عَرَّف - ابن حجر - ﵀ - القرآن بقوله: "القرآن: مصدر قرأ، إذا جمع لجمعه السور المختلفة وعلوم الأولين والآخرين، وقيل: إذا أُلِفَ لحسن نظمه وتأليفه" (^١).
"وهو هنا اللفظ المنزل على محمد - ﷺ - للإعجاز بأقصر سورة منه" (^٢).
وتعبير ابن حجر - غفر الله له - عنه باللفظ هنا مبني على قوله بأن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأن القرآن إنما هو عبارة عنه - كما سيأتي - (^٣).
وقد بيّن ابن حجر - ﵀ - اشتمال القرآن الكريم على كل شيء، فقال: "ما من شيء إلا ويمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله تعالى " (^٤).
وذكر - ﵀ - جملة من العلوم التي اشتمل عليها القرآن الكريم، وقرر أصولها أحسن تقرير، واستدل لها بأقرب طريق، حيث قال:
_________________
(١) فتح المبين (ص ٢١).
(٢) المصدر السابق (ص ١٨٩)، وانظر: التعرف (ص ٢٤).
(٣) انظر: (ص ٣٢٧).
(٤) المنح المكية (٢/ ٨١١).
[ ٥٩ ]
"لا كتاب اشتمل على ما اشتمل عليه القرآن؛ لاشتماله مع قلة ألفاظه وتضمنها لِمَا أبهر العقول وأعيى الفحول من بدائع الفصاحة وغايات البلاغة، فضلًا عما حواه من العلوم التي سأشير إلى شذرة منها على بيان المطالب الإلهية واردة على أحسن أسلوب وآنقه، كالاستدلال بالصنعة على وجود الصانع، وكدلائل التوحيد، وتحقيق وصفه - ﷾ - بنعوت الجلال، وكأسمائه الحسنى، وكالاحتجاج على صحة وقوع المعاد الجسماني، وكدفع شبهات الإلحاد، وكالجزاء بالعدل والإحسان، وتفاوت الدرجات والدركات.
وعلى بيان تهذيب الأخلاق، والحث على الاتصاف بمحاسنها، والزجر عن قبائحها على أكمل وجه، وأوجز نظم
وعلى بيان ما يحتاج إليه من السياسات في نظام أحوال الخلق كشرع العبادات المثمرة، وتحديد العهد بعقد الأيمان، وإظهار وصف العبودية بدوام القربات الموصلة إلى محبة المعبود، وكشرع ما يحصل به الغرض بأقرب وجه كالبيع والإجارة والنكاح، وكشرع الزواجر لحفظ الأبدان والأديان والعقول والأنساب والأموال.
وعلى بيان علم تصفية الباطن وتطهير النفس من الرذائل، كالعجب والكبر والرياء وتحليتها بالأخلاق العلية كالإخلاص واليقين والعلم والمعرفة.
وعلى بيان ما تتعظ به النفس مما ذكره تعالى من معاملته القرون الماضية في الأزمنة الخالية، والوقوف على آياته تعالى.
إلى غير ذلك من العلوم التي لا يعلمها إلا علام الغيوب، ومن ثم قال بعضهم: لا يحيط بما فيه من العلوم إلا المتكلم به، ثم رسول الله - ﷺ -، خلا ما استأثر سبحانه به، ثم خلفاؤه لا سيما الأربعة وابن مسعود وابن عباس ثم تابعوهم بإحسان، ثم ضعفت الهمم عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه، وسائر فنونه، وقامت كل طائفة بفن من فنونه" (^١).
_________________
(١) الإيعاب (١/ ٢٠).
[ ٦٠ ]
وأنكر - ﵀ - على الجاحظ (^١) زعمه أنه لا يوجد في القرآن الكريم تقرير الأدلة العقلية على المسائل العقدية بالطريقة البرهانية، حيث قال:
"زعم الجاحظ أنه لا يوجد فيه [يعني: القرآن الكريم] شيء من المذهب الكلامي، الذي هو احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته، بحجة تقطع الخصم على طريقة أرباب الكلام، ولا من النوع المنطقي الذي يستنتج منه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة.
وردوا عليه: بأنه مشحون من ذلك، إذ ما من برهان، ودلالة، وتقسيم، وتحديد يبنى منه كليات العلوم العقلية، إلا وكتاب الله قد نطق به، وقد بين الإسلاميون من أهل هذه العلوم كثيرًا من ذلك، منه أن من أول سورة الحج إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾ [الحج: ٧] خمس نتائج تستنتج من عشر مقدمات
قال الأئمة: إنما أوردت حججه على عادة العرب، دون دقائق المتكلمين، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، ولأن من استطاع أن يفحم غيره بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لا ينبغي له أن ينحط إلى الأغمض الذي لا يفهمه إلا الأقلون، وإلا كان ملغزًا؛ ومن ثم أخرج تعالى في مخاطباته محاجات خلقه في أجلى صورة، وأوضحها، ليفهم العامة ما يقنعهم، أو يلزمهم الحجة بسببه، والخاصة ما يليق بهم من دقائق المعارف التي هي منتهى كل أحد، ومبلغ أربه" (^٢).
وقد استدل ابن حجر - ﵀ - بالقرآن الكريم في كثير من المسائل العقدية، وبيّن وجه دلالته عليها تارة، وأهملها أخرى.