها خواص عباده، وأثنى عليهم بتحقيقها.
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
وقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧].
وقال ﷿: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦].
والخوف والرجاء متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ إذ الخوف بلا رجاء يأس وقنوط، والرجاء بلا خوف أمن من مكر الله، وكلاهما من كبائر الذنوب (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت (٤/ ٢٢٠٥) برقم (٢٨٧٧) من حديث جابر - ﵁ - به.
(٢) المنح المكية (٣/ ١٣٩٩)، وانظر: فتح الجواد (١/ ٢٢٥)، الإفادة لِمَا جاء في المرض والعيادة (ص ٥٠)، الزواجر، تطهير الجنان واللسان (ص ٩٢).
(٣) هو إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي، عماد الدين أبو الفداء، الإمام الحافظ، والمحدث المؤرخ، من مؤلفاته: تفسير القرآن العظيم، البداية والنهاية، اختصار علوم الحديث، توفي سنة ٧٧٤ هـ. انظر: الدرر الكامنة (١/ ٤٠٠)، شذرات الذهب (٦/ ٢٣٢).
(٤) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣).
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٩٥) (١٥/ ٢١)، مدارج السالكين (٢/ ٤٣ - ٤٤) (٣/ ١٣٩)، التخويف من النار لابن رجب (ص ٢٥)، الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/ ٣٠)، شرح الطحاوية (٢/ ٤٥٦)، فتح الباري (١/ ٣٠٧)، أضواء البيان (٣/ ٧٩ - ٨٠) (٤/ ٢٠٠).
[ ١٥٣ ]
ولهذا قال - ﷺ -: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد" (^١).
وقد قرر أهل السنة والجماعة ذلك، وذكروه في عقائدهم.
يقول الإمام الطحاوي (^٢) ﵀: "والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة" (^٣).
ومثلوا حال العبد معهما بحال الطائر مع جناحيه، فقالوا: "الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا، استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا، صار الطائر في حد الموت" (^٤).
ومن مشهور قولهم في الرد على من ضل في هذا الباب: "من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري (^٥)، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد" (^٦).
وقد اختلف أهل العلم -﵏- هل يغلب العبد جانب الرجاء أو جانب الخوف؟
فمنهم من قال: يغلب جانب الرجاء مطلقًا.
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٤/ ٢١٠٩) برقم (٢٧٥٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.
(٢) هو أحمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي، أبو جعفر، الحنفي، أحد أئمة السلف، من مؤلفاته: العقيدة المشهورة، شرح معاني الآثار، شرح مشكل الآثار، توفي سنة ٣٢١ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧)، شذرات الذهب (٢/ ٢٨٨).
(٣) العقيدة الطحاوية مع شرحها (٢/ ٤٥٦).
(٤) شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧).
(٥) الحروري: نسبة إلى حروراء وهي قرية قريبة من الكوفة في العراق، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج: حروري؛ لأن أول فرقة منهم خرجوا على علي - ﵁ - عند هذه القرية، فاشتهروا بالنسبة إليها، وهم فرق كثيرة. انظر: التنبيه والرد للملطي (ص ١٨٨)، فتح الباري (١/ ٤٢٢).
(٦) لم أجدها مسندة مع شهرتها لأحد من السلف، وقد نسبها الغزالي في الإحياء (٤/ ١٧٤) إلى مكحول الدمشقي، وذكرها شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١٥/ ٢١)، وابن القيم في بدائع الفوائد (٣/ ١١)، وابن رجب في التخويف من النار (ص ٣٠) وابن أبي العز في شرح الطحاوية (٢/ ٤٥٨) غير منسوبة لأحد.
[ ١٥٤ ]
ومنهم من قال: يغلب جانب الخوف مطلقًا.
ومنهم من قال: إن كان في طاعة فليغلب الرجاء، وإن هم بمعصية فليغلب الخوف.
ومنهم من قال: إن أمن داء القنوط فالرجاء أولى، وإن أمن داء المكر فالخوف أولى.
ومنهم من قال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه سواء، لا يغلب هذا على هذا، ولا هذا على هذا.
ومنهم من قال: في حال الصحة يغلب جانب الخوف، وفي حال المرض يغلب جانب الرجاء.
ومنهم من قال: في حال الصحة يجعل رجاءه وخوفه واحدًا، وفي حال المرض يغلب الرجاء أو يمحضه (^١).
والذي عليه جمهور السلف -﵏- ضرورة استوائهما بحيث لا يغلب أحدهما على الآخر.
يقول الحافظ ابن رجب ﵀: "فأما الخوف والرجاء فأكثر السلف على أنهما يستويان، لا يرجح أحدهما على الآخر" (^٢).
والقول بذلك هو القول المختار الذي تعضده النصوص الشرعية وتدل عليه.
يقول العلامة النووي ﵀: "اعلم أن المختار للعبد حال صحته أن يكون خائفًا راجيًا، ويكون خوفه ورجاؤه سواء وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة متظاهرة على ذلك" (^٣).
وما رجحه ابن حجر ﵀ هو بمعنى هذا القول، إلا أنه استثنى المريض من ذلك للحديث المذكور.
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين (١/ ٥٥٤)، التخويف من النار (ص ٣٠ - ٣١)، الآداب الشرعية (٢/ ٢٤)، فتح الباري (١١/ ٣٠٠ - ٣٠١).
(٢) التخويف من النار (ص ٢٥).
(٣) رياض الصالحين (ص ٢٠٦).
[ ١٥٥ ]