يرى ابن حجر -﵀- تحريم اتخاذ السرج على القبور، وأن ذلك من الكبائر (^٥)، وأن قول الشافعية بكراهة اتخاذ السرج على القبور محمول على
_________________
(١) انظر: تنبيه الغافلين لابن النحاس (ص ٢٩٧)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٦٤)، الأمر بالاتباع للسيوطي (ص ١٨٣)، الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة (ص ١٢٠)، كشاف القناع للبهوتي (٢/ ١٤٠).
(٢) انظر: الباعث على إنكار البدع (ص ١٢٠)، مجموع الفتاوى (٢/ ٣٠٨) (٢٧/ ١٠)، إغاثة اللهفان لابن القيم (١/ ١٩٤)، تجريد التوحيد المفيد للمقريزي (ص ٥٨)، أحكام الجنائز للألباني (ص ٢٦٣).
(٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٠٨).
(٤) المصدر السابق (٢٧/ ١٠).
(٥) انظر: الزواجر (١/ ١٦٥).
[ ٢١٠ ]
ما لم يقصد به التعظيم والتبرك بصاحب القبر أو على ما لم يكن فيه إسراف وتبذير.
يقول في ذلك: "يحمل قول أصحابنا: بكراهة ذلك على ما إذا لم يقصد به تعظيمًا وتبركًا بذي القبر" (^١).
ويقول: "كلام أصحابنا مصرح بكراهتها دون حرمتها، فضلًا عن كونها كبيرة، فليحمل [أي: عد اتخاذ السرج على القبور من الكبائر] على ما إذا عظمت مفاسدها كأن يسرف في الإيقاد عليها لأنه من التبذير والإسراف وإنفاق المال في المحرمات" (^٢).
ويقول أيضًا: "نعم صرح أصحابنا بحرمة السراج على القبر وإن قلّ حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر وعللوه بالإسراف وإضاعة المال والتشبه بالمجوس (^٣) فلا يبعد في هذا حينئذ أن يكون كبيرة" (^٤).
التقويم:
اتخاذ السرج على القبور وسيلة إلى عبادتها وتعظيمها، والتذلل والخضوع لها، وسؤالها ما لا يقدر عليه إلا الله؛ ولهذا ورد النهي عن ذلك ولعن فاعله، وعده جمع من أهل العلم من كبائر الذنوب، وحكى الإجماع على تحريمه غير واحد منهم (^٥).
فقد رُوي عن عبد الله بن عباس -﵄- أنه قال: "لعن رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) الزواجر (١/ ١٤٩).
(٢) المصدر السابق (١/ ١٦٦).
(٣) المجوس: هم قوم يدينون بالمجوسية وهي إحدى النحل الوثنية القديمة الوارد ذكرها في القرآن الكريم، يقولون بخالقين: خالق الخير وهو النور، وخالق الشر وهو الظلمة، وكانوا يعبدون النار، وقد عدهم بعض العلماء من أهل الكتاب، والصحيح أنهم ليسوا أهل كتاب. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٢٣٣)، اعتفادات فرق المسلمين والمشركين (ص ١٣٤)، التبصير في الدين (ص ١٢٦)، البرهان في عقائد أهل الأديان (ص ٩٠).
(٤) الزواجر (١/ ١٦٦).
(٥) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٧٧)، إغاثة اللهفان (١/ ١٨٨)، زاد المعاد لابن القيم (١/ ٥٢٥)، الدرر السنية (٥/ ١٠٤، ١٢٥)، تيسير العزيز الحميد (ص ٣٤٧)، فتح المجيد (١/ ٤٢٠ - ٤٢١).
[ ٢١١ ]
زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج" (^١).
يقول العلامة ابن القيم -﵀-: "قرن في اللعن بين متخذي المساجد عليها وموقدي السرج عليها، فهما في اللعنة قرينان، وفي ارتكاب الكبيرة صنوان، فإن كل ما لعن رسول الله -ﷺ- فهو من الكبائر، ومعلوم إن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نُصُبًا يُوفِضُ إليه المشركون كما هو الواقع " (^٢).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "يحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وبينها، ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين" (^٣).
وبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر -﵀- من تحريم اتخاذ السرج على القبور وعده ذلك من الكبائر مما وافق فيه أهل السنة والجماعة، وأهل العلم المعروفين.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور (٣/ ٥٥٨) برقم (٣٢٣٦)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور (١/ ٦٥٧) برقم (٢١٧٠)، وفي المجتبى، كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور (٤/ ٩٥ - ٩٦) برقم (٢٠٤٣)، والترمذي، أبواب الصلوات، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجد (١/ ٣٥٢) برقم (٣٢٠)، والطيالسي (٤/ ٤٥٤) برقم (٢٨٥٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٤٤)، وأحمد (٣/ ٤٧١)، برقم (٢٠٣٠)، (٤/ ٣٦٣) برقم (٢٦٠٣)، (٥/ ١٢٨)، برقم (٢٩٨٤)، وابن حبان (٧/ ٤٥٢ - ٤٥٤)، برقم (٣١٧٩، ٣١٨٠)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٤٨) برقم (١٢٧٢٥)، والحاكم (١/ ٣٧٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٧٨)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٤١٦ - ٤١٧) برقم (٥١٠) من طرق عن أبي صالح عن ابن عباس -﵄- به. وقد اختلف المحدثون في تعيين أبي صالح أهو باذان أو مهران، وجمهورهم على الأول كما في التلخيص الحبير (٢/ ١٤٥). يقول الحاكم: "أبو صالح هذا ليس بالسمان المحتج به، إنما هو باذان، ولم يحتج به الشيخان، لكنه حديث متداول بين الأئمة ". وقد حسن الحديث الترمذي، والبغوي، وشيخ الإسلام في الفتاوى (٢٤/ ٣٥٠)، وابن القيم في تهذيب السنن (٤/ ٣٤٧)، والسيوطي في الأمر بالاتباع (ص ١٢٩ - ١٣٠)، وأحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي (٢/ ١٣٧).
(٢) إغاثة اللهفان (١/ ١٨٨).
(٣) الاختيارات العلمية (ص ٥٢).
[ ٢١٢ ]
وأما ذكره عن الشافعية من القول بكراهة اتخاذ السرج على القبور دون حرمة ذلك، وحمله كلامهم على ما لم يقصد به التعظيم والتبرك أو ما لم يكن فيه إسراف وتبذير، فمتعقب بكون النهي الوارد عن اتخاذ السرج على القبور ظاهرًا في التحريم، ولا يحتمل غيره، إذ هو دال على لعن فاعله، وهو غاية في النهي والزجر، وأي لفظ أدل على التحريم من ذلك؟ !
وحمل النهي على ما قصد به التعظيم والتبرك أو اشتمل على إسراف وتبذير تخصيص لعموم النهي الوارد، والأصل بقاؤه على عمومه فلا يعدل عنه إلا بدليل، ولا دليل يدل على التخصيص.