يرى ابن حجر -غفر الله له- كراهة الكتابة على القبور حيث يقول: "يكره تجصيص القبر والبناء عليه والكتابة عليه للنهي الصحيح عن الثلاثة" (^٤).
_________________
(١) تيسر العزيز الحميد (ص ٣٣٢).
(٢) انظر: فتح القدير لابن الهمام (٢/ ١٤١)، المدونة (١/ ١٨٩)، الكافي لابن عبد البر (١/ ١٨٣)، روضة الطالبين، شرح صحيح مسلم (٧/ ٣٧، ٣٨)، المبدع (٢/ ٢٧٣)، كشاف القناع (٢/ ١٣٩).
(٣) انظر: المصادر السابقة.
(٤) تحفة المحتاج (١/ ٤٣٣)، وانظر الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٠٥)، فتح الجواد (١/ ٢٤٤).
[ ٢١٦ ]
وفصل في موضع آخر حيث حكى عن الأذرعي (^١) من الشافعية قوله: بتحريم كتابة القرآن وكراهة كتابة ما سواه، ثم عقب بقوله: "ما ذكره الأذرعي من تحريم كتابة القرآن قريب ويلحق بالقرآن في ذلك كل اسم معظم، بخلاف غيره من النظم والنثر فإنه مكروه لا حرام " (^٢).
ويرى -عفا الله عنه- جواز كتابة اسم الميت على قبره إن تعذر تمييزه بغير ذلك في عامة القبور، واستحباب ذلك خاصة في قبور الأنبياء والأولياء، حيث يقول: "ما بحثه السبكي من عدم الكراهة في كتابة اسم الميت للتعريف، والأذرعي من استحبابها، ظاهر إن تعذر تمييزه إلا بها لو كان عالمًا أو صالحًا وخشي من طول السنين اندراس قبره والجهل به لو لم يكتب اسمه على قبره، ويحمل النهي على غير ذلك، لأنه يجوز (^٣) أن يستنبط من النص معنى يخصصه، وهو هنا الحاجة إلى التمييز، فهو بالقياس ندب على وضع شيء يعرف به القبر، بل هو داخل فيه، أو إلى بقاء هذا العالم أو الصالح ليكثر الترحم عليه أو عود بركته على من زاره" (^٤).
التقويم:
الكتابة على القبور مما ورد النهي عنه والتحذير منه، واتفق أهل العلم على ذلك (^٥)؛ لأنها من وسائل الشرك وذرائعه (^٦).
_________________
(١) هو أحمد بن حمدان بن أحمد بن عبد الواحد، أبو العباس، شهاب الدين، الأذرعي، فقيه شافعي، من مؤلفاته: غنية المحتاج، وقوت المحتاج كلاهما في شرح المنهاج، وجمع التوسط والفتح بين الروضة والشرح، توفي سنة ٧٨٣ هـ. انظر: الدرر الكامنة (١/ ١٢٥)، البدر الطالع (١/ ٣٥).
(٢) الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٠٦).
(٣) وقع في المطبوعة "ولا يجوز أن يستنبط " وهو تصحيف، والصواب ما أثبت أعلاه بدلالة السياق ووقوعها على هذا النحو في الطبعة الأولى من الفتاوى (٢/ ١٢).
(٤) الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، وانظر: تحفة المحتاج (١/ ٤٣٣، ٤٣٤).
(٥) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٣٢٠)، روضة الطالبين (١/ ٦٥٢)، المبدع (٢/ ٢٧٣)، كشاف القناع (٢/ ١٣٩).
(٦) انظر: النبذة الشريفة لابن معمر (ص ١٢٥)، والفواكه العذاب (ص ٩١ - ٩٤).
[ ٢١٧ ]
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (^١) -﵀-: "ثبت بالكتاب والسنة النهي عن ذلك أشد النهي، وقرر الفقهاء منع الكتابة على القبور والقباب وعلى جدران المساجد ونحوها، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله -ﷺ- ولا خلفائه الراشدين، ولا أهل القرون المفضلة يفعل ذلك، لا في حياته، ولا بعد مماته " (^٢).
وبناء على ذلك فما قرره ابن حجر -غفر الله له- من كراهة الكتابة على القبور أو التفصيل فيها مردود بكون النهي عن ذلك يقتضي التحريم مطلقًا، لا الكراهة أو التفصيل المذكور؛ إذ الأصل في النهي التحريم إلا أن يصرفه صارف إلى الكراهة، ولا صارف له هنا.
وتحريم الكتابة على القبور يتفاوت بتفاوت المكتوب، فليست كتابة الشرك الصراح كدعاء المقبور ورجائه والاستغاثة به ككتابة الآيات والأحاديث على قبره، كما أن كتابة الآيات والأحاديث على القبر ليست ككتابة اسم المقبور وتاريخ وفاته، وإن كانت كلها تشترك في التحريم.
وأما قوله بجواز كتابة اسم الميت على قبره، فمتعقب بكون النهي عن ذلك عامًّا في كل مكتوب، فلا يخصص إلا بدليل، وزعمه بأنه يجوز أن يستنبط من النص ما يخصصه لا يستقيم؛ إذ لو سلم ذلك لادعى كل مدعٍ تخصيص عمومات الكتاب والسنة مما لا يوافق هواه بدعوى استنباطه ما يخصصها.
وقد سئل الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين (^٣) عن كتابة
_________________
(١) هو عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، النجدي الأزهري، من أعلام الدعوة السلفية الإصلاحية في نجد، من مؤلفاته: منهاج التأسيس في كشف شبهات داود بن جرجيس، ومصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام، وعيون المسائل وغيرها، توفي سنة ١٢٩٣ هـ. انظر: علماء الدعوة (ص ٤٧)، الأعلام (٤/ ١٨٢).
(٢) مصباح الظلام (ص ٢٤٧).
(٣) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن أبو بطين، من أعلام الدعوة السلفية في نجد، وأحد فقهاء الحنابلة المتأخرين، من مؤلفاته: الانتصار لحزب الله الموحدين، وتأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس، وتعليقات على لوامع =
[ ٢١٨ ]
اسم الميت على القبر؟ فقال: "هو داخل في عموم النهي عن الكتابة على القبر، وأما جعل العلامة على القبر فلا بأس به " (^١).
وإذا تقرر حرمة الكتابة على القبور، وأن كتابة اسم المقبور على قبره داخل في عموم ذلك، فإن تحريم الكتابة يعم أيضًا كل قبر سواء كان صاحبه نبيًّا أو وليًا أو صالحًا، بل تحريم ذلك في قبورهم أولى؛ لما قد يحصل بالكتابة عليها من الفتنة بها، والشرك عندها، ودعاء أصحابها.
وبذا يعلم خطأ ابن حجر في قوله باستحباب كتابة اسم المقبور على قبور الأنبياء والأولياء خاصة، بدعوى كثرة التّرحُّم عليهم، وعود بركتهم على زائريهم؛ فإن الترحم حاصل بالكتابة وغيرها، وأما التماس البركة بزيارتهم فليس ذلك من مقاصد الزيارة الشرعية، ولا هو مما ثبتت البركة فيه حتى تُلتمس به.