يرى ابن حجر -﵀- تحريم البناء على القبور في المقابر المسبلة والموقوفة، وجواز هدم بنائها، يقول في ذلك: "يحرم بناء القبر في المقبرة المسبلة وهي التي اعتاد أهل البلد الدفن فيها، ومثلها الموقوفة لذلك لوجود علة تحريم البناء في ذلك وهي تحجير الأرض على من يدفن بعد بلاء الميت ومنع الناس من الانتفاع بها، فحرم ووجب على ولاة الأمر هدم الأبنية التي في المقابر المسبلة " (^١).
وأما المقابر المملوكة لأصحابها فيرى كراهة البناء عليها لانتفاء علة التحريم عنها حيث يقول: "يكره [يعني: البناء على القبور] ومحل كراهة البناء إذا كان بملكه، فإن كان بمسبلة أو موقوفة حرم وهدم" (^٢).
كما يرى ابن حجر بطلان النذر بتجصيص القبور، ويستثني من ذلك قبور الأنبياء والأولياء.
يقول في ذلك: "والنذر للتجصيص المذكور باطل ويصح ذلك في قبور الأنبياء والأولياء والعلماء" (^٣).
_________________
(١) الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٢٢)، وانظر: (١/ ٤١٣)، وتحفة المحتاج (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، وفتح الجواد (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤).
(٢) فتح الجواد (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، وانظر: تحفة المحتاج (١/ ٤٣٤).
(٣) الفتاوى الفقهية الكبرى (٤/ ٢٨٢).
[ ٢١٣ ]
التقويم:
البناء على القبور من ذرائع الشرك الموصلة له، ووسائله المفضية إليه، ولهذا جاءت النصوص بالتحذير من ذلك، والأمر بإزالته (^١).
فقد روى أبو الهياج الأسدي (^٢) -﵀- أن علي بن أبي طالب -﵁- قال له: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -ﷺ-؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" (^٣).
وثبت عن جابر بن عبد الله -﵁- أنه قال: "نهى رسول الله -ﷺ- أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه" (^٤).
وروى أبو سعيد الخدري -﵁-: "أن رسول الله -ﷺ- نهى أن يبنى على القبور، أو أن يقعد عليها، أو يصلى عليها" (^٥).
واتفق أهل العلم﵏- على النهي عن ذلك والتحذير منه.
يقول العلامة الشوكاني (^٦) -﵀-: "اعلم أنه اتفق الناس سابقهم
_________________
(١) انظر: الدرر السنية (٥/ ١٤٠)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٢٤٦)، النبذة الشريفة (ص ١٢٣) وما بعدها، تيسير العزيز الحميد (ص ٣٣٢) وما بعدها.
(٢) هو حيان بن حصين أبو الهياج الأسدي الكوفي، تابعي ثقة، روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. انظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٢٢٣)، تهذيب الكمال (٧/ ٤٧٢).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبر (٢/ ٦٦٦) برقم (٩٦٩).
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه (٢/ ٦٦٧) برقم (٩٧٠).
(٥) أخرج ابن ماجه الشاهد منه في كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها (١/ ٤٩٨) برقم (١٥٦٤)، وأخرجه بتمامه أبو يعلى في المسند (٢/ ٢٩٧) برقم (١٠٢٠) من طريق وهيب بن خالد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي سعيد به. والحديث رجاله ثقات، غير أن فيه انقطاعًا فإن القاسم بن مخيمرة لم يسمع من أبي سعيد، وبهذا أعله البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ٤١)، والألباني في أحكام الجنائز (ص ٢٠٦ - ٢٠٧)، إلا أن ما دل عليه الحديث ثابت متقرر بأحاديث أخرى ومنها الأحاديث المتقدمة.
(٦) هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ثم الصنعاني، ففيه محدث، من مؤلفاته: التحف في مذاهب السلف، الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد، =
[ ٢١٤ ]
ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة -﵀- إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من الباع التي ثبت النهي عنها، واشتد وعيد رسول الله -ﷺ- لفاعلها، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين" (^١).
وبناء على ما سبق فما ذكره ابن حجر من النهي عن البناء على القبور موافق لِمَا دلّت عليه النصوص الشرعية، وما ذهب إليه عامة أهل العلم سلفًا وخلفًا.
وأما تفريقه بين البناء على القبور في المقبرة المسبلة أو الموقوفة والمقبرة المملوكة وقوله بتحريم الأول وكراهة الثاني، فهو مما تابع فيه بعض الشافعية (^٢)، وهذا القول متعقب بما يلي:
١ - أن النصوص الواردة في النهي عن البناء على القبور عامة مطلقة فتخصيصها أو تقييدها بالمقابر المسبلة أو الموقوفة دون المقابر المملوكة يحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على التخصيص أو التقييد (^٣).
٢ - أن العلة التي علل بها الفقهاء النهي عن البناء على القبور كون ذلك وسيلة إلى الشرك، ومشابهة لأهل الكتاب والمشركين، وإضاعة للمال بلا فائدة، واتخاذًا للزينة والخيلاء في غير موضعها (^٤)، وهذه العلل متحققة في البناء على القبور سواء أكانت تلك القبور في مقابر مسبلة أو مملوكة.
وبهذا يعلم أن تعليل النهي عن البناء على القبور بكون ذلك يتضمن تحجير الأرض ومنع الناس من الاستفادة منها، والاعتماد في التفريق بين
_________________
(١) = شرح الصدور في تحريم رفع القبور، توفي سنة ١٢٥٠ هـ. انظر: البدر الطالع (٢/ ٢٠٤)، الأعلام (٦/ ٢٩٨).
(٢) شرح الصدور في تحريم رفع القبور (ص ٧).
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم (٢٧/ ٧).
(٤) انظر: نيل الأوطار للشوكاني (٧٨/ ٥، ٧٩، ٨١)، والبناء على القبور للمعلمي (ص ٥٥).
(٥) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٢٠)، تفسير القرطبي (١٠/ ٣٨٠)، الأمم للشافعي (١/ ٣٦٧)، المغني لابن قدامة (٢/ ٣٨٨)، السيل الجرار للشوكاني (١/ ٣٦٧).
[ ٢١٥ ]
المقابر المسبلة والمقابر المملوكة على ذلك لا يصح؛ لكون هذه العلة، وإن كانت صحيحة إلا أنها ليست هي علة النهي الوحيدة.
٣ - أن تحريم البناء على القبور في المقابر المملوكة أولى بالتحريم من البناء عليها في المقابر المسبلة أو الموقوفة؛ لما في تخصيص تلك القبور مع انفرادها عن غيرها من إشعار بتميزها مما يجعل الفتنة بها أحرى.
ولهذا يقول الشيخ سليمان بن عبد الله -﵀-: "أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور، وتحريمه، ووجوب هدمه، لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، ولا فرق في ذلك بين البناء في مقبرة مسبلة أو مملوكة، إلا أنه في المملوكة أشد، ولا عبرة بمن شذ من المتأخرين فاباح ذلك إما مطلقًا، أو في المملوكة " (^١).
وأما ما ذكره أن حجر من بطلان النذر بتجصيص القبور فهو موافق لما دلت عليه النصوص الشرعية، وما عليه أهل العلم من المذاهب الفقهية المتبوعة (^٢)، إلا أن استثناءه قبور الأنبياء والأولياء من ذلك لا يصح؛ لعدم الدليل على تخصيص النهي بمن هو دونهم، إضافة لكون تحريم تخصيص قبور الأنبياء والأولياء والحكم ببطلان النذر لذلك أولى بالتحريم من غيرها؛ لكون الفتنة بها أشد (^٣).