يرى ابن حجر -عفا الله عنه- استحباب قراءة القرآن على القبور وسنية ذلك، حيث يقول: "قول بعضهم: تكرار الذهاب بعد الدفن للقراءة على القبر ليس بسنة ممنوع؛ إذ يسن قراءة ما تيسر على القبر والدعاء له، فالبدعة إنما هي في تلك الاجتماعات الحادثة دون نفس القراءة والدعاء، على أن من تلك الاجتماعات ما هو من البدع الحسنة كما لا يخفى" (^٢).
ويرى صحة الوصية بذلك، ووجوب إنفاذها، حيث يقول: "لو أوصى بكذا لمن يقرأ على قبره كل يوم جزء قرآن ولم يعين المدة صح، ثم من قرأ على قبره مدة حياته استحق الوصية وإلا فلا" (^٣).
_________________
(١) = الأنوار للسفاريني، توفي سنة ١٢٨٢ هـ. انظر: علماء الدعوة (ص ٧٩)، الأعلام (٤/ ٩٧).
(٢) الدرر السنية (٥/ ١٣٦ - ١٣٧).
(٣) تحفة المحتاج (١/ ٤٣٥).
(٤) المصدر السابق (٣/ ٣٩٢)، وانظر: الفتاوى الفقهية الكبرى (٣/ ٣٩٢).
[ ٢١٩ ]
التقويم:
القراءة على القبور تارة تكون قراءة دائمة في كل وقت، وتارة تكون في بعض الأوقات والأحوال دون بعض.
فأما القراءة الدائمة على القبور فهي بدعة حادثة لم تكن معروفة عند السلف.
وأما القراءة في بعض الأحوال والأوقات كحين زيارتها أو دفن الميت فيها، فقد اختلف أهل العلم فيها على ثلاثة أقوال.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائمًا للقراءة عنده؛ إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن ذلك ليس مما شرعه النبي -ﷺ- لأمته.
لكن اختلفوا في القراءة عند القبور هل تكره، أم لا تكره؟
والمسألة مشهورة، وفيها ثلاث روايات عن أحمد:
إحداها: أن ذلك لا بأس به
والثانية: أن ذلك مكروه وهذه الرواية التي رواها أكثر أصحابه عنه، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه وهي مذهب جمهور السلف، كأبي حنيفة ومالك ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام؛ وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة.
وقال مالك: ما علمت أحدًا يفعل ذلك، فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه.
والثالثة: أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها وأما القراءة بعد ذلك فهذا مكروه، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا" (^١).
وعليه فإن مذهب جمهور السلف كراهة القراءة على القبور، والذي
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٤٣ - ٧٤٤)، وانظر: الفتاوى (٢٤/ ٣١٧) (٢٤/ ٣٠١ - ٣٠٢)، والاختيارات العلمية (ص ٩١)، فتاوى اللجنة الدائمة (٩/ ٣٥، ٣٨، ٥١، ٥٢)، وأحكام الجنائز (ص ١٩١ - ١٩٣).
[ ٢٢٠ ]
ينبغي حمل الكراهة في كلامهم على كراهة التحريم لا كراهة التنزيه؛ إذ العلماء المتقدمون كثيرًا ما يطلقون الكراهة ويريدون بها كراهة التحريم هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الآثار التي استدل بها القائلون بجواز ذلك مطلقًا أو جوازه حال الدفن دون ما بعده ضعيفة لا تثبت (^١)، إضافة إلى كون القراءة على القبور قد توقع في الغلو فيها والشرك بها من دون الله تعالى (^٢).
وبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر من استحباب القراءة على القبور مخالف لما عليه أئمة المذاهب الأربعة -ومنهم الأمام الشافعي الذي ينتسب إليه ابن حجر ويذهب مذهبه- فإنهم وإن اختلفوا في كراهة القراءة على القبور أو عدمها، إلا أنهم متفقون على عدم استحبابها.
وأما قول ابن حجر ببدعية الاجتماعات الحادثة عند القبور للقراءة والدعاء، ثم زعمه بعد ذلك بأن من تلك الاجتماعات ما هو بدعة حسنة تناقض ظاهر؛ فإن البدع المحدثة في دين الله كله سيئة لعموم قوله -ﷺ-: "كل بدعة ضلالة" (^٣)، وتقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة مسلك بدعي، روج له الصوفية والقبورية لنشر بدعهم بين العامة وصدهم عن السنن -كما سيأتي- (^٤).