يرى ابن حجر - غفر الله له - أن الخبر في لا إله إلا الله مقدر بموجود، وأن تقديره بذلك لا ينافي التوحيد بل يثبته، حيث وجه إليه سؤال عن الخبر في لا إله إلا الله هل يقدر بممكن أو موجود؛ وذلك لكون تقدير الخبر بممكن لا يلزم منه إثبات وجود الله إذ الإمكان لا يستلزم الوجود، وتقديره بموجود لا يلزم منه نفي الإمكان عن غير الله، وعلى كلا التقديرين فلا يلزم التوحيد الكامل؟
فأجاب بقوله: "لا شك أن المراد تقدير موجود لا مطلقًا، بل مع ملاحظة وجوب اتصاف وجوده بأنه واجب لذاته، أي: لا موجود وجوده واجب لذاته إلا الله، وهذا لا يرد عليه شيء.
وبفرض الغفلة عن هذا، والاقتصار على تقدير موجود فقط، يمكن توجيهه بأن يقال إن الممكن يسمى موجودًا بالقوة، فإذا قدر موجودًا انتفى وجود الألوهية بسائر اعتباراته عن غير الله، وإثباته بسائر اعتباراته لله تعالى، وحينئذ فتقديره لا ينافي التوحيد الكامل بل يثبته كما هو جلي والله أعلم" (^١).
التقويم:
لَمّا كان فهم المعنى يتوقف على معرفة إعراب الجمل؛ كان الاعتناء بمعرفة إعراب لا إله إلا الله أمر مهم، وصلة ذلك بالبحث العقدي شيء متحتم.
ولهذا اعتنى العلماء بإعراب هذه الكلمة، وأفردوا المصنفات في ذلك (^٢).
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ٢٧٨).
(٢) انظر: ما ذكره الدكتور محمد العروسي في مقدمة تحقيقه لرسالة التجريد في إعراب كلمة التوحيد للقاري حيث ذكر تسع رسائل في إعراب لا إله إلا الله، ومما هو مطبوع منها: رسالة مسألة في كلمة الشهادة للزمخشري، ورسالة إعراب لا إله إلا الله لابن هشام، ورسالة في لا إله إلا الله لبدر الدين الزركشي، والتجريد في إعراب كلمة التوحيد للقاري، وعجالة ذوي الانتباه في تحقيق إعراب لا إله إلا الله للكوراني.
[ ١٤٢ ]
وحاصل ما ذكروه أن:
لا: نافية للجنس.
وإله: اسمها مبني على الفتح؛ لأنه مفرد نكرة تضمن معنى الحرف.
واختلفوا في خبرها هل هو مذكور أم محذوف؟
فقال بعضهم: خبرها مذكور، وهو جملة الاستثناء (إلا الله).
وقال آخرون: خبرها محذوف، وهو الصواب، ثم اختلف هؤلاء في تقديره:
فقدره بعضهم بكلمة (موجود).
وبعضهم بكلمة (ممكن).
وبعضهم بكلمة (لنا).
وبعضهم بكلمة (معبود).
وبعضهم بكلمة (حق).
والصواب تقديره بكلمة (حق)؛ لأن المعبود بحق هو الله ﷾ وحده أما غيره من المعبودات فهي موجودة لكنها باطلة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢].
وإلا: أداة استثناء.
والله: لفظ الجلالة بدل من لفظ الإله، بدل بعض من كل (^١).
وبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر - عفا الله عنه - من كون الخبر في لا إله إلا الله مقدر بكلمة موجود باطل من وجوه، منها:
١ - أن تقدير الخبر بكلمة (موجود) لا ينفي إمكان وجود إله دونه سبحانه فيما يستقبل (^٢)، وجوابه عن ذلك وإن كان ينفي هذا الاعتراض فإنه لا ينفي الاعتراض الآخر بعده، كما أن ورود الاعتراض بحد ذاته وإن
_________________
(١) انظر: مسألة في كلمة الشهادة (ص ١٣٥ - ١٦٤)، وإعراب لا إله إلا الله لابن هشام (ص ٤٧ - ٦٥)، ورسالة في معنى لا إله إلا الله للزركشي (ص ٦٤ - ٨٧)، والتجريد في إعراب كلمة التوحيد (ص ١٥ - ٣١)، وعجالة ذوي الانتباه (ص ١٩٨ - ٢٠٨).
(٢) انظر: التجريد في إعراب كلمة التوحيد (ص ١٩ - ٢٠).
[ ١٤٣ ]
أجيب عنه يضعف هذا القول ويوهيه.
٢ - أن تقدير الخبر بكلمة (موجود) يلزم منه أن يكون كل معبود بحق أو باطل هو الله ﷿؛ إذ الآلهة الموجودة المعبودة من دون الله كثيرة، وهذا هو مذهب أهل الاتحاد (^١) (^٢).
٣ - أن تقدير ابن حجر الخبر بكلمة (موجود) يناقض ما ذكره في معنى لا إله إلا الله من كون معناها: لا معبود بحق إلا الله.
وعليه فإن الصواب هو تقدير الخبر بكلمة (حق)، وأما تقديره بكلمة (موجود) فلا يكفي إلا إذا ذكر قيد الاستحقاق بحيث ينعت اسم لا بحق، ويكون التقدير لا إله حقًّا موجودٌ إلا الله وحينئذ يزول المحذور (^٣).