يعد - ابن حجر - غفر الله له وتجاوز عنا وعنه - من متأخري الأشاعرة الذين يجمعون بين الأشعرية والتصوف.
وقد صرح بذلك في معجم شيوخه فقال في آخره (^٤): "وكتبه الفقير إلى عفو ربه وكرمه أحمد بن محمد بن علي السلمنتي أصلًا، والهيتمي مولدًا، والأزهري مربى ومنشأ، والصوفي إرشادًا، والجنيدي اتباعًا وانقيادًا، والأشعري اعتقادًا، والوائلي السعدي نسبًا، والشافعي مذهبًا".
وذكر في غير موضع من كتبه أن أهل السنة عند الإطلاق المراد بهم
_________________
(١) انظر: ابن حجر المكي حياته وآثاره للسكجي (ص ٢٦٥)، وابن حجر المكي وجهوده في الكتابة التاريخية للمياء شافعي (ص ٢٨٩).
(٢) انظر: نفائس الدرر (ل ٥/ ب).
(٣) انظر: المصدر السابق (ل ٥/ ب).
(٤) معجم شيوخه (ل ١١٤/ أ).
[ ٥٤ ]
الأشعرية والماتريدية (^١)، منها قوله: "المراد بأهل السنة حيث أطلقوا أتباع أبي الحسن الأشعري (^٢)، وأبي منصور الماتريدي" (^٣) (^٤) وقوله: "اتفق أهل الحق، وهم فريقان: الأشاعرة، والحنفية" (^٥).
ونظرة عجلى في معجم شيوخه، وأسانيده للفاداني، ومصادر ترجمته، تؤكد هذه الحقيقة وتجليها، فهو يروي الكتب الأشعرية والصوفية، ويدرسها لتلاميذه (^٦)، وله سند بخرقة التصوف (^٧)، كما أنه شديد التعظيم لابن عربي (^٨) والتلمساني (^٩) وأضرابهما (^١٠)، شديد الخصومة لشيخ الإسلام
_________________
(١) انظر: المنح المكية (٣/ ١٤٥٣)، الزواجر (١/ ٩٩)، تطهير الجنان (ص ٣٦)، المولد الشريف (٦٥)، الفتاوى الحديثية (ص ٣٧٠)، التعرف (ص ١٢٣ - ١٢٤، ١٢٦، ١٣٠، ١٣١).
(٢) هو علي بن إسماعيل بن سالم بن إسماعيل الأشعري أبو الحسن، شيخ الأشاعرة وإمامهم، مر بثلاثة أطوار في حياته: طور انتحل فيه الاعتزال، وطور سلك فيه مسلك ابن كلاب، وطور نهج فيه منهج السلف مع لوثة اعتزالية، من مؤلفاته: مقالات الإسلاميين، الإبانة، اللمع وغيرها، توفي سنة ٢٣٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٨٥)، شذرات الذهب (٢/ ٣٠٣).
(٣) هو محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي السمرقندي، إمام الماتريدية ومقدمهم، من مؤلفاته: كتاب التوحيد، تأويلات أهل السنة، رسالة في الإيمان وغيرها، توفي سنة ٣٣٣ هـ. انظر: الجواهر المضية للقرشي (٣/ ٣٦٠)، تاج التراجم لابن قطلوبغا (ص ٥٩).
(٤) تطهير الجنان واللسان (ص ٧).
(٥) فتح المبين (ص ٦٨).
(٦) انظر: نفائس الدرر (ل ٥/ أ)، أسانيد الفقيه - ابن حجر للفاداني (ص ٨٢).
(٧) نفائس الدرر (ل ١٤/ أ).
(٨) هو محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي الأندلسي الشهير بابن عربي، الملقب عند المتصوفة بالشيخ الأكبر ومحيي الدين، من مؤلفاته: فصوص الحكم، الفتوحات المكية، التفسير، توفي سنة ٦٣٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٤٨)، شذرات الذهب (٥/ ١٩٠).
(٩) هو سليمان بن علي بن عبد الله بن علي الكومي التلمساني المشهور بعفيف الدين، أحد زنادقة الصوفية، من مؤلفاته: شرح الفصوص، شرح منازل السائرين، شرح القصيدة العينية لابن سينا، توفي سنة ٦٩٠ هـ. انظر: العبر للذهبي (٣/ ٣٧٢)، شذرات الذهب (٥/ ٤١٢).
(١٠) انظر: الزواجر (١/ ٥٦ - ٥٧)، المنح المكية (٣/ ١٤٦٩)، الفتاوى الحديثية (ص ٣٨٨).
[ ٥٥ ]
ابن تيمية (^١) وتلميذه العلامة - ابن القيم (^٢) - كما سيأتي -.
ولجمع - ابن حجر - عفا الله عنه - بين كل ذلك من جهة، وشهرته العلمية في عصره وما بعده من جهة أخرى؛ أصبح مقدمًا عند القوم، وكتبه مصدرًا لتقرير آرائهم، وبخاصة في المسائل التي حمل لواءها كالقول باستحباب التوسل بالنبي - ﷺ - بإطلاق، وشد الرحال إلى قبره، والاحتفال بمولده، والقول بحياته حياة حقيقية لا برزخية، وإسلام أبويه إلخ.
وكتب القوم تنطق بهذا، وتفصح عنه أيما إفصاح، واعتبر ذلك في كتب خصوم الدعوة السلفية (^٣).
ولهذا كان لأئمة الدعوة السلفية - ﵏ - كلام شديد في - ابن حجر - غفر الله له - وردود قوية عليه في المسائل التي زل فيها مما نقله عنه المتصوفة القبورية في كتبهم، بينوا بها ضعف أدلته، وزيف أقواله (^٤).
_________________
(١) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني، أبو العباس، تقي الدين، علم من أعلام السنة، وإمام من أئمة المسلمين، له مؤلفات لا تحصى كثرة، منها: النبوات، درء تعارض العقل والنقل، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح وغيرها. توفي سنة ٧٢٨ هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ٣٨٧)، شذرات الذهب (٦/ ٨٠).
(٢) هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزُّرَعي، ثم الدمشقي، أبو عبد الله، شمس الدين، من أئمة السنة، وأعلام السلف، من مؤلفاته: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية وغيرها، توفي سنة ٧٥١ هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٧)، شذرات الذهب (٦/ ١٦٨).
(٣) انظر: الدرر السنية في الرد على الوهابية لأحمد زيني دجلان (ص ٤، ٦، ٧، ١٠، ٢٣، ٣٠)، نصرة الإمام السبكي برد الصارم المنكي لإبراهيم السمنودي (ص ٢٣، ٥٥، ٧٦، ٧٧، ٩٩، ١٣٤، ١٣٧، ١٣٩، ١٤٣، ٢١٤)، شواهد الحق في الاستغاثة بخير الخلق للنبهاني (ص ٥٨، ٦٠، ٦٢، ٨٦، ١٠١، ١٠٢، ١٤٢، ٢١٥، ٣٢٩، ٣٤٣)، إرغام المريد للكوثري (ص ٦)، مفاهيم يجب أن تصحح لعلوي مالكي (ص ٢١٣)، الذخائر المحمدية له (ص ٣٧، ٤٨، ٦٦، ١٣٢)، أبواب الفرج له (ص ٣٠٤).
(٤) انظر: الدرر السنية (١/ ٢٣٦)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٥/ ٥٤٢) (٤/ ٣٧١)، البيان المبدي لشناعة القول المجدي للشيخ سليمان بن سحمان (ص ٦٧ - ٦٨) =
[ ٥٦ ]